أبوريشة: اشتغالي على اللغة يوازي انشغالي بالحبّ
19 فبراير 2016 | 0 تعليق

ذوات

أكدت الشاعرة والكاتبة الأردنية زليخة أبوريشة ارتباطها الوثيق باللّغة؛ فهي بالنسبة إليها "مركز يعادل الوجود؛ إذ عجنتُها وعجنتني، وعاشرتُها وعاشرتني، كما لو كنا الأمَّ وابنتَها، أو توأميْ حرمان، حيثُ تحنُّ إحدانا إلى الأخرى".

وقالت أبو ريشة في أمسية نظمتها مؤسسة عبدالحميد شومان في العاصمة الأردنية عمّان مساء الاثنين 15 شباط (فبراير) 2016 قدمها فيها رئيس رابطة الكتاب الأردنيين الدكتور زياد أبو لبن، إن اللغة "بيتي ومأواي، بل هي مشيمتي، وآلة صناعتي، ووعاء همّي، وحقلُ نزهتي، ومرتقايَ. ولذا تقفُ اللغةُ في واجهةِ شعري، تحدِّدُ مساري في التعاملِ معها. ولأنَّ لها بي قويَّ الثقةِ، من طويل المسارَرة والمعاشرة، فإنها تُسلمُ نفسها لي أصنعُ بها ما أشاءُ، وتُغدقُ".

وتابعت الكاتبة في الأمسية التي استعرضت فيها تجربتها الأدبية "اللغةُ مادةُ إبداعي، وأيُّ خللٍ في التعاملِ معها، سيوجدُ خللاً كبيراً في أعمالي. وعلى ذلك كان اشتغالي على اللغة يوازي انشغالي بالحبّ، لأنَّ الجَمالَ الذي كان مبتغايَ لم يكن يتأتَّى لي دون جماليّات اللغة، تلك التي تصلني بالنزوع الأوَّل إلى النُّطقِ وبتاريخِ وجودها البديع".

ونوهت أبوريشة أن "تراشق الخفاء" (1998) لم يكن أوَّلَ مجموعةٍ شعريَّة لها فقد سبقها "امرأةٌ شديدة الكبرياء تهجو رجلاً"، و"ديوان الذاكرة الثانية" و"لا قائل إلا المجنون" و"حديث السوسن العاشق" وعددٌ لم تعد تذكره من المخطوطات التي "لم تر النور، ولن تراه، فجميعُ ما سبق كانت كتاباتٍ تملأها أحاسيسُ غير ناضجة، كُتبت عبر سني الأسر الزوجي، كمحاولة لكسر القيد والصُّعود إلى الشرفة العليا في بيت الحياة. ولكنها لم تكن.

وتابعت " ليس "تراشق الخفاء" المطبوع سوى آخرِ حصاةٍ في كوم الحجارة الذي تركتُه في دروجي، خجلاً من ثأثأته وقلةِ مراسه بالهواء الطلق".

الشعر ملاذ آمن

وأضافت: كان الشعرُ لي ملاذاً آمناً من الصخبِ المجتمعيّ الذي عشته، على ما في مقاربتِه من لوعاتٍ عظيمةٍ ينخلعُ لها القلبُ الذي كان يمشي في هواء الحريّة مشيَ رعناء. كنتُ بين أن أُخلصَ لمنبتي المحافظ في قيم الشعر والكتابة، حيثُ افتُتِنتُ منذ أنا في الإعداديّة بمصطفى صادق الرافعي، وانحزت إليه في معاركه مع العقاد وطه حسين، وكذلك بمحمود محمد شاكر ومعاركه مع طه حسين ولويس عوض، أو أن أذهبَ إلى خيانة هذا المَنبتِ ظاهراً وباطناً. وكان الخيارُ صعباً، لأنَّ ثقافةً طويلةَ المدى، بعيدةَ الغور تقفُ في العمقِ بيني وبين خياراتي الجديدة. وكان هذا مبعثَ قلقٍ شديد. وقد انعكسَ هذا القلق في خط سير مقالاتي في جريدة "الرأي" الأردنيّة، حيثُ سجَّلتُ تراجعاً أحياناً عن خيارِ الحداثة عندما كتبتُ مؤيِّدةً تعددَ الزوجات.

وفي السياق ذاته، قالت الكاتبة: "كان لا بدَّ أن تؤوبَ روحي، وسط كلِّ هذا، إلى هدير موسيقى الحضرةِ وأناشيدِ "إخواننا" مريدي أبي وصوتِه الشجيّ، وهو يصدح بعيون الشعر الصوفيّ، لحسن الحكيم الحلبي وغيرهم، كانت روحي ومن قبلِها أذُني، تتشرَّبُ هذه الموسيقى العظيمةَ، وتدَّخرُ في حديقتها الداخليَّةِ ألحاناً ومجازاتٍ شقَّ عنها الحبُّ في أعلى مراتبِه صفاءً. ولكنَّ العرَضَ شاغبَ على الجوهر، واستطاع الحادثُ الفاني أن يُشرّدَني في طرقاته تجريباً وفضولاً، حتى وجدتُني لم أستطع تفاهماً مع محنة الوجود إلا بالإبداع".

وبينت أبو ريشة أن "في الزنزانة" مجموعتها القصصيّة الوحيدة، كانت "أوَّلَ بيانٍ نِسويٍّ لي يصِفُ بالمخيالِ تمزُّقَ أوراقِ الأنثى بسلطة السجّان. وعلى ذلك استقبلها النقدُ الأردنيُّ مناهضاً أطروحتهاعلى أنها مكرَّرةٌ ومملّة.. أليست تدور حول المرأة؟ فما الجديدُ في ذلك؟ ولما كان ذلك سنة 1986، فلنا أن نعلم أن القضيَّة النِّسويَّة لم تكن قد بلغت الأردنَّ كشاغلٍ مجتمعيّ عريضٍ، وإن كنتُ قد بدأتُ طرحَها بخلفيّاتها الدينيّةِ في عمودي الأسبوعيّ في جريدة "الرأي" الأردنيَّة منذ عام 1980".

وأضافت أبوريشة:"ومع أني لم أَعِرْ أذناً لهذا النقد الذي استفزَّهُ موضوعُ المجموعة "المرأة" وكشفَ عوارَه، ومع ترحابٍ غير عاديّ في الأوساط النسائيّة المثقَّفة، والأوساط الأكاديمية التي منحتها جائزة الخريجين من كلية الآداب في الجامعة الأردنيّة، إلا أني لم أعد إلى القصة القصيرةِ إلا لماماً، وكأني قد حقَّقتُ فكَّ أسري الشَّخصيِّ بها! وانصرفتُ إلى الشعر أعملُ فيه تجريباً، محاولةً قدَّ قميصٍ خاصٍّ بي كنتُ أُلبسُه في كلِّ مرّةٍ ليوسفَ جديد. وهكذا اختلفَ النَّفَسُ في كل موجةٍ من موجات انفعالاتي التي كانت تصنعُ ديواناً، بحسبِ اختلافِ المُلهِم، والمنطقةِ التي كان يستحثُّها من وجداني. ولو كشفتُ الكودَ الخاصَّ بهؤلاء والمهنَ اللغويَّةَ التي وضعَتْهم في حياتي، فسيكون من السهل على ناقدٍ أو ناقدةٍ نبيهَيْن الالتفاتَ إلى معانيَ وذوائقَ تشيرُ إلى مشاربَ ومراجعَ واحتمالاتٍ شتى".

الحب شاغلها الأكبر

وفيما يتعلق بصدور أول ديوان لها قالت: صدرَ أوَّلَ ديوانٍ لي متأخِّراً عام 1998، أي بعد 32 سنة من تخرُّجي من الجامعة. وهي مدَّةٌ مهولةٌ لبياتٍ شتويٍّ، ولكنني لم أكن خارجَ الكتابةِ بل خارجَ شرطها الأول: الحريّة! كنتُ أكتبُ أفكاراً ونصوصاً كيفما اتَّفق، وكان عليَّ بعد أن ملكتُ مقاديرَ ذاتي عام 1987 بصدور "في الزنزانة" عام 1986، التي بها قاومتُ احتلالي، أن أرمحَ في الآفاق أستنشقُ الأكسجين، وأن أجدِّدَ معرفتي بالشعرِ وأُعيدَ تعريفَه لديّ. وكان عليَّ عبر دواويني جميعِها أن أنقلَ نفسي، روحيّاً ولغويّاً، من بابٍ إلى بابٍ في المجازِ وفي قراءةِ الكونِ ورصدِ وقعِه عليّ. وبذا كانت كتبي في الشعر لا تشبهُ بعضَها؛ حيثُ يمثِّلُ كلُّ واحدٍ منطقةً منه دخلتُها وعبثتُ فيها بما عاينتُه من وجدٍ ومن جوى. فالحبُّ هو شاغلي الأكبر، وبه بنيتُ وجودي الماديَّ والمعنويَّ، وهو السلكُ الماسيُّ الذي يلضمُ شعري كلَّه.

لقد حرمني من الحفاوةِ النَّقديّة التي تشبه في شروطها الحفاوةَ الرسميّة، التباسي بموضوع تحرّر المرأة، الذي يشكّلُ غولاً مرعباً لقوى الشدِّ العكسيّ

وعن روافد تجربتها الشعرية قالت الشاعرة إنها "ابنةُ كَمالَيْن: الأولُ منهما الصوفيّ، شربتُه وطَعِمتُه وتنفَّستُه في بيت أمي وأبي، والثاني الشعرُ الجاهليُّ، تمشَّيتُ فيه وتشمَّستُ وتظلَّلتُ نخيلَه العالي"، متابعة "الجاهليُّ العاشقُ بدا في معلقاته عابداً لإلهةٍ عشتاريّة، ترفلُ بصفات الكمال في كلِّ شيء؛ جسداً وعُلوَّ شأنٍ في الخير والحفاوة والقدرة والأبَّهة والجمال والجود. فقد صاحبتُ هذا الشعر منذ سني الجامعة وعبر برنامجَيْ الماجستير والدكتوراه مع عميد أساتذة الشعر الجاهلي الدكتور الراحل هاشم ياغي، الذي كان له أسلوبُه الفذُّ في سبرِ أغواره، والكشفِ عن بديعِ بنائه وصُوره ولغته. ولم أكن لأدري أنَّ شغفي بهذا الشعر كان يرويهِ نهرُ التصوُّف، على ما بينهما من بُعدٍ ظاهريّ".

وتابعت أبوريشة سرد رحلتها الأدبية "وإذا كان ديواني "تراتيلُ الكاهنة ووصايا الريش" (1999) ينشغلُ بتلقيط الشِّعر من مفرداتِ الحياةِ والحضارة والطبيعةِ، بتأثُّرٍ ما، أراه الآن واضحاً، بالشعر الجاهليّ، فإنَّ أحدَ أهمِّ كتبي "دفتر الرائحة" (2014) يذهبُ إلى معنىً ربَّما يكون جديداً في الشعر العربيّ من حيثُ انشغالُ ديوانٍ كاملٍ به، أقصد الرائحة. فقد فتنني أني عثرتُ، وأنا في المراهقة، في اسطنبول على رائحة عكا، مدينةِ طفولتي الأولى. إلى أن قرَّرْتُ الإفصاحَ عنها، بعد نصفِ قرنٍ ونيّفٍ، في مشروعٍ تقدَّمتُ به إلى برنامج التفرُّغِ الإبداعيّ في وزارة الثقافة الأردنيّة. فالكتابُ بكليّته مبنيٌّ على الرائحة، سواء أكانت جسداً أم تاريخاً، أم مكاناً، أم أشخاصاً، أم شيخوخةً، أم حبّاً، أم معنىً. مما منحني أن أضيفَ إلى تجربتي بُعداً في تقلُّبِ أحوالِ الحبّ وأحوالِ اللغة.

اللغة والجندر

ولما كانت اللغةُ على هذا النحوِ في حياة أبوريشة ولما كانت اعتنقتْ مذهبَ النِّسويَّة في تفسير العلاقات الإنسانيّة، كما تقول، فقد وجدت نفسها تبدأ في العربيّة فرعاً جديداً من فروعِ المعرفة والنقد اللغوي الجندريّ، ليولد كتابها "اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسويّة" (1996) أوَّلَ كتابٍ بالعربية في معناه ومبناه. تلاه كتابها الثاني "أنثى اللغة: أوراقٌ في الخطاب والجنس" (2009). مبينة أنه حتى الساعة "لم يتناول أحد من النقاد أياً منهما بالنقد والدرسِ. مع أنَّ الأوَّلَ منهما يُدرَّسُ في عدد من الجامعات ومراكز البحث النِّسويِّ العربيّة، ومنها قسم اللغة العربيّة في الجامعة الأردنيّة، حيث دأب أستاذي الدكتور نهاد الموسى على استضافتي سنويّاً للقاء طلبته في برنامج الدكتوراه".

وأضافت أبوريشة "لقد حرمني من الحفاوةِ النَّقديّة التي تشبه في شروطها الحفاوةَ الرسميّة، التباسي بموضوع تحرّر المرأة، الذي يشكّلُ غولاً مرعباً لقوى الشدِّ العكسيّ، وأصحابِ نظريّات الثوابت في المجتمعِ والكتابة".

يذكر أن زليخة أبو ريشة هي شاعرة وباحثة أردنيَّة وكاتبة عمود وناشطة في حقوق المرأة والإنسان والحريات العامة. كتبت القصةَ القصيرةَ، وقدمت مساهماتٍ في أدب الأطفال، نقداً وإبداعاً، وفي النقد الأدبيِّ والفنيِّ والنَّقد الثَّقافي واللُّغوي، بالإضافة إلى عدد من الدراسات في النقد النسويّ ودراسات الجندر واللغة، في أهم الصحف والمجلات الأردنيَّة والعربيَّة. ولها مئاتُ المقالات في الهمَّ الثقافيَّ، وقضايا المرأة والحريّاتِ العامةِ والمجتمعِ المدنيِّ والإصلاح السياسيّ، والتحوُّل الديموقراطيّ، وعدداً من المشاغل السوسيو- سياسيَّة والفكر الديني. 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق