أحمد الغزالي صوفيّ من أسرة الغزّاليّ
29 اغسطس 2015 | 0 تعليق

مقام ومزار احمد الغزالي
خالد محمد عبده *

يحكى أنّ رجلا أراد أن يأخذ امرأة عاهرة بأجرة معلومة. فزاد شيخٌ في أجرتها وأخذها إلى بيته، وأقعدها في زاوية من البيت، واشتغل هو بالصّلاة إلى الصّباح. فلمّا كان النّهار وقد أعطاها أجرتها، وقال لها: قومي واذهبي إلى حيث شئتِ. وغرضه دفع الزّنا عنها[1].

تُنسب هذه الحكاية إلى صوفيّ في الأسرة الغزّالية لم يذع صيته كما ذاع صيت أخيه أبي حامد الغزالي المعروف بحجة الإسلام، هذا الصّوفي هو أحمد بن محمد بن محمد الطوسي الصوفي الشافعي الغزّالي المتوفى عام 520هـ -1126م.

وُصف أحمد الغزالي في كُتب الطبقات وسير الأولياء[2] بـ(ملك الأبدال- قطب الأصفياء- قدوة الأولياء- سلطان الطّريقة- شيخ المشايخ- الجنيد الثاني- قرّة عين المصطفى - خواجه إمام- شيخ الإسلام- العارف المقدام- ذو النوال- صاحب الكرامات والإشارات- زينة العصر وحلية أيّام النصر. ويُكنّى بـ: أبي العباس-أبي الفتح- أبو الفتوح. ويُلقّب بـ: شمس الدين- شهاب الدين.

السّماع[3] وصحبة الغلمان!

اشتهر أحمد الغزّالي بإباحته للسماع، وحضوره مجالس الذكر، وعدم الخجل من التواجد والعيش كما تستريح النفس في هذه المجلس، على الرغم من كونه واعظًا يرشد الناس إلى طريق الله، ويعلّمهم أمور دينهم، وتروي الكتب حكايات مكررة في هذا الشأن، منها ما يرويه ابن حجر في لسان الميزان: (نُقل عن أبي الفضل مسعود بن محمّد الطرازي: أنّ جماعة من الصّوفيّة حضروا سماعا، فقال القوّال شيئا. فقام أبو الفتح وتواجد واضطرب. وقام على رأسه يدور رجلاه في الهواء. حتّى ذهبت طائفة من اللّيل وأعي الجمع. وما وضع له يدًا ولا رجلا على الأرض).

 ومما يُحكى عن صحبته للغلمان ما يرويه ابن الجوزي في مرآة الزمان: شاع عن أحمد الغزالي أنّه كان يقول بالشّاهد، وينظر إلى المردان ويجالسهم. حتّى حدثني أبو الحسين بن يوسف أنّه كتب إليه/له شيئًا في حقّ مملوك له تركيّ. فقرأ الرّقعة، وهو على المنبر. ثمّ صاح باسمه. فقام إليه وصعد المنبر. فقبّل بين عينيه وقال: هذا جواب الرّقعة. وعلى الرغم من رواية ابن الجوزي عنه تلك الحكاية، فهو نفسه من يقول عن أحمد: كان من أئمّة العلم والورع. غلب عليه علم التّصوّف والخلوة، فتوجّه إلى الطّاعة، وكان لا يفتر منها ليلاً.

ويُروى [تاريخ أربيل ص 35] عن الشيخ أنه كان يواجه هذا الإنكار بالردّ عليه بما يناسبه: (حدثني الشيخ الإمام أبو المعالي صاعد بن علي -أبقاه الله- قال: لمّا دخل الغزالي هذا إلى بغداد المحروسة، استأذن عليه شيخ الشيوخ - أبا البركات إسماعيل بن أبي سعد جدّ ابن سكينة- فأذن له، فدخل عليه وبين يديه ورد كثير، وفي مقابلته صبيّ أمرد، حلو الجمال، وقد حال الورد بينهما، فلمّا جلس شيخ الشيوخ، علم أبو الفتوح الغزالي أنّ باطنه قد تغيّر، فقال له: كأنك تنكر عليّ في باطنك قعودي على هذه الحال، وبين يدي ما ترى. فقال: حاشى لله. فقال: بلى، لو أني أفعل هذا على ما تظن واستأذنت عليّ، أمرت هذا الصبي فقام وغاب عنك، وتهيأت لك على ما يليق بي أن تراني عليه، قم يا أحمق. فقام شيخ الشيوخ وخرج، وكان آخر عهده به أو كما قال: هذا أكثر لفظه. أيده الله).  

أحمد الغزالي كما يراه خصومه

«وكان شيخنا يوسف بن أيّوب الهمداني سيّئ الرأي فيه حتّى قال: أحمد الغزالي وسّخ الطّريقة. وسمع كلامه مرّة، فقال: كلامه كالنّار المشتعلة ولكنّ مدده شيطانيّ لا ربانيّ. ذهب دينه والدّنيا لا تبقى له».[المنتظم لابن الجوزي9/260؛ لسان الميزان لابن حجر،١/٢٩٣].

  «نظرتُ فيما كتب عنه وقد كتب على الجزء بخطّه: هذا كلامي. فكان فيه من العجائب أنّه التقى إبليس بموسى في عقبة الطور، فقال: يا إبليس! لِمَ لم تسجد لآدم؟ قال: كلاّ ما كنت لأسجد لبشر. يا موسى! ادّعيت التوحيد وأنا موحّد. لم ألتفت إلى غيره وقلت أنت: أرني! فنظرت إلى الجبل. أنا أصدق منك في التوحيد. قال: اسجد للغير. ما سجدت وأنت التفت. قال الغزّاليّ: من لم يتعلّم التوحيد من إبليس فهو زنديق!

قال له موسى: قد غيّرت لبستك من الملائكة إلى الشيطنة. فقال: ذلك حال يحول وسيتغيّر يا موسى! كلّما ازداد محبة لغيري ازددت عشقا له. فقال له: تذكره؟ قال: أنا مذكور ذكره، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي. أليس أقام في لعنتي كافا، وياء؟

وقال: لمّا طرد إبليس ما نقص من خدمته، ولا محبّته، ولا ذكره شيئا.

ومن كلامه أنه قال: لمّا قيل لموسى لَنْ تراني. قال: هذا شأنك. تصطفي آدم ثمّ تسوّد وجهه وتخرجه من الجنّة، وتدعوني إلى الطور ثمّ تشمت بي الأعداء! هذا فعلك بالأحباء، فكيف تصنع بالأعداء؟

قال: وجاء إسرافيل بمفاتيح الكنوز إلى محمّد وجبريل عنده، فاصفرّ وجه جبريل، فقال محمّد: إنّ اللّه منذ خلق الدنيا ما نظر إليها. يرسل إليّ مفاتيحها؟ ماذا أصنع بها؟ إن كان ولا بدّ فمفاتيح نفس صهيب وأويس! يا إسرافيل! هذه المفاتيح تنقصه شيئا؟ قال: لا! فقال: ما لا ينقص الواهب ما أريده.

وقال: جاء جبريل ليلة المعراج، فقال: يا محمّد! أجب ربّك. فما رأى فيه اهتزازا. فقال: يا محمّد! موسى اهتزّ لسيره إلى الطور، وأنت ما تهتزّ للمعراج؟ فقال: أظلّ عند ربّي.

وقد اجتمعت الملائكة لمّا رفع عيسى قعد و خرق مرقّعته ثلاث مئة خرقة. فقالوا: يا ربّنا! ما ساوى عيسى قميصا صحيحا؟ قال: لا! الدنيا ما سويت أن تكون له. ففتّشوا جبته، فوجدوا إبرة. فقال: وعزّتي! لولا الإبرة لرفعته إلى حظيرة قدسي، وما ارتضيت له السماء الرابعة، إنّما حُجب بإبرة.

قال المصنّف: قلت: لقد عجبت من مثل هذا المحال البارد والكذب الشنيع. كيف كان يجري بمدينة السلام وسكت عنه؟! ولو ذُكر هذا في قرية لأنكر، والعجب التعصّب لإبليس أنّه موحّد بقوله وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي. وادّعاء أنّه كثير العبادة. وقد علم أنّه لا شغل له إلاّ الصدّ عن الخير والأمر بالكفر والمعاصي.

-أنبأنا محمّد بن ناصر عن محمّد بن طاهر المقدسيّ قال: كان أحمد الغزّاليّ آية من آيات اللّه في الكذب يتوصّل إلى الدنيا بالوعظ. سمعته يوما بهمذان يقول: رأيت إبليس في وسط هذا الرباط سجد لي. فقلت: ويحك! إنّ اللّه-تعالى-أمره بالسجود لآدم فأبى.

فقال: واللّه! لقد سجد لي أكثر من سبعين مرّة. فعلمت أنّه لا يرجع إلى دين ومعتقد. [ابن الجوزي كتاب القصاص والمذكّرين].

من مؤلفاته العربية

١-بحر المحبّة في أسرار المودّة في تفسير سورة يوسف

٢-التّجريد في كلمة التّوحيد

٣-الحقّ والحقيقة

4-الذّخيرة في علم البصيرة/الذّخيرة لأهل البصيرة

5-فرح الأسماع

6-في صورة الشجرة الطّيّبة في الأرض الإنسانيّة

٧- المجالس

٨- الرسالة النوريّة

9-كتاب بوارق الإلماع في الرّد على من يحرّم السّماع بالإجماع

من أقواله وأشعاره:

-(من كان في اللّه تلفه كان على اللّه خلفه).

-(حرامٌ على قلب مشحون بحب الدنيا أن يجد حلاوة الذكر، وحرامٌ على قلب مشحون بالشهوات أن يكون له صلة بالقِدم، إنما أمرت بترك ما أنت فيه، وأما جلالة القدم فلا تقصر عمّا هي فيه مرتبة العبودية ومنقبة المحبوبية، وما لك منهما حديث ولا خبر، أنت في واد وهم في وادٍ).

-أنا صبٌّ مستهام وهموم لي عظام

طال ليلي دون صحبي سهرت عيني وناموا

أرقت عيني لبرق فشربناها وصاموا

لي عليل وغليل وغريم وغرام

ثم عرضي لعذولي أمّة العشق كرام

- سكوتي كلامٌ والكلام سكوت وأطمع أن أحيا به وأموت

وصبري قليل والهموم كثيرة وأنت نحيل والزمان يفوت

فمن لي بحس الصبر عنك وصالك لي ماء وقلبي حوت.

 

[1]: المنتظم في أخبار الملوك والأمم، لابن الجوزي9/260

[2]: راجع: ابن خلّكان (وفيات الأعيان 1/97)، واليافعي (مرآة الجنان 3/224)، وأبو الفداء (المختصر في أخبار البشر،٢/٢٣٨)، والإسنوى (طبقات الشّافعيّة٢/245)، وابن قاضي شهبه (طبقات الشّافعيّة)،  وابن العماد (شذرات الذّهب).

[3]: لأحمد الغزالي كتاب في السماع بعنوان: بوارق الإلماع في الرّد على من يحرّم السّماع بالإجماع، تُرجم الكتاب إلى اللغة الإنجليزية وطُبع مع الترجمة في لندن، ونشره الحاج هاشم محمد الرجب في مجلة المورد العراقية في العدد رقم 4 أكتوبر 1984

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق