أحمد ضياء: ميليشيا الثقافة جراح الانفلات والتصدي للرهن
26 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

حاوره عبد الواحد مفتاح *

الحوار مع أحمد ضياء، هو حوار مع أحد الشعراء المنفلتين ..شعراء الحساسية الجديدة، المغضوب عليهم من طرف نقاد الشعر ومنظريه، بعدما كسروا كل القيود واجتازوا الحواجز ..ها هو رفقة الحركة الأدبية التي أنشأوها (مليشيا الثقافة) سنة بعد صدورها.. يصدرون ذلك الضجيج الجميل، ضجيج فعل مغاير وخلاق لا ينطلق من المتواضع عليه والسائد، بقدر ما يعمل على خلق أفق للإقامة السريعة فيه وتجاوزه .أحمد ضياء هنا لا يذكرنا بالشعراء الصعاليك، ولا حتى شعراء الصالونات بربطة عنق ولهجة أرستقراطية مصطنعة، إنه شاعر لا يشبه غير نفسه، وما يقتادها إليه مثل كيميائي ماكر، يجعل من ذاته فأر تجاربه الأولى دائما، سواء في الشعر أو المسرح، اللذين يمتهن حبهما ورهانهما دون مفاضلة.

هنا في هذا الحوار نقترب منه أكثر، ليعري لنا جوانب الحراك الأدبي الجديد، الذي اختاروا له هذا الاسم الرهيب (مليشيا الثقافة).

*ماذا عن سؤال البدايات؟  كيف تنظر الآن إلى بداياتك ؟وكيف تخبرنا عنها بعد كامل هذه المرحلة؟

-         نُبذنا وتعرضنا إلى الإقصاء الثقافي من قبل اتحاد الأدباء وهنا بدأت المراحل الأولى بالتشكل والنضوج، إذ كونّا خطّاً مضاداً لكل المحمولات الفكرية التي يحمل هؤلاء بسبب مرجعياتهم الأيديولوجية التي حاولوا أن يلوثونا بها بكافة الطرق ، كنّا ورقة بيضاء بلا أية تبعيات لأحزاب وما زلنا على نفس الشاكلة بعيداً عن أي توجهات سياسية أو دينية نمارس الشعر بكافة شكلياته وتوجهاته ومراحله، لم نترك الشعر كلاماً مثبتاً على الورق، بل كان ضمن اليومي والتشويفي الذي نمارسه ونمتلكه عبر التباسات المشغل الكتابي، ونشأت بدايتنا من هذا الأمر ثم بعد ذلك بدأنا بمشروعنا بلا أي اسم ثم اتخذنا من (ميليشيا الثقافة) اسماً أساسياً بعد التصويت عليه هنا بدأت مراحل التثوير ضدنا والانتهاك والكلام الفضفاض علينا، بعد مرور هذه المدة أجدني مصارعاً لكافة الأنظمة التي حاولت المساس بي وبأصدقائي، لا بل أنا الآن مثل الملاكم أدافع عن منتجاتنا الثقافية بعيداً عن أي تبجح فما أنتجناه من نصوص ومشاريع كفيل بالتحدث عنّا إلى الآن، نحن في مرحلة التجريب إنها البدايات فقط، القادم أفضل كما وأن (حدودنا السماء) ولا نرضى بالتوقف، بل نحن في دينامية مستمرة لكن بتريث بعض الشيء .

*هل لديك طقوس خاصة في الكتابة ؟

-         إن الإفشاء بهذا الأمر يعرض مشغلي الكتابي إلى النمو بشكل أفضل حسبما أعتقد ، نعم الكتابة لديَّ تبدأ من الأعصاب مروراً بشعَر رأسي ثم بتبضيع جسدي في بعض الأحايين لكوني لا أستطيع السيطرة على الشّعر فأبدأ بالجنون ، وهنا يكون القفز على الألغام أهون عليَّ من فكرة في رأسي تتجول وتهرول وتأخذني إلى مدونات ومتاهات لم تكتشف بعد، كما أن الأول يعرض الإنسان إلى الموت مباشرة في حين الثاني يجعل منه شخصاً تائهاً في خلجات الـأمكنة بحثاً عن مأوى يحط رحاله به، ويبدأ الإرجاع الفكري بالتمأسس حاله حال البيانات السيمترية ذات الأقانيم الخاضعة للتجريب خصوصاً في عالم الذاكرة. لذا تكون الكتابة مشغلية أكثر منها طقسية؛ ففي كل نص هناك بنية ما تحكمه ضمن دسامة المفردة وزمكانية الفعل ، إن اللحظة الكتابية لدي ما هي إلا التهاب شعري في تموجات العقل .


*ماذا يعني الشعر الآن؟ في زمن الميديا وانفجار العولمة في سعيها نحو قولبة الإنسان في نموذج واحد؟
 

-         البحث . إذ إن التناول يجب تداوله أكثر من مرة كوني أخلط بين الشعر والأداء؛ أي أنا أمسرح المكونات كافة في المشغل الشعري كما أجدني في بعض الأحايين أجعل الشعر مثل العقاقير الطبية بمقادير معينة من غير زيادة أو نقصان ما تضع هذا الألم المجفف (الشعر)حتى تصعق بالكره الذي يكنه الآخرون لك وسط زيادة في الإنتاج والتلقي ، أتاح لي التواصل عبر العالم (الأزرق – الفيس بوك) شرخاً في منظومة التفكير لأن المفاهيم لدي بدأت تبرز ضمن سياقات وأفعال متشظية نتيجة للتجارب الهائلة التي تعرض عبره كما أن التثاقف من خلاله أسس لبنية فكرة جديدة مغايرة لكافة الأنماط والمعايير السابقة، وهنا أتاح هذا الانفجار الميدوي بعداً سيمترياً خارج الخارج، وبذا باتت من السهل أن تنتج وتبث استناداً إلى الخطاب الذاتوي الذي تنضوي تحت يافطته أعمالك الأدائية / الشعرية.

*ماذا عن سؤال قصيدة النثر هل خلقت الوعد الذي تمخضت عنه؟

-         من الإشكاليات الكبيرة التي نقف الآن أمامها قصيدة النثر، ورغم الكتب والنظريات التي تؤسس لها، إلا أنها ظلت وللأسف الشديد في بعض الذهنيات الجامدة لا تمت إلى الشعر بصلة غير أني أجد أن الشعر النسقي / العمودي بدأ بالهرم والشيخوخة، وانقضى زمن الهجاء / المدح نحن اليوم أمام فعل كبير تدخل المابعديات به بعده مارتونا ، إن القصيدة الكلاسيكية هي قصيدة مراهقة في حين قصيدة النثر هي قصيدة وعي، تبدأ من حيث البدايات ولا تنتخي تتشظى وتتداخل مع كافة التعالقات اليومية من خلال سبر غور الصورة الشعرية وإنتاج فعل خارج العادة ، النثر هو التماس مع الواقع في حين النص العمودي هو التجني على الواقع بمشاهد خلية بعيداً عنه. لذا فإن هذه المنتوجات لابد أن تأخذ طابع المتحفية، وعلينا أن نجدد ونبتدع مكونات جديدة من رحم واقعنا.

*هل تجد أن الحركة النقدية واكبت القصيدة العربية الحديثة بنفس الأفق الذي تستحق؟

-         نعم ، ولا أجزم في هذا الأمر، لأن ذلك يتعلق بمرجعيات وثقافة الناقد، إلا أني أجد مسألة الملاحقة واضحة بشكل جيد ، حالما بدأت وأصدقائي في بث مشروعنا "ميليشيا الثقافة" حتى انهالت المقالات النقدية والدراسات على هذه الظاهرة الأدائية ، وجدير بالذكر الانتقال إلى(أوكتافيو باث) إذ يقول: " كل قارئ هو شاعر آخر .. و كل قصيدة هي قصيدة أخرى .. " بالتالي فالفعل النقدي الآن هو فعلاً دراماتورجياً على النص يمنح الشاعر فضاءً أوسع مما يرمي فتنفتح لديه تلك المغاليق المعتمة.

*أريد أن ترسم لنا صورة عن مليشيات الثقافة ؟ بعد مرور أكثر من سنة على انطلاقها ؟

-         آه ، ربما من الصعب أن أرسم عن أدائنا كلاماً حتى لا يقولون ينحاز أحمد لجماعته أو يبالغ لكني أود أن أقول إن ميليشيا الثقافة ليست فعلاً أدائياً / شعرياً / فوتوغرافياً / فيديوياً فقط، بل هو الشريان الذي يتغذى منه الجسد ، لا أستطيع أن أسير يوماً أو آكل أو أعمل إلا وكانت هذه الميليشيا حاضرة معي أنا أرفض كل التقولب.

علينا الوقوف مع الإنسان لنتجاوز الأزمة

لذا من خلالي و(علي تاج الدين ووسام علي وعواد ناصر وعبد الحسين الحيدري ومؤخراً محمد صفاء) بدأنا بفكاك كافة الأجناس وتمييعها في فعل خاص به، ونحن بهذا ننتج اختلافنا الذي نسعى له ونحاول به أن يكون ضمن دوامات الأجيال العراقية؛ فالسابقون أخذوا ما يستحقون من الكتابة وجاء الدور الذي نكون به خارج الهامش وبعيداً عن المركز نحن لا نسعى إلى أن التمركز بقدر ما نكون بجوار التجريب مع المجتمع ، لذا فالميليشيا هي ذات قبل أي شيء آخر حراك يومي مفاهيمي ، وما الأسماء التي عددت قبل قليل إلا مؤمنة بالمشروع وتقاتل من أجله ، وإذا لم أبالغ فأقول ميليشيا الثقافة مفخخة الشعر العراقي الجديد.

*أنت شاعر ومسرحي دون مفاضلة تتمسرح داخل القصيدة وتصير شاعر داخل المسرح ؟ أيهما نستطيع أن نقبض على أحمد ضياء بيدين واضحتين داخلهما؟

-         خارج الأجناس أنا قبل كل شيء آخر إنسان، ومن حقي أن أنظر إلى الواقع بعين ثالثة أو رابعة إذا اقتضى الأمر أجد أن أحمد ضياء هو أدائي في كل الأحايين يتأمسس مرة ، دينامي مرة أخرى زلق غير ثابت بنمط ويمارس ويلعب عند الجميع، أجل أنا في لعب، ولا يمكن للعب أن يأخذ طابعاً واحدا،ً بل عليه أن يتزلج على أرض صخرية مرة وعلى سائل مرة أخرى بالتالي هذا التحول أو الانصهار بالأجناس كافة يولد مجالاً آخر لرؤية ما بعد الحداثة الرافضة للتجنيس والعمل في خط شروع واحد .

*ماذا عن المسرح العراقي اليوم ؟ كيف تجده؟

-         هل المسرح العراقي نظرية أم استنساخي / مستورد أم منتج / مصدر؟ أول الأسئلة التي تتبادر إلى الذهن ، حاله حال المسارح الأخرى بالعالم كالمسرح (الامريكي) مثلاً؛ فالآخر وضع لنا الأسس ونحن نقلدها / نستنسخها ضمن معمولات كثيرة وليس الأمر على العراقي فحسب، بل أيضاً الأمر مسحوب على المسرح العربي قاطبة. هل هو مسرح اشكالية؟ مرة مع ومرة أخرى ضد وبطبيعة الحال وبسبب الأزمة السياسية ونقص المال تأثر المسرح العراقي بهذه العوامل إلا أني لو أخذت الكلمة بشكلها الرئيس أي (مسرح) أقول إن لا مسرح عراقي لأنه إلى الآن لم تتبين هذه الملامح أو النظرية إلى التي من خلالها أشير إلى هذا المسرح ، هناك تجارب منفردة تمايزت عن قريناتها الأخريات.

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق