أثر الفارابي وابن رشد في صياغة موسى بن ميمون للأصول الثلاثة عشر للديانة اليهودية
05 يونيو 2016 | 0 تعليق

ذوات

تأتي هذه الدراسة للباحث أشرف حسن منصور،  لتكشف المرجعيات المضمرة التي استند إليها موسى بن ميمون (1138 - 1204) لصياغة الأصول الاعتقادية للديانة اليهودية، فقد  اشتهر ابن ميمون  بكونه أول من وضع للديانة اليهودية أصولاً اعتقادية يجب على كل يهودي الإيمان بها وأخذها تسليماً وتقليداً، وفي حالة إنكار أصل واحد منها لن يستحق اليهودي نصيباً في العالم الآتي. كانت هذه الأصول الثلاثة عشر محل اهتمام بالغ من قبل كل مفكري اليهود منذ عصر ابن ميمون وحتى الآن؛ إذ كانت هدفاً للشرح والتفسير والتأويل، كما كانت أيضاً هدفاً للنقد والهجوم. في الصفحات التالية، سوف أستعرض هذه المبادئ، ثم أوضح دور الخلفية الفلسفية لابن ميمون في صياغتها، تلك الخلفية التي سيطر عليها الفارابي وابن سينا وابن رشد.

   يشير الباحث إلى أن ابن ميمون  كان يهدف من صياغته للأصول الثلاثة عشر أن يحصل على إجماع كل الناس عليها على اختلاف مراتبهم في التصديق: البرهانيون والجدليون والخطابيون. ذلك لأن هذه الأصول تتنوع بين الأصول الفلسفية البرهانية الخالصة: وجود الله، ووحدانيته، ونفي الجسمية عنه، وقِدَمه؛ والأصول الجدلية: أنه الأحق بالعبادة، وعلم الله بأفعال البشر؛ والأصول الخطابية الشعرية: علو نبوة موسى، وأيام المسيح، ونفي نسخ التوراة. إن هذه الأصول بهذا الترتيب وبنوعية كل أصل منها هي تحقيق لمشروع الفارابي في الجمع بين الفلسفة والدين، إذ قد سبق للفارابي أن ذهب إلى أن الاجتماع البشري لا يستقيم إلا باعتناق الجمع لآراء صادقة حول طبيعة الوجود وطبيعة المبدأ الأول وما يصدر عنه من مبادئ ثوان وموجودات، وبتمثيل كل هذه المبادئ للجمهور بطريقة خيالية شعرية تسهل عليهم تقبلها والاعتقاد فيها.

إن هذه الأصول وبالصياغة والشرح الذي قدمه ابن ميمون عليها تقف دليلاً على أنه كان يتعامل مع التراث الفلسفي الإسلامي بالطريقة التوفيقية والتلفيقية، وهي نفس الطريقة التي ظهرت واضحة في "دلالة الحائرين". فهو يجمع أفكاراً فارابية مع أفكار رشدية يمكن أن تكون متعارضة مع بعضها البعض. وأكبر تعارض رأيناه هو أنه يصل بعدد الأصول الإيمانية إلى ثلاثة عشر في مقابل الأصول الثلاثة لدى ابن رشد. لكن نظراً لرغبته في معاملة المعتقدات الخاصة باليهودية إلى أصول إيمانية فقد زاد هذا العدد، في حين أن أصول ابن رشد الثلاثة لم تكن سوى نقاط الالتقاء العامة والكلية بين الشريعة والحكمة.

  عرج الباحث في بداية الدراسة على مسألة أساسية مرتبطة بإشكالية غياب التأسيس للأصول الاعتقادية في الديانة اليهودية قبل ابن ميمون، رغم كون هذا الأخير لم يظهر إلا بعد    ما يقرب عن ألفي سنة من ظهور الديانة اليهودية، ويفسر الباحث هذا الغياب إلى كون هذه   الأصول ذات طابع نظري بحت، ولم تكن المراحل التي مرت بها الديانة اليهودية قبل ابن ميمون في حاجة إلى النظريات، بل كانت في حاجة إلى العمليات وحسب، أي في حاجة إلى مجرد أوامر ونواه وقواعد عملية للسلوك، وإلى شعائر دينية فيما يخص العبادة والنظافة والعادات الغذائية وشروط الذبح والأضحيات... إلخ.

 و أما عن الدوافع التي جعلت ابن ميمون ينخرط في تأصيل الاصول الاعتقادية يربطها الباحث بطبيعة الجدل الاعتقادي الذي حصل  في الثقافة المسيحية، ثم الإسلامية بدرجة أساسية .

فقد ظهرت الحاجة من داخل هاتين الديانتين إلى صياغة أصول إيمانية فارقة تميز أتباع كل دين عن أتباع الأديان الأخرى، لأن الأوامر والنواهي والشعائر لم تكن لتستطيع القيام بهذا الدور التمييزي الفاصل بين دين وآخر. ولذلك كان أول ظهور لأصول الدين من قبل اللاهوت المسيحي. أما ثاني ظهور لأصول الدين، فكان في الإسلام، وقد كان المعتزلة هم أول من وضعوا أصولاً إيمانية (الأصول الخمسة التي وصلت إلى اكتمالها عند القاضي عبد الجبار)، ثم قلدهم الأشاعرة؛ ووجدت الأصول الأشعرية صياغتها المكتملة مع الغزالي في كتابه "الاقتصاد في الاعتقاد". لكن كانت هذه الأصول مجرد أصول "كلامية" تميز الفرق الكلامية الإسلامية، إذ كانت أصول "المعتزلة" أو أصول "الأشاعرة"، قدموها على أنها هي أصول "الدين".

وتحت تأثير ازدهار مبحث أصول الدين في الثقافة الإسلامية كان ابن ميمون مدفوعاً لإقامة أصول مماثلة لليهودية. ولم يكن ابن ميمون على صلة بالفكر المسيحي، ولذلك لم يكن دافعه نحو وضع أصوله الإيمانية من التراث المسيحي، بل من محيطه الثقافي والحضاري الإسلامي وحده.

سلك الباحث طريقة تتسم بالوضوح في بيان مدى تأثر ابن ميمون بالفلاسفة وعلماء الكلام المسلمين في صياغته للأصول، من خلال بيان دلالة كل أصل كما شرحه ابن ميمون ثم الكشف بعد ذلك عن منابع الاستدلال و البرهنة عليه.

الخلاصة التي انتهى اليها الباحث هي أن محاولة ابن ميمون لصياغة هذه الأصول كانت بهدف  إضفاء العقلانية على الديانة اليهودية، لكنها لم تكن ناجحة تماماً، لأنها جمعت جمعاً تلفيقياً بين تراثين فلسفيين متعارضين، وهما المشائي والأفلاطوني، مع عقائد دينية خاصة باليهودية وحدها. وهذا هو السبب الذي جعل المفكرين التالين على ابن ميمون يختزلون أصوله الثلاثة عشر إلى الأصول الرشدية الثلاثة وبنصها وبنفس ترتيبها الذي قدمه ابن رشد، وأبرزهم شمعون ديوران، ومن بعده يوسف ألبو. إذ قد عادا إلى الصيغة الرشدية للأصول الإيمانية، رغبة منهما في إضفاء المزيد من العقلانية على العقيدة اليهودية، تلك العقلانية التي وجدا أن أصول ابن ميمون لا تحققها تماماً.

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق