آخر قاعة سينمائية بموريتانيا تغلق أبوابها
19 يونيو 2014 | 0 تعليق

قاعة سينمائية موريتانية - (أرشيفية)
ذوات

يرثي المثقفون والفنانون الموريتانيون حالياً لواقع السينما ببلادهم، و يعبرون عن استغرابهم وخيبة أملهم، بعد إغلاق آخر قاعة سينمائية لأبوابها في العاصمة الموريتانية نواكشوط، وهي عاشر قاعة تغلق أبوابها في هذا البلد، الذي لم يستطع منذ ستينيات القرن الماضي ترسيخ ثقافة سينمائية بالبلد، ولا توفير بنيات تحتية مهمة للفن السابع.

ويرجع متتبعو الشأن السينمائي بموريتانيا هذا الوضع الكارثي للفن السابع بالبلد، حسب تقرير كتبه سيد محمد ولد لخليفه في الموقع الإخباري "أفريقيا نيوز"، إلى ثورة الاتصالات الجديدة وما أفرزته من انتشار للفضائيات التلفزيونية والانترنت وانتشار محلات الفيديو في الأحياء الشعبية، التي تعرض نفس الأفلام التي تعرضها القاعات السينمائية بأسعار زهيدة.

وهذا الأمر هو ما يستهوي بعض شباب الأحياء الفقيرة، وأطفال الشوارع، وبعض المنحرفين، وهي الفئات التي ارتبطت بالسينما عند غالبية المجتمع الموريتاني المحافظ، الذي وقف من الفن السابع موقف شك وريبة، منذ أن افتتح الفرنسي "غوميز" دوراً للعرض السينمائي في موريتانيا في خمسينيات القرن الماضي، حيث اعتبرت الأوساط الدينية، التي لها تأثيرها الأكبر في توجيه المجتمع، السينما مجرد "أداة غربية لنشر الخلاعة والمجون بين شباب المسلمين".

تظل النظرة السلبية للموريتانيين عن السينما هي العامل الأبرز في عدم تطور هذا الفن في بلد المليون شاعر

ويضيف التقرير أن النظرة  السلبية للموريتانيين عن السينما لم تتغير حتى هذه الأيام، رغم مبادرة بعض الجمعيات كـ "دار السينمائيين"، و"الوكالة الموريتانية للسينما"، و"التجمع السينمائي الموريتاني" الممثل لاتحاد السينمائيين غرب إفريقيا، ولعبها لأدوار متفاوتة في النهوض بهذا الفن، وتظل تلك النظرة السلبية هي العامل الأبرز في عدم تطور هذا الفن في بلد المليون شاعر، بالمقارنة مع فنون أخرى، كما يرى الخبير الاجتماعي محمدو ولد احمدناه، الذي يضيف: "أعتقد أن السينما فعلاً فن متميز وأساسي في الحفاظ على هوية الشعوب والتعريف بثقافاتها، لكن على المستوى الوطني فالفن السينمائي ليس من الفنون التي كانت لها تقاليد في المجتمع الموريتاني".

ويتحدث التقرير عن تاريخ نشأة السينما الموريتانية منذ خمسينيات القرن الماضي، والمعوقات التي واجهتها على مدى كل هذه السنين، والتي ساهمت في الأخير في اندثار جل القاعات السينمائية الموريتانية، وإغلاق أبواب آخر قاعة متبقية، فضلاً عن فرار مخرجين موريتانيين كبار إلى الخارج بعدما ذاقوا ذرعاً بنظرة المجتمع للسينما بموريتانيا.

 ويكشف التقرير أن ظهور السينما في موريتانيا يعود لأحد الفرنسيين الذي يدعى "غوميز"، الذي عمل على إنشاء أكثر من 10 قاعات سينمائية بموريتانيا في بداية ستينيات القرن الماضي، أي بعد سنوات فقط من استقلال وإعلان الدولة الموريتانية، وهي الفترة التي عرفت اقبالاً جيداً على الفن السينمائي، خصوصاً من طرف الطبقة المثقفة في المجتمع الصحراوي الموريتاني.

وستستمر هذه الفترة إلى غاية ظهور شخصية سينمائية كانت رمزاً للكفاح من أجل بقاء هذا الفن رغماً عن الإكراهات المجتمعية، وهو الفنان والمخرج السينمائي "همام أفال"، الذي تسلم فيما بعد ملكية القاعات السينمائية تلك، قبل أن يشتغل بالإخراج السينمائي، وينتج ثلاثة أفلام موريتانية (ميمونة – بدوي في الحضر – ترجيت) بين عامي 1976 و1978، ليتوفى بعدها ويترك السينما الموريتانية في حالة سبات طويل، وهو ما فسح المجال أمام نظرة أخرى اتجاه هذه السينما بعدما دخلت مواد تجارية سينمائية تعتمد على الإغراء، فتحت معها باب آراء فقهية رافضة للسينما جملة وتفصيلاً.

إغلاق آخر قاعة للسينما في موريتانيا قبل شهور خلخل المشهد الثقافي والفني بموريتانيا حيث تعمل جهات من أجل عودة السينما لهذا الوطن

وفي فترة الثمانينيات وإلى غاية السنوات الأخيرة أضحت السينما "شيئا بين قوسين" في موريتانيا، بعدما بات يعتبرها فقهاء الدين هناك مجرد أداة غربية لنشر الخلاعة والمجون بين الشباب المسلمين، رغم وجود أسماء سينمائية كبيرة حاولت النهوض بالفن السينمائي الموريتاني من بينهم، "سيدين سوخاني"، و"محمد ولد السالك"، و"محمد هندو"، وكذا إنشاء بعض المؤسسات التي تعنى بالفن السينمائي كـ "دار السينمائيين"، و"الوكالة الموريتانية للسينما والتجمع السينمائي الموريتاني"، وكلها بذلت جهوداً من أجل إعادة الاعتبار لهذا الفن.

لكن حال السينما الموريتانية لم يستقم جيداً بالشكل الذي كان يطمح إليه العاملون القلائل به، فالحل الأقرب الذي كان لمعظم المشتغلين بالمجال هو اختيار ديار المهجر لتطوير أدائهم، والسير قدماً في اهتماماتهم التي لم تلق الصدى في أرض الوطن.

الكفاح من أجل السينما الموريتانية لم ولن يتوقف حسب مهتمين بهذا الشأن الثقافي، ولعل مشاركات بعض المبدعين الشباب في بناء هذا الصرح من أجل إثبات الذات كالمشاركات في المهرجانات السينمائية العربية للأفلام القصيرة وغيرها، وتأسيس اتحاد السينمائيين الموريتانيين، ومشاركة موريتانيا ضمن "مهرجان كان" الدولي بفيلم "تمبوكتو.. غضب الطيور" للمخرج الموريتاني عبد الرحمن سيساغو، خير دليل على أن إغلاق آخر قاعة للسينما في موريتانيا قبل شهور قد خلخل المشهد الثقافي والفني بموريتانيا، حيث تعمل العديد من الجهات اليوم من أجل عودة السينما لهذا الوطن.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق