الشعر العربي في مفترق الطرق
07 يناير 2017 | 0 تعليق

*شاعر وكاتب مصري
شعبان يوسف*

ليس جديدا على الشعر العربى أن يعاني من أزمات طاحنة، تلاحقه أينما وجد وتنّفس وعبّر عن نفسه بشتى الطرق، ونحن لا نستطيع أن نقول "الشعر العربي" هكذا دفعة واحدة، لأننا إزاء أنواع من الشعر، منها العامي، ومنها الفصيح، ومنها العمودي، ومنها التفعيلي، ومنها النثري، ولكل من هذه الأنواع مشاكله وقضاياه وأزماته وتعقيداته الخاصة.

ومما لاشك فيه، أن هناك أنواعا من هذا الشعر تكاد تكون انقرضت على المستوى الواقعي، ولا تجد البيئة المناسبة التي تتنفس فيها بحريّة وسلام، ولكن البعض يتعامل معها كنوع من التدليل لأجدادنا الذين مازالوا يعيشون، ولكنهم ينتظرون في كل دقيقة الإعلان الرسمي للنهاية المتوقعة - حتما - لهؤلاء الأجداد، وهنا نستطيع أن نقيم كل مراسم الحداد المطلوبة، لعزيز كان سندا وعمود حكمة في يوم من الأيام.

لا نستطيع أن نقول "الشعر العربي" هكذا دفعة واحدة، لأننا إزاء أنواع من الشعر، ولكل من هذه الأنواع مشاكله وقضاياه وأزماته وتعقيداته الخاصة

ولأن الشعر ليس له حقوق دفاع أدبية مقننة، سوف نلاحظ أن جميع الأنواع الشعرية ترعى في الساحة دون ضوابط أو روابط، ونحن لا ندعو هنا لتقنين كتابة الشعر ونشره وتسويقه وترويجه، ولكن هناك مساحات القرّاء قد قامت بهذا الدور على خير ما يرام.

وهذا الأمر يدفعنا بالتالي لكي نتساءل: "أي من هؤلاء القرّاء الذين يحددون رواج أو انحسار نوع محدد من الشعر؟".

ولأنني أعمل بالعمل الثقافي العام، فلي تجربة - من تجارب -، أعتقد أنه من المفيد نقلها هنا، وهي لا تخرج عن المتن الذي نريد إيضاحه، وهذه التجربة- الواقعة حدثت عندما كنت أضع برنامج "المقهى الثقافي"، ضمن أنشطة معرض القاهرة الدولي للكتاب، واخترت أن أدعو أحد الشعراء الشباب[1]، وهذا الشاعر يكاد يكون مجهولا تماما لدى المشتغلين بالأدب والثقافة، بل يكاد يكون نكرة، وكان ميعاد الندوة محددا من الساعة الثالثة ظهرا، حتى الخامسة، وكانت المفاجأة أن جمهور هذا الشاعر بدأ يتوافد على القاعة منذ الساعة العاشرة صباحا، وحتى الثانية ظهرا امتلأت القاعة بآلاف من جماهير هذا الشاعر، والمدهش أن فريقا من الشباب يصل إلى أكثر من عشرة، وقف أمام المنصة حتى يعمل على تنظيم عملية التوقيع، والأكثر إدهاشا أننا لم نستطع إدخال الشاعر من الباب الأمامي للخيمة، فصنعنا ثقبا يتسع لإدخاله إلى القاعة، ولا بد أن أقول إن الشاعر قوبل بهتافات مدوّية لتحيته، وحدث مشهد لم أره من قبل، إذ كان جمهور الشاعر الذي يقف في القاعة، يرفعون الكتاب بأيديهم إلى أعلى.

وفي قاعة أخرى في التوقيت نفسه، كان هناك لقاء مع الشاعر العربي الكبير أدونيس، بالطبع كان جمهور أدونيس المعروف والجاهز، والذي تكوّن عبر عشرات السنين التي كان أدونيس نجما باسقا في الوطن العربي كله، ومرجعا كبيرا لحركات شعرية كاملة؛ ولكن كان جمهور أدونيس لا يقارن إطلاقا بجمهور الشاعر الشاب الذي كادت الخيمة أن تتحطم من فعل التدافع العنيف لحضور فاعليته الشعرية.

أعزو الأحوال المتدنية لحال الشعر، لعناصر كثيرة، فالذين شاركوا في "محاولة" قتل الشعر، كثيرون، منهم أجهزة ومؤسسات، ومنهم أفراد من النقاد المؤثرين

بعدها أثار الأمر كثيرا من الكتّاب والنقاد والصحفيين، وهناك من هاجموا هذا الشاعر، واعتبروه ظاهرة مزورة، وغير أصيلة، ولا يمكن قياس قيمته، بحجم جمهوره الواسع، لأن هذا الجمهور، جمهور مؤقت، حيث أنه يدور حول المرحلة العمرية التي تشارف على العشرين، أو بعدها بقليل، وكان من أهم الذين كتبوا عن هذه الظاهرة، الكاتب الروائي عزّت القمحاوي، ونادى بقراءة المشهد جيدا، بدلا من الهجوم عليه، أو تجاهله، وكأنه لم يكن[2].

وكانت الدروس التى أدركتها بعد هذا الحدث الذي تكرر مرة أخرى مع شعراء آخرين، ونشأت دور نشر خصيّصا لخدمة أغراض هذه الظاهرة. ويكفي أن تصدر إحدى هذه الدور، ديوانين أو ثلاثة، حتى تحقق ربحا معقولا لها، وكذلك شهرة واسعة لها، حيث إن العدد الذي يباع فى مجمل حفلات التوقيع يتعدى العشرين ألف نسخة، أول هذه الدروس أن الأمر أصبح ظاهرة بالفعل، ولا يقتصر على شاعر واحد فقط، بل امتد الأمر ليشمل آخرين، مما يجعلنا نؤمن بأن الشعر لم ينته تماما كما يروّج كثيرون من النقاد. أما الأمر الثاني، فهو دراسة الشريحة الثقافية والعمرية التي "تستهلك" هذا النوع من الشعر؛ تلك الشريحة التي أهملها الشعراء، وأهملوا توجهاتها، ولم يستطع الشعراء الراسخون اختراق جدارها السميك. وبالطبع سنصل إلى النقطة الثالثة، وهي أن الشاعر أصبح مرتبطا ببضعة مفاهيم فنية، هي التي توجهه، وكذلك فهو يطبقها، ويظل يدافع عنها دون أدنى مناقشة لها، وعملا بمقولة رائد علم الاجتماع ماكس فيبر، والتي تؤكد أن الإنسان يظل يخلق لنفسه مجموعة من المبادئ، ثم يبني حياته عليها، وبالتالي من الممكن أن يدافع من أجلها، حتى لو وصل الأمر لنهايته، وهكذا يفعل الشعراء، فهم لا يراجعون المفاهيم التي انبنت عليها تجاربهم، ونظل نقرأ لهم أنهم لم يغيّروا أفكارهم منذ عشرات السنين، وكأن هذا الأمر يعدّ فضيلة تستحق الدفاع عنها.

يتلخص الأمر الرابع في أن هؤلاء "الشعراء - الظاهرة" ودور النشر والجمهور يتحركون معا، ويعملون بشكل منظم، في أطر تسويقية واسعة، حتى لو تحوّل الأمر عندهم إلى حالة من التسليع، إنهم لا يتورعون عن تسليع الشعر، حتى لو زعموا غير ذلك. وهذا بالطبع، يختلف تماما عن الحالات التي تبرمجت فيها الحركات الشعرية السابقة عبر عقود وأجيال سابقة، وبالتالي فالأمر هنا يتعلق بأخلاقيات التسويق والدعاية والرواج، وتظل الفكرة المهيمنة على الشعراء القدامى، هي أنهم يكتبون فقط، وعلى جماهيرهم أن تبحث عنهم، وبالطبع فالأمر ليس كذلك تماما، ولكنه قريب.

سيظن البعض أن تلك السطور لا تتعلق بمتن القضية نفسها، ولكنني أؤكد على أنني لم أخرج عن المتن، فهناك أمر لابد من إدراكه، وهو أن الشعراء الجدد، تخففوا كثيرا من المقولات والنظريات والصياغات الفلسفية لماهية الفن عموما، والشعر خصوصا، وبالتأكيد فهم يكتبون ما يناسب الجمهور، ولكننا لن نعدم لديهم فكرة هنا، أو صياغات فنيّة بديعة هناك، وربما فهم لا يتعاملون مع الأمر على أنه رسالة خالدة، فهم متخففون تماما من التعقيدات التي طرحتها الأجيال السابقة. ولذلك فهناك ما يشبه القطيعة الكليّة عن الأجيال السابقة؛ قطيعة تشمل شكل الكتابة ومحمولاتها الفكرية والسياسية، وكذلك فجمهور هؤلاء لا يتقاطع مع أولئك على الإطلاق. وهكذا تظل السلسلة الرابطة تتمزق، حتى أننا في كثير من الأحيان نقرأ لهؤلاء الشعراء الجدد، كتابة تشبه الخواطر السيّارة التي يكتبها البعض على مواقع "التواصل الاجتماعي". وهذا الأمر بالتحديد، يحدّد ثقافة المستهلك الجديد للشعر، هذا المستهلك الذي تعرّض في العقود السابقة لعمليات تسطيح ثقافي، وتجريف فكري كاسح.

وللأسف، نضطر لاستخدام مفردة "المستهلك"، لأن الأمر أصبح هكذا بالفعل، وأصبحت الدوائر النقدية والإعلامية تقيس قيمة "المنتج" الإبداعي بحجم التوافد عليه، ولأن هذا "المنتج" الإبداعي الجديد، لا يقاس بالتجارب الإبداعية الشعرية السابقة، فهو لا يوضع فى تطور الحركة الشعرية، ولذلك يعتبر كثيرون أن الحركة الشعرية توقفت عند الشاعر أمل دنقل، مثلما كتب جابر عصفور أكثر من مرة. وعندما كتب عن أحد الشعراء من أبناء الجيل التالي، كتب تحت عنوان دال "زمن الرواية"، وقدم قراءة في تجربة واحد من جيل السبعينيات، وكان الشاعر هو محمد سليمان. ثم ناقش شاعرا آخر من الجيل ذاته، ولكنه أصرّ على تمزيقه وتسخيف تجربته، وإن كانت تجربة ذلك الشاعر الأخير متوسطة القيمة، ولكنها لا تخلو تماما من قيمة، على عكس ما وصفها الناقد الكبير، والذي انتهى وتبنّى مقولة "زمن الرواية"، بل خصّص كتابا ضخما حمل ذلك العنوان[3]، الذي أصبح شعارا فيما بعد.

إن "الشعراء- الظاهرة" ودور النشر والجمهور يتحركون معا، ويعملون بشكل منظم، في أطر تسويقية واسعة، حتى لو تحوّل الأمر عندهم إلى حالة من التسليع

ومن ثم اتجه شعراء كبار لكتابة الرواية، ومنهم العراقي سعدي يوسف، فكتب روايته "مثلث الدائرة"[4]، وبعده اللبناني عباس بيضون[5]، ثم الإماراتية ميسون صقر[6]، والمصري علاء خالد[7]، وكرّ الخيط ليشمل شعراء وشاعرات كثيرين مثل سهير المصادفة، وصبحي موسى، واليمني علي المقري، والفلسطيني إبراهيم نصرالله. وهناك سلسلة لا يسهل حصرها كتبت، وتكتب دخلت عالم الرواية، والأكثر غرابة أنهم تركوا بالفعل ساحة الشعر، وهجروها تماما.

بالطبع، هذا لا يجعلنا نقول بأن هذه العلامات هي مقدمات طبيعية لنهايات جنس أدبي أصيل، وله ارتباط أقصى مع الغريزة البشرية، ولكنني أعزو بالفعل تلك الأحوال المتدنية لحال الشعر، لعناصر كثيرة، فالذين شاركوا في "محاولة" قتل الشعر، كثيرون، منهم أجهزة ومؤسسات، ومنهم أفراد من النقاد المؤثرين، والشعراء الذين لم يستطيعوا أن يرتفعوا إلى سقف الرواية المعاصر بما كتبوه من روايات. وكل ما فعله هؤلاء الشعراء، أنهم أهدروا طاقاتهم الشعرية في كتابة ما استطاعوا أن يكتبوه من سرود ليست على ما يرام، ونحن لا نستطيع أن نضع رواية سعدي يوسف - مثلا- فى حركة تطور الرواية العربية، مثلما فعل الروائيون الراسخون، مثل نجيب محفوظ أو حنا مينة أو الطاهر وطّار أو عبد الرحمن منيف، أو هاني الراهب وغيرهم من روائيين عرب كبار ومؤثرين. وستظل غالبية نتاجات أو نزوات الشعراء الروائية معلقة فى سياق النزوات الفنية. ولا أعرف نماذج روائية لشعراء، تركت آثارا عظيمة في حركة تطور الرواية.

هناك نقاد لم يفعلوا مثلما فعل جابر عصفور بالضبط، ولكنهم فعلوا مثله، ولكن على نحو آخر، أي أنهم طبقوا مقولة "زمن الرواية" بهجرتهم الواضحة لنقد الشعر، إلى تكريس وتكثيف جهودهم لنقد الرواية. ويبرز في هذا المجال الدكتور والناقد محمد عبد المطلب، وله - سابقا- ما يزيد عن خمسة عشر كتابا في نقد الشعر المعاصر والقديم، ثم مع رواج الجنس الروائي، لاحظنا أنه خصّص جلّ إنتاجه النقدي للروايات التي تصدر في مصر والعالم العربي.

كذلك مؤسسات التعليم العربية، التي تلعب أدوارا كثيرة وكبيرة في عملية الاستبعاد المتعسفة للشعر، فليس من الطبيعي أن كتب النصوص التي يدرسها طلّاب الثانوي، تنطوي على نصوص تكاد تكون منمطة، والأكثر إمعانا فى التعنت، يكمن في طريقة الشرح المدرجة فى تلك الكتب، وبالتالي هي الطريقة نفسها التي يطبقها المعلمون، فضلا عن أن هؤلاء المعلمين- كما هو معروف- يلقون دروسهم، وهم في أسوأ حال، وهذه ليست حالات فردية، بل يصل الأمر إلى مستوى الظاهرة، وأعتقد أن واضعي سياسات التعليم لو استطاعوا أن يلغوا دروس الشعر لفعلوا ذلك؛ ولكنهم يحاولون ذرّ الرماد في العيون، ولو نظرنا إلى النصوص المختارة، سنجد أن صلاح عبد الصبور - في مصر مثلا- هو آخر جيل تتعامل معه تلك المؤسسات، وبالتالي فنحن لا ننتظر من هؤلاء الطلّاب سوى الكراهية "العمياء" لذلك النوع من الفنون، وهو الشعر المقرر عليهم، والمدرج كمادة دراسية، ليس لها أدنى قيمة، سوى أنها تساعد الطالب في زيادة درجات النجاح.

ربما تكون الروايات ليست معرضة لما يتعرض له الشعر، لأن الروايات التي تروج الآن، ليست هي الروايات التي نأمل أن تكون في الصدارة، ولكنها روايات تخدم المناخ العام بامتياز

وليس من الجديد أن نلاحظ التكثيف الشديد الذي تلعبه المؤسسات الحكومية، وغير الحكومية، في إنشاء مسابقات ضخمة للروايات والقصص القصيرة، ولا نلمس ذلك في مجال الشعر، فقط نشاهد تلك المسابقات البائسة التي نشاهدها على الفضائيات، وتعمل على تكريس الشعر العمودي، تحت عناوين فضفاضة، مثل شاعر المليون، وأمير الشعراء وهكذا. ولا أعتقد أن النقاد الذين يساهمون في التحكيم، معنيون تماما بفكرة تطوير الشعر وحركته في العالم العربي، بينما لا نجد تلك الفضائيات تقدم برنامجا ثقافيا أو شعريا يجذب إليه الجمهور. ربما تحاول فضائية هنا أوهناك الآن استعادة مجد الشعر، عبر إنشاء برنامج أو اثنين لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

ومن الطبيعي أن تكون كل العناصر الفائت ذكرها هنا، مرتبطة ارتباطا كبيرا بالمناخ السياسي والاجتماعي العام، ذلك المناخ الضاغط والمعادي بشكل واضح للثقافة، وبالأخص فن الشعر. وربما تكون الروايات ليست معرضة لما يتعرض له الشعر، لأن الروايات التي تروج الآن، ليست هي الروايات التي نأمل أن تكون في الصدارة، ولكنها روايات تخدم المناخ العام بامتياز، فهي مجرد "حواديت" ونمائم وأفكار سياسية وعجائبية، ولها اشتباكات كثيرة مع ما يحدث في الواقع.

وربما الأشعار التي تحتاج إلى سيكولوجية للتلقي، تختلف عن تلك الحالات المعاصرة من القرّاء والجمهور، ولو لاحظنا أن ذلك الجمهور كان يردد في ما أسموه ثورات الربيع العربي قصيدة الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، وهي التي تبدأ بـ:

إذا الشعب يوما أراد الحياة     فلا بد أن يستجيب القدر

وفي ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، كانت قصيدة عبد الرحمن الأبنودي "أحلف بسماها وبترابها" هي الأكثر ترديدا، وهي التي غنّاها عبد الحليم حافظ أثناء نكسة 1967، أي أن جمهور الشعر - فى المعنى القديم، ومستهلكيه - بالتعريف المعاصر. وهاتان القصيدتان أذكرهما على سبيل المثال، ولكن كل أشكال الشعر الأخرى ضاعت تحت أقدام العنف والحماسة، وأصبحت القصائد التي تخدم الغرض السياسي والمباشر والتحريضي هي الرائجة، وهي التي تتلى في الإذاعات والندوات والفضائيات؛ حتى الشعراء الذين كانوا أرقاما في الحركة الشعرية، تحولوا إلى "هتيفة"، وحاملي ومروجي شعارات، وراحوا ينافسون الشعراء المحترفين في هذا المجال.

حتى لو سلمت النوايا عند الشعراء، وأرادوا أن يحدثوا تأثيرات ما بما يكتبونه من قصائد تحريضية، إلا أنهم أضرّوا بماهية الشعر ومعناه ورسالته، وأنا أعتقد أن الشعر له رسالة، ليست تلك الرسائل التي تنصّ عليها برامج الأحزاب السياسية، أو نجدها في أجندة الناقد الأيديولوجي، ولكنها الرسالة التي تقال فى خفوت، وفي همس وتأمل، لكن من سوف ينصت لتلك الأصوات الشعرية الخافتة والهامسة تحت قوس الشعارات الهادرة والعنيفة، ومن سوف يجد وقتا للتأمل والاستغراق في تجربة روحية عميقة، في ظل الماكينات الإعلامية المشروخة، والتي لا تصدر إلا أصوات الحروب والمعارك الضارية؟!!

أعتقد بأن زوال أو اضمحلال المناخات السياسية الحاكمة في مجتمعاتنا العربية، سيكون بادرة قوية لعودة الشعر مرة أخرى محمولا في القلوب!

وبالطبع، فزوال مثل هذه الحالات التي تجاوزت الإطارات الإقليمية، لتصبح مناخا عالميا وكونيا، والتي - حتما- ستنتهي، أو أنني أحلم بذلك، أو أتخيّل، سوف يأتي بمناخات مناسبة لإبداع الشعر، ومناسبة كذلك لتلقيه، فالمرسل والمتلقي الآن فى أسوأ الأحوال، وبالتالي، فالنماذج الأكثر رواجا وسوادا وتعميما، نماذج تنتمي لذلك العصر الضاري، ذلك العصر المتوحش، والذي سيتم تقويضه، ولابد أن البشرية قادمة لا جدال على فصل تاريخي آخر، للخروج من هذه المهزلة التي تآمرت على الشعر ومبدعيه ومتلقيه ونقاده ولجانه ومؤسساته - إذا صحّ أن تكون للشعر مؤسسة-. فلا يمكن أن يحتمل البشر ذلك العالم الضاغط والملوث بالنثر البغيض، ذلك النثر الذى يطلّ علينا من شاشات التلفزيونات، ومن إذاعات الحكومات الفاشلة، ذلك النثر الذي يمزج الخبر الرديء، بالجملة الروائية، وبالمشهد المسرحي.

على مدى السبعين عاما الماضية، ومنذ أن دق السياب ونازك الملائكة ولويس عوض والبياتي وأدونيس وصلاح عبد الصبور وآخرون، نواقيس الحداثة الشعرية، والأزمات التي تواجه الشعر مستحكمة، وإن كانت انفراجات قليلة تحدث هنا وهناك. وإذا كان العرب واجهوا تلك الأزمات الطاحنة منذ أواخر العصر العباسي، حتى بزوغ القرن العشرين، وذلك نتيجة للانحطاط السياسي الذي عاشه العرب على مدى سبعة قرون، وانفرجت الأزمة الشعرية مع قدوم البارودى ومن تلوه، أعتقد بأن زوال أو اضمحلال المناخات السياسية الحاكمة في مجتمعاتنا العربية، سيكون بادرة قوية لعودة الشعر مرة أخرى محمولا في القلوب!

 

[1]يتعلق الأمر بالشاعر زاب ثروت، وديوانه "حبيبتي"، الصادر عن دار دوّن، بالقاهرة سنة 2015

[2] عزت القمحاوي ـ ثقافتنا.. بين أدونيس وزاب ثروت ـ جريدة المصري اليوم عدد يوم الاثنين 09-02-2015 

 

[3] جابر عصفور ـ زمن الرواية، دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع ـ دمشق 1999

[4] سعدي يوسف ـ مثلث الدائرة ـ دار المدى للطباعة والنشر والتوزيع ـ دمشق 1994

[5] أصدر الشاعر عباس بيضون مجموعة من الروايات لعل أحدثها: ساعة تخلي ـ دار الساقي، بيروت 2013

[6] ميسون صقر ـ ريحانة ـ روايات الهلال، العدد 649، سنة 2003

[7] علاء خالد ـ ألم خفيف كريشة طائر، دار الشروق، القاهرة 2009

 

* مقال منشور ضمن ملف العدد التاسع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "الشعر العربي المعاصر وسؤال التلقي.."

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/UFaLUW

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق