نيتشه ونقد المعرفة التاريخية الحديثة
20 اغسطس 2016 | 0 تعليق

ذوات

ينتقد نيتشه علم التاريخ التقليدي من مدخل الضرر الذي يلحقه بالحياة، ويضعه في سياق الانحطاط العام الذي جاءت به الحداثة العلمية؛ ولعل الداء الذي جلبته هذه المعارف هو الموضوعية بما هي تعبير عن صحة الوقائع التي يفتخر بها التاريخ الحديث، وفي هذا الإطار، يندرج حديثه عن ضرورة تملٌك الحس التاريخي، بما هو حس نقدي يحتفي بالصيرورة ويجعل الثبات مزيفا، وكل شيء إنما خاضع لهذه الصيرورة، ومن ثم لا مجال للحديث عن المعطيات الخالدة والحقائق المطلقة في التاريخ.

ويرى نيتشه، في دراسة أعدها الباحث المغربي الحسين أخدوش ونشرت على موقع مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات الأبحاث في فئة أبحاث محكمة، أن المعارف التاريخية كما يقدمها المؤرخون، هي مجرد إقحام وجهات نظر معينة ترى الأحداث التاريخية عبارة عن تعاقبات تسعى إلى غايات معينة. وهنا يتحول التاريخ إلى مجرد ذاكرة مثقلة بالأوهام، لهذا ينبغي أن يكون هناك حد معين يجب من خلاله نسيان الماضي، ولتحديد هذا الحد الذي انطلاقا منه يتحقق نسيان الماضي، يجب تحديد ما هي هذه القوة المفجرة التي ستتيح لأي كان أن يطور نفسه بطريقة أصيلة ومستقلة، فيشفي جراحاته ويرمم خسائره، ويعيد بناء الصور المحطمة في أعماقه الخاصة.

وهكذا، يستدعي هذا الوضع الذي آل إليه التاريخ، وفق الدراسة، إجراء تشريح تقويمي لهذا المعطى بما هو معطى مريض، وذلك انطلاقا من فحص طبي للعنصرين: التاريخي واللاتاريخي بما هما عنصران مرتبطان بصحة الفرد والشعب والحضارة. ويعترف نيتشه أن كلا العنصرين ضروري لصحة الأفراد والأمم والحضارة؛ غير أنهما ليسا على درجة واحدة من القيمة.. فالعنصر التاريخي هو مصدر استلاب اللحظة والحاضر، حيث يقف في وجه الإرادة الفردية، ويكبح جماح إرادة القوة، فيكون عنصرا لا تحرريا وارتكاسيا. ولعل مشكلة الإنسان المعاصر أو الثقافة الحديثة كما يزعم نيتشه، هي الإفراط في المعارف التاريخية إلى حد التخمة.

وتشير الدراسة إلى أن نيتشه يأخذ على المؤرخين استخدامهم التاريخ بالمعنى الأفلاطوني، وذلك من خلال استعمالهم للأنماط الثلاثة المعهودة: التاريخ الأثري والتقليداني والنقدي. ولعل ما تشترك فيه هذه الأنماط التاريخية الثلاثة كونها تصدر عن النموذج الميتافيزيقي والأنثروبولوجي للذاكرة. هذا النموذج الذي يفهم من التاريخ جانبه السكوني وتراتبية لحظاته كما لو كان ذلك مجرد معطيات خالدة وحقائق مطلقة.

وفي هذا السياق يضع نيتشه الموضوعية في مقابل روح العدالة، ويعتبرهما شيئين جد مختلفين. فلم يعد بالإمكان أن يصبح المرء مؤرخا كبيرا وفنانا، وفي الوقت نفسه قاصر النظر؛ .. إن رجل التجربة بنظره هو الوحيد الذي يقدر على كتابة التاريخ. أما الذي لم ينجز قط أية تجارب كبيرة ولا عظيمة كباقي الناس الآخرين، فلن يقرأ أبدا ذلك الكبر وتلك العظمة الموجودين في التاريخ.

ويقدم نيتشه بديله الفلسفي للممارسة التاريخية بما هي ممارسة مختلفة جذريا عن سابقتها، وينعت هذا البديل بالحس التاريخي الذي سيجعل منه فيما بعد بحثا جينيالوجيا يوزع ويشتت ليدع الفوارق والهوامش تعمل عملها في تاريخ الثقافة.

يعد الحس التاريخي في عرف نيتشه، بحسب الباحث، نوعا من المعرفة التاريخية التي لا ترتكز على ثوابت مطلقة، ولا على مبادئ قبلية أو متعالية، بل إنه نوع من "الفيزيولوجيا" التي تقوم بتشريح التاريخ: تاريخ الأخلاق والعواطف والقيم والثقافة بشكل عام. إنها مهمة تأويل التاريخ نفسه من حيث هو مسرح علاقات القوة والضعف، تاريخ الأخلاق والقيم والعادات والمثل والمفاهيم الميتافيزيقية، تاريخ مفاهيم الحرية والزهد، الشر والخير، الوهم والحقيقة... إن هذه المهمة الجديدة الموكولة للفلسفة، هي ما سوف يسميه نيتشه "الجينيالوجيا" أو في بعض الأحيان "الروح التاريخية".

التصور التاريخي

لقد أحدث نيتشه تغييرا جذريا في تصورنا للتاريخ، فوضع له منظورا يتنافر ويتناقض مع كل التصورات الجامدة والقبلية له. فالممارسة التاريخية بما هي جينيالوجيا لا تتوافق مع الوقائع الجامدة، بل تسعد وتكون فعالة أكثر حينما يتعلق الأمر بالتعدد والاختلاف؛ وهذا ما يفسر رفض الخطاب التاريخي النتشوي لكل ما يتصل بالفكر الماهوي والمثالي، لهذا قدم تقسيما آخر للتاريخ، معتمدا هذا المنظور الجديد بما يسمح له بتأويل المراحل التاريخية التي مرت منها الثقافة والأخلاق منذ بداية تكونها دون أن يعني هذا التقسيم تحقيبا للتاريخ كما يفعل التقليد القديم، فقسم المراحل التاريخية للأخلاق إلى ثلاث: مرحلة ما قبل التاريخ، مرحلة ما بعد التاريخ، ومرحلة التاريخ.

يستعمل نيتشه عبارة "المرحلة البدائية" أو "ما قبل التاريخ"، فيدرك منها شيئا مخالفا للتاريخ الكوني، إنه يفهم منها عمل "أخلاقية العادات" الذي يسبق هذا الأخير؛ فهو يعتبر كل هذه العصور اللا محدودة لأخلاقية العادات سابقة للتاريخ الشامل، مشكلة في الواقع التاريخ الرئيس والفاصل الذي يحدد بشكل نهائي سمت الإنسانية.

يشكل هذا النوع "ما قبل تاريخ الإنساني"، إنه العمل الذي يهم تعيين وتحديد الكائن البشري كما هو (أي ترويضه). وقد شكل هذا الفعل الترويضي مهمة الثقافة، لهذا استحق أن يصبح الاشتغال على فعل الإنسان من هذا المنطلق موضوع الجينيالوجيا بامتياز، فمثلا تعتبر علاقة: الدين/المدين حسب نيتشه، أقدم العلاقات البدائية السائدة بين الأفراد، والشكل الأكثر بدائية للحق الشخصي. باختصار، تشكل مرحلة ما قبل التاريخ، لحظة انتصار القوى الفاعلة على القوى الارتكاسية.

وفي "مرحلة التاريخ" يظهر نيتشه التاريخ على أنه الفعل والمجال الذي من خلاله استولت قوى الارتكاس على الثقافة، لتأويلها من خلال مجموعة من القيم والمفاهيم المريضة: كالإحساس بالذنب والخطأ، الخير والشر، المثال الزهدي...وهكذا أصبحت الثقافة تتلقى في التاريخ معاني مختلفة كلية عن جوهرها الخاص بها، حيث أصبحت مأسورة في قبضة القوى السلبية.

فعيب هذا التاريخ، عند نيتشه، وفق الباحث، أنه يخلط بين القوانين والمضامين التي تحددها. وهذه المضامين الارتكاسية التي تثقلها وتمنعها من الزوال، هي مضامين مشحونة بالدين والأخلاق والميتافيزيقا، ناسية أنها أكثر حماقة وثقلا من أي شيء آخر.

فالتاريخ بهذا المعنى هو مجرد قلب للتراتب والانتقاء. تاريخ يجعل قوى الارتكاس تقدر على حفظ ذاتها، لتشكل نموذجا ثقافيا مريضا ومحرفا عن مساره. لهذا يعتبر نيتشه أن انتصار القوى الارتكاسية ليس فقط عرضا في التاريخ، بل هو مبدأ التاريخ ومعناه، وهذا ما يستوجب نقده وتجاوزه إلى نوع آخر وممارسة أخرى مخالفة له.

تحتل إذن فكرة انحطاط التاريخ وتأثيرها السلبي على الثقافة الإنسانية حيزا كبيرا في انشغالات نيتشه بأمراض الثقافة والحضارة. ولعل النقد الذي وجهه هذا الأخير للأنساق المثالية والدينية والعقلية خير شاهد على ذلك.

أفضى منظور نيتشه للتاريخ كـ "جينيالوجيا" إلى رفض جذري للتصور السكوني الذي يعتبر كل شيء ثابتا، مثلما حصل في التصور الديني والميتافيزيقي. وقد نجم عن ذلك إسقاط فكرة الإله أو العقل المحرك للتاريخ الذي يتقدم به إلى الأمام كما زعم "هيغل"؛ إضافة إلى جعل الإنسان خاضعا للصيرورة، مثلما يخضع لها كل شيء في الوجود. لذا لم يعد بالإمكان القول بوجود حقائق ثابتة وخالدة.

ترتب عن هذه الدعوى القول بانتفاء الغائية عن العالم، وإزالة صفة الألوهية عن الطبيعة ونفي إرادة الإله في تسيير التاريخ. وقد سمح ذلك لنيتشه بالقول بصراع الإرادات كمحرك للتاريخ بدل الإله المدبر، فاعتبر الصراع الأبدي هو الروح المدبرة لأمر التاريخ إلى ما لانهاية.

إذن، يجعل نيتشه التاريخ، بحسب الدراسة، ممارسة جينيالوجية تعيد تقييم الأصول والقيم والأفكار، استنادا إلى منظورية راديكالية تبحث عن مواطن الضعف والقوة، وتقوم بتشريح علاقات القوى التي تحكم هذه الأصول والمعارف والقيم ثم الثقافة برمتها؛ ولهذا لا يمكن اعتبار الممارسة التاريخية بما هي جينيالوجيا نوعا من تحقيب التاريخ، بل ممارسة نقدية تسعى إلى تقويض وهدم وتفكيك الثقافة الدينية والمثالية التي تجد ضالتها في هذا التاريخ. بهذا المعنى الجديد للتاريخ، أصبح المنظور النتشوي فلسفة مضادة للنزعات التاريخية والتاريخانية في القرن 19م.

 

للاطلاع على الدراسة كاملة يمكن الضغط هنا

http://goo.gl/Zp0OH3

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق