إشكالية المنهج التاريخي من منظور كارل بوبر
26 مايو 2016 | 0 تعليق

ذوات

 في هذه الدراسة الموسومة بـ"إشكالية المنهج التاريخي من منظور كارل بوبر"  يسيح بنا الباحث المغربي محمد بكور في عوالم الرؤية النقدية التي يقدمها الفيلسوف النمساوي كارل بوبر ، والذي يعد من  أهمّ فلاسفة العلم في القرن العشرين.

تعد  نظريّة بوبر الإبستمولوجيا التي بسطها في مؤلفه المشهور "منطق الكشف العلمي" وباقي مؤلفاته الأخرى كـ"بؤس الإيديولوجيا" و" المجتمع المفتوح و أعداؤه" و" أسطورة الإطار" و" كتاب " درس القرن العشرين" وغيرها من المؤلفات والكتب؛ من أكثر النظريات إثارة للجدل، فهو يرسم من خلالها مسارا نقديا يتجاوز المألوف في فلسلفة العلم، فقد اتخذ لنفسه موقفا يعارض الوضعية المنطقية كما ينتقد التاريخانية، فطرحه  المتفرّد الذي صاغه في مقولة القابلية للتكذيب، أسسه بنفي ومعارضة المبادئ التي انبنى عليها صرح حلقة فيينا، فقد الرجل خص حيزا واسعا من اهتماماته  في محاربة  الوضعية المنطقية.

    كما تعد إسهامات بوبر في النقاش الدائر حول المعرفة التاريخية، وخصائص المنهج التاريخي، ونقده اللاذع للنزعة التاريخانية، ذات قيمة فعّالة في بناء صرح علم التاريخ. ذلك أنه لم يدخر جهدا علميا لنقض بنيان التاريخانية في مختلف صورها، باعتبارها نظريات مدمّرة للإنسانية، وإيديولوجيات تستند إليها الأنظمة الشمولية.

يشر الباحث محمد بكور في هذه الدراسة إلى كون كارل بوبر، إلى جانب فلاسفة آخرين، من أبرز المنتقدين للمدرسة الوضعية، لكنّه، بحكم صلاته الفكرية بهذه المدرسة، وتأثّره ببعض طروحاتها، حرص على التوفيق بينها وبين خصومها؛ إذ يقترح مخرجاً لإشكالية التفسير والتأويل في المعرفة التاريخية.

تنطلق الوضعية من مسلّمة أساسية هي «علمية» هذه المعرفة، وتحقُّقها الموضوعي خارج الذات؛ فالتاريخ هو مجموع أحداث واقعية يتمّ اكتشافها من طرف المؤرّخ، ومن ثمّ، فهي حَريَّة بتطبيق «المنهج العلمي» الصارم القائم على دراسة الوثائق والمقارنة بينها. في حين يذهب التيار القائل بالتأويل إلى اعتبار التاريخ نتاج عملية بناء ذهني ينجزها المؤرّخ. من هنا، إن هذا الأخير، مهما حاول اقتراف الموضوعية، وجعل عمله يرقى إلى مرتبة العلم، فإنه يكتب عملاً أقرب إلى نصّ أدبي منه إلى منتوج «علمي».

يرفض بوبر هذه المقولات، التي تضع حدوداً قسريّة بين «العلم واللاعلم»، ويقترح مقولة العوالم الثلاثة لتفسير طروحاته. ومن خلال هذه المقولة، استطاع بوبر التوفيق بين نظريتي التفسير والتأويل في منهج الكتابة التاريخية.

كارل بوبر مشروعه الفلسفي، الذي يحرص على وسمه بـ «العقلانية النقدية»، والذي أنتج ضمنه أعمالاً قيّمة في فلسفة العلم، والاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والتحليل النفسي، جعلته واحداً من أهم فلاسفة القرن العشرين. وتقوم نظريته على نقد الاتجاهات العلموية السلطوية من جهة، وعلى رفض الاتجاهات التشكيكية العدمية في مجالات العلم، والأخلاق، والسياسة، من جهة ثانية.

إنّ تنويرية بوبر أضفت على فلسفته ميزة أخرى مهمّة هي وضوحها، وسهولة منالها؛ فبوبر، دائماً، فيلسوف يحبّ الوضوح، ويكره العبارات المتحذلقة والجوفاء، ويرى أنّ الغموض يتصادم مع مقاييس الصدق والنقد العقلاني. وباعتباره تنويرياً، اختار أن يكون مفهوماً؛ لأنّ المفكر التنويري الحقيقي لا يستهدف التأثير في الآخرين، أو إقناعهم؛ لأنّه، دائماً، على وعي بإمكانيّة أن يكون على خطأ، ولأنّه يحترم الاستقلالية العقلية للأفراد، ويسعى إلى بناء الرأي الحرّ.

ومن هذا المنطلق، ظلّت كتابات بوبر السياسية والاجتماعية، طيلة نصف قرن، تتّسم بروح التفاؤل المفعمة بالأمل في مستقبل أفضل للبشرية؛ فهو يرى أنّ «أعظم الثورات الأخلاقية والروحية في التاريخ، هي رغبة العديد من البشر المجهولين في تحرير أنفسهم وأذهانهم من هيمنة السلطة والأفكار المسبقة. إنها محاولاتهم بناء مجتمع مفتوح يلفظ السلطة المطلقة لما هو قائم، ولما هو تقليدي، والرقي إلى مستويات الحريّة، والإنسانية، والنقد العقلاني» .

وبالعودة إلى الأطروحة النقدية التي قدمها الرجل حول التاريخيانية؛ يرى أنها " طريقة في معالجة العلوم الاجتماعية تفترض أنّ التنبؤ التاريخي غايتها الرئيسة، كما تفترض الوصول إلى هذه الغاية بالكشف عن «القوانين»، أو «الأنماط»، أو «الإيقاعات»، التي يسير التطوّر التاريخي وفقاً لها» . فهي فكرة تؤمن بأنّ التاريخ محكوم بقوانين تاريخية، أو تطوريّة، أو إلهيّة مسبقة. ويرى بوبر أنها فكرة غير علمية. فالقول بوجود قوانين وتعميمات للأحداث التاريخية يعني أنها خاضعة للتجريب، والتحقق التجريبي، لكنّها، في حقيقتها، عكس ذلك تماماً، فهي فردية، واستثنائية، وغير متكرّرة، ولا تسمح بالتعميم، أو استنباط قوانين للتاريخ، أسوة بالعلوم الطبيعية.

   ما ذهب إليه بوبر يلخص رفضه العنيف للماركسية، التي تُفسّر التاريخ بنظرية الصراع الطبقي، وتتنبأ بسقوط الرأسمالية، وقيام الشيوعية، رغم أن هذه الأخيرة كانت تتمتع في زمن بوبر بجاذبية كبيرة، لأسباب عديدة، بما في ذلك فكرة العدالة الكونية، والعلاقات الاجتماعية الإنسانية، غير أن رؤيته النقدية وممارسته الفكرية التي بدأها ماركسيا في شبابه بما يعنيه ذلك من اطلاعه الواسع على أسس الفكر الماركسي جعله يتحرر من سطوة الإيديولوجية الماركسية خاصة و التاريخانية عموما.

   سعى التيار الوضعي إلى رفع التاريخ إلى مصاف «العلم»، ونظر إلى وقائع الماضي كحقائق ماديّة موضوعيّة يمكن أن تخضع لمنهج التفسير العلمي من خلال الملاحظة، والقياس، والتجريب، كما تسمح بتكميم النتائج وتعميمها. وفي المقابل، ظهر تيار رافض لتشييء الظاهرة الإنسانية، لاحتوائها مكوّنات باطنية وذاتية ترجع إلى محتوى الوعي، واقترحت منهج الفهم، أو التفهُّم، كوسيلة لدراسة هذه الظواهر.

رفض كارل بوبر التصورين السالفين؛ فهما يؤسسان لسلطوية علمية وسعى إلى تأسيس نظرية علمية أساسها المناقشة النقدية والفحص النقدي للحدوس الافتراضية. ولا مجال، الآن، لمن يرى أن «العمل المخبري» له منزلة أعلى من منزلة الفروض. وانطلاقاً من هذا، يقول بوبر، في حدود معينة، بوحدة المنهج العلمي بين العلوم التطبيقية، والنظرية، والتاريخية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق