أزمة تلقّي النص الشعري المعاصر
06 يناير 2017 | 0 تعليق

شاعر وناقد عراقي *
د. أحمد شهاب *

عندما حملَ الإنسان الأول زهرتَه إلى زوجته المنتظرة، بدأ الشعر، بدأت القصيدة الأولى، وظل الشعر صديق الإنسان يمدّ الجسور بين فرحه وحزنه وابتسامته ودمعه، ويأسه وأمله، هو رغيفه عندما يجوع وأغنيته عندما يُبشّرُ بالنعمى، ولقد كان العرب يعلقون أشعارهم على جدران كعبتهم قبل الإسلام، أو يعلقونها على جدران قلوبهم بالحفظ والاستظهار، ويشبّهون قصائدهم بالعلْق الثمين.

إنهم يقرنون الشعر بأغلى ما لديهم، ويحتفلون عندما يولد عندهم شاعر؛ فالشعر صديقهم وديوانهم، كيف أصبح الشعر اليوم غريباً؟ حتى دخل تلقّيه مرحلة الأزمة والافتراق أو العزوف عنه، فثمة أزمةٌ نشأت بين الشاعر الحديث والمتلقّي أزمة حقيقية وليست مفتعلة، هي صعوبة تلقي الشعر الحديث؛ حتى نمت فجوة بين الشاعر ومتلقيه؛ ليصل الأمر إلى تهميش الشعر العربيّ الحديث كلِّه، فدُور النشر اليوم تعزفُ عن نشر هذا الشعر إلّا على نفقة الشاعر بحجة أن القارئ صار يتّجه إلى الرواية، أو غيرها من فنون الأدب، فقد صار المؤلف يتنازل عن جميع حقوقه، أو يرضى بحقوق رمزية إزاء نشر كتابه.

ثمة أزمةٌ نشأت بين الشاعر الحديث والمتلقّي أزمة حقيقية وليست مفتعلة، هي صعوبة تلقي الشعر الحديث؛ حتى نمت فجوة بين الشاعر ومتلقيه

لا يخفى أن هذه الأزمة لها أسباب عديدة ومتداخلة منها ما له علاقة بالمتلقي، ومنها ما له عَلاقة بالشاعر ذاته، وأسباب أخرى تمُتّ بصلة إلى المؤسسة والمناهج التي تعتمدها في مؤسساتها التربوية بما في ذلك الجامعات والمعاهد. ولعلّ روح التشبث بالشعر القديم والدعوة إلى التشبع به واستظهاره، وما تنطوي عليه هذه الثقافة من التعود على نمط من الشعر معروف بغنائيته ومباشرته، هي التي أشاعت تلك الثقافة التي تربط الشعر الحديث بالأجنبي، بل تصل إلى أبعد من ذلك، باتهام الشّعر الحديث كلّه بالعمالة "لم يكن سهلاً مجابهة هذا المنحى الشعري كان له من ذاته ما يدعمه: براعة الصنع وأناقته وكان له ما يدعمه كذلك في الذوق العام: النظر إلى الشعر من حيث هو وسيلة إبهاج وإطراب، ومن حيث هو زخرف وزينة، ويجد هذا المنحى في الماضي نفسه ما يساعد في توفير مناخ لانتشاره في الحاضر واستقباله بارتياح ومتعة"[1]. وثمة من يرى أن الشعر الحديث وقع في أخطاء فادحة باعتماده الغموض والهلوسة؛ الأمر الذي جعل الشعر بعيداً عن هموم المواطن المغلوب على أمره، الجائع الذي يجري وراء لقمة العيش ولا يستطيع شراء ديوان شعر. وإذا استطاع ذلك، فهو لا يجد فيه ما يتواشج مع همومه[2]. فهل أصبح الشاعر الحديث بمعزل عن جمهوره بسبب ثقافته وطموحه وتطلعه إلى بناء قصيدة ذات منحى أسطوري ورمزي ودرامي، يتوزع فيه صوت الشاعر على أصوات مختلفة؟

يرى أدونيس أن المتلقي قبل الإسلام يرى القصيدة ثمرة تُجنى بسهولة، أو ناقة ذلول، كان يطلب من القصيدة أن تكون سهلة، حيث يقدر أن يسيطر عليها فكرياً، وأن يتملكها بأدواته المعرفية لهذا ينفر من كل قصيدة لا تستجيب لهذه الرغبة مُطلقاً عليها صفة الصعوبة، وهي صفة كانت تحمل شيئاً من الذّم وكان الشاعر الصعب يوصف بأنه ينحت من صخر[3]، والمتلقي اليوم في الغالب هو ابن ذلك المتلقي الذي كان يطلب السهولة؛ فهو يريد القصيدة واضحة وقد اعتاد أن يكون المعنى في قلب الشاعر. وبكدّ ذهني بسيط سوف يصل إلى هذا المعنى، فما الذي أوصل المتلقي إلى هذه الحال؟

إن المناهج التي تُدرس في المراحل الإعدادية (الثانوية)، وعلى وجه التحديد في المشرق لا تتعدى أن تكون بسيطة كالتاريخية والانطباعية؛ بما في ذلك النماذج الشعرية التي تُدرَس وتُحلّل لا تتعدى أن تكون من بدايات الشّعر الحر الذي شاع أيام الملائكة والسيّاب والبياتي. أمّا النماذج الشعريّة لأنسي الحاج، ويوسف الخال، وفؤاد رفقة، وأدونيس، فمختوم عليها بالشمع الأحمر. يتساءل فانسون جون: هل بإمكاننا الأخذ بعين الاعتبار فعل القراءة بالنظر إلى الاستمرار اللانهائي الافتراضي لمستعملي النص، أو بعبارة أخرى هل من الممكن وضع نظرية للقارئ[4]؟ مما لاشك فيه نحن بحاجة إلى تغيير المناخ العام لمتلقي الشعر، أو بعبارة أخرى خلق متلقٍ جديد مفترض متدرب على قراءة الشعر الحديث؛ وذلك بقراءة هذا الشعر في المنتديات والفضائيات وأجهزة الإعلام. لكن كيف يمكن تحقيق ذلك إذا كانت أجهزة الإعلام ذاتها تهمّش الشعر، فاليوم إذا ظهر سميح القاسم على شاشة إحدى الفضائيات يكتبون تحته: شاعر فلسطيني، وكأن هذا الجيل لا يعرف شيئاً عن شعراء فلسطين، ولا شعراء بلده. وبذلك نستطيع أن نصل إلى نتيجة مفادها: أن أزمة تلقي الشعر قد صنعتها المؤسسة، وأجهزة الإعلام وحتى الدول الكبرى؛ فممّا هو معروف إذا أردت أن تهزم شعباً فاهزم لغته أوّلا، والشعر روح اللغة، بل لغة بلا شعر هي لغة ميتة. ولولا شعر المعلقات الذي وصلنا لماتت العربية قبل مائتي سنة من ظهور الإسلام. ماذا يعني أن يعزف القارئ عن ديوان شعر، ويقرأ رواية؟ وما هذه الفجوة الكبيرة بين الشاعر والمتلقي؟ هذه الفجوة لم تأت من فراغ فبالإضافة إلى كلّ ما سبق، نلحظ أن الشاعر الحديث قد أسهم في توسيع هذه الفجوة؛ فهو لم يحدد أبعاد ذاته أو هويته بوصفه كائناً يتعامل مع اللغة، فهي بالتالي أداته الوحيدة التي يخاطب بها المتلقي. أوضّح هذه المسألة: لقد ورث الشاعر الحديث الأرض الخراب، وأعني أرض العرب الممتدة من البصرة إلى أقصى مدينة في المغرب الأقصى، وقد ناءت بالاحتلال، وفقدان الحرية وغياب الذات والفقر والشك والخوف والتمزق يعيش فيها الماضي مضمراً. وجاء الشاعر الحديث ينوء بكل هذه التركة، لكنه يلتفت إلى الآخر الغربي لصياغة رؤيته الجديدة، ومستقبله. أقول ذلك دون الشعور بأيّ مركّب نقص، فالغربي هذا صار إنسانياً والحداثة العربية قد استلهمت كثيراً من جوانب الحداثة الغربية المضيئة، وهذا لا يعني أننا قد لبسنا ثوب الآخرين؛ ذلك أن هذه الحداثة تُكتب بروح عربية وتلد على أرض عربية، لكنها تستلهم الآخر، لتغني تجربتها ووجودها الحيَّ. من هنا يمكن أن تلمس أصابعُنا جذرَ المشكلة، إذ إن انفتاح الشعر العربي الحديث على التراث الإنساني رموزاً وأساطير ورؤى بهدف التعبير عن واقع متناقض، ومستقبل قلق وأفق معتم، وبطالة وفقر وهجرة، مما أحال الذات الشاعرة العربية إلى كائن ينوء بمعاناة قد يضطره التعبير عنها إلى تبنّي الغموض، والرمز، والأسطورة، ومغادرة السطح والنفاذ إلى عمق الأشياء، وهذا ما قد يصل به أحيانا إلى الهلوسة والإبهام، وأضيف: التطور الثقافي والمعرفي الذي حققته الإنسانية واطلاع الشعراء العرب على مناهج الحداثة في الغرب وإجادتهم لغات أخرَ غير العربية؛ كلّ ذلك أدى إلى أن تكون القصيدة الحديثة فاتحة لاختلاط الحواس والحلم والكشف والاستشراف. فهي تفيد من السريالية والصوفية والرمزية، قصيدة يختلط فيها الآيروس والناتوس والحسيّ والمعنوي والانتماء واللاانتماء، تقول شيئاً وأحياناً لا تقول. والغموض الذي تتشح به ما هو إلاّ نتيجة لكلّ هذا التناقض، إنها تولد على أرض مليئة بالمفاجآت وباللامتوقع والمغامر والمغاير والمغادر. باختصار إنها قصيدة تطمح إلى تأويلات متعددة، أو إنها قراءات عديدة تولد في شخص واحد يختلط فيها الإنسان بالرؤيا والواقع بالخيال إنها قصيدة تلغي الذاكرة، والمتلقي العربي لم يفطم من الذاكرة التي هي علنَه ومضمرَه، والمشتى والمصيف؛ "لقد تأثر شعراء الحداثة العربية بشعراء سرياليين أو متأثرين بالسريالية يدعون إلى التركيز على اللاوعي والاهتمام به في وقت مبكر من هذا القرن لذلك لا تستغرب أن ترى أطيافاً من الأحلام والرؤى والتداعيات لدى خليل حاوي، أو أدونيس أو يوسف الخال، وغيرهم، ممّا يدفع إلى بروز ظاهرة الغموض في شعرهم، إذ تحتشد الصورة بالرموز لا لتدل على أشياء محددة، ولكن لتشير إلى مشاعر أو حالات نفسية، أو أجواء فكرية، بل لا تستغرب كثرة القصائد المعنونة بألفاظ مثل حلم، رؤيا، حلم يقظة".[5] وبذلك نستطيع أن نستنتج أن الشاعر العربي قد اطّلع على ثقافات مختلفة انعكست على شعره، مما دفع إلى أن تكون القصيدة مساحة من المعرفة، بما في ذلك إفادة الشاعر من عالم الأساطير الذي فتحه السياب على مصراعيه في منتصف الأربعينيات، وراح الشعراء بعده يستلهمون أساطير ولا يشيرون إلى مصدرها، ويتقنعون بشخصيات ولا يذكرون أسماءها، يقابل ذلك كله قارئ لم يرتق بعد إلى مستوى الشاعر، أضيف: ثمة شعراء ما عادوا يُعنون بمسألة التلقي والقارئ، فراحوا يحيلون القصيدة إلى شبه سيرة ذاتية كما فعل محمود درويش في "لماذا تركت الحصان وحيدا"، إذ يجهل القارئ جوانب كثيرة من حياة الشاعر. نقرأ لدرويش من قصيدة تعاليم حورية:

هي أخت هاجر أختها من أمها تبكي

مع النايات موتى لم يموتوا لا مقابر حول خيمتها

لنعرف كيف تتفتح السماء ولا ترى الصحراء خلف أصابعي[6]

نحن بحاجة إلى تغيير المناخ العام لمتلقي الشعر، أو بعبارة أخرى خلق متلقٍ جديد مفترض متدرب على قراءة الشعر الحديث

يقع الالتباس والغموض في عنوان القصيدة "تعاليم حورية"، فالمتلقي يجهل أن حورية هي أم الشاعر، لذلك قد يحيلها على الحور العين، وعليه لابد من اطلاع المتلقي على جوانب كثيرة من سيرة الشاعر، وإذا كانت هي أخت هاجر، فلابد أن يكون محمود أخاً لإسماعيل. والقصيدة تحيلنا إلى غربة هاجر ومنفاها في واد غير ذي زرع، إذ إن هذا المنفى يشير إلى منفى أُمّ محمود وغربة الفلسطيني، فالغموض هنا ينبعث من الشاعر. هذه نقطة، ونقطة أخرى أن الشعر منذ بداياته مرتبط بالغموض فهو تارة شبه وحي مرتبط بالسماء، وتارة مرتبط بالشياطين والسحر؛ وكل ذلك أدى إلى أن يسقط الشعر العربي الحديث في هوة كبيرة هي هوة التهميش، ومادامت سِمة الغموض قد انطلت على الشعر، ومادام المتلقي العربي لا يجهد نفسه بالبحث والتدرب على القراءة، ومادامت أجهزة الإعلام توغل في تهميش الشعر، لابد من مَوئل آخر، وهو التأسيس من جديد للشعر الحديث، وليس بالضرورة أن يستمع للشعر الملايين، وليس من الضروري أن يبيع الشاعر ثلاث عشرة مليون نسخة من ديوانه كما فعل "يفتو شنكو" في روسيا، فلا ضير أن تكون صالونات وملتقيات للشعر تنتشر في المدن العربية تبشّر بهذا الشعر، وتنشره عبر الفضائيات الثقافية وتدريب الذائقة العربية على تعدد المعنى وسعة التأويل واستقبال الشعر الذي يعنى بالحذف وبلاغة التركيز والإفادة من المهمّش في اللغة والشارع، وأسطره شخصيات من الشارع وضخّها بمختلف الرموز، وصنع الأسطورة الجديدة التي تنبعث منا ومن مقهانا ورصيفنا وشارعنا.وثمة جانب آخر أجج أزمة التلقي، وهو النقد العربي الواقع بين سلطة التقليد وسلطة الحداثة، وأعني بذلك أن الناقد العربي الذي ظل يلتفت إلى الماضي ظلّ كذلك، رغم إقباله على المناهج الحديثة؛ فبعض "الدراسات لم يوفق أصحابها في تطبيق المناهج التي اختاروها بالشكل الصحيح لعدم استيعابهم وفهمهم لآلياتها ووسائلها الإجرائية نتيجة أخذها مجتزأة ومن غير منابعها"[7]. فالناقد العربي صار يأخذ من المناهج الغربية، لكنه لا يأخذها كاملة، بل يضيف عليها كأنه يريد أن يعطي المنهج صبغة عربية، ويحاول إسقاط ذلك على النصوص، ممّا لا تتحمله النصوص، وبعد ولادة مدرسة كونستانس الألمانية، فقد صارت هي المنهج الجديد الذي سيحل محل مناهج الحداثة: البنيوية والسيميائية، وحلّ تعدد القراءات محل القراءة الواحدة. والمعروف أن تعدد القراءة يقوض سلطة القراءة الأحادية، إلّا أن تحميل النص ما لا يحتمله قد أدى إلى الغموض والاختلاط؛ ممّا جعل المركز وأصحاب التأويل الأحادي يوقنون أن الشعر الحديث أغلبه هلوسة. وأضيفُ أن ثمة شعراءَ قد تخلوا عن المركزية في القصيدة، فصار كل موضوع هو موضوعهم، فقصيدتهم عبارة عن خواطر مختلفة ومقاطع وتنويعات على الليل والورد والحبيبة والحرب والضجر والتسكع، فلا يجد المتلقي خيطاً يربط بين هذه الموضوعات؛ فيقرأ مطلع القصيدة وبعد ذلك يعزف عنها.

اطّلع الشاعر العربي على ثقافات مختلفة انعكست على شعره، مما دفع إلى أن تكون القصيدة مساحة من المعرفة

ولنعد إلى الفجوة الأولى بين الشاعر والمتلقي واتجاهاتها الجديدة، وهنا أقف لأطرح سؤالاً: إذا كانت الشركات العالمية للتسويق تعنى اليوم بالعلاقات العامة "وتحولاتها الكبيرة التي لم تشهدها من قبل، فهي تؤثّر مباشرة على الطريقة التي يدرك بها المديرون كيفية إدارة العلاقات العامة"[8] فلماذا لا يُعنى الشاعر العربي الحديث أيضا بعلاقته بالجمهور وبكيفية تسويق القصيدة؟ قد يكون السؤال غريباً، لكن أليس ممكناً أن يسوّق الشاعر الحديث عواطفه ويفكر بأسهل الطرق المؤدية إلى جمهوره أو دراسة احتياجات هذا الجمهور؛ ذلك أن "أهم ما ينماز به فعل الكتابة أنه يحقق نوعاً من الانسجام والترابط بين فعل التحاور وفعل التجاوز"[9]. فالقصيدة العربية، وهي تحقق التجاوز والمغامرة والتجريب، لابدّ أن تبقي الحوار مفتوحاً مع المتلقي عبر التقريب بين الاستعارة التحقيقية والاستعارة التخييلية؛ يوضح ذلك نصر حامد أبو زيد في قوله: "لا تحتاج الاستعارة التحقيقية إلى كد الذهن والتعميق في التأويل وصولاً إلى الدلالة، لأنها تعتمد على علاقة المشابهة المباشرة في إنتاج الدلالة والاستعارة التخييلية على العكس من ذلك لا تعتمد على علاقة المشابهة المباشرة، ولا يشير الاسم المستعار فيها إلى مدلول ثابت معلوم، فهي تحتاج من المتلقي إلى كد الذهن وإعمال الفكر"[10]. وبإمكاننا أن نفتح أي ديوان من الدواوين الأخيرة لأدونيس أو درويش، لنجد أمثلة عديدة للاستعارة التخييلية التي تؤدي إلى الغموض نقرأ لمحمود درويش:

ريتا ترتّب ليل غرفتنا: قليلٌ

هذا النبيذ

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتح لها الشباك كي يتعطّر الليل الجميلُ

ضع هاهنا قمراً على الكرسي ضع أعلى البحيرة فوق منديلي

ليرتفع النخيلُ

أعلى وأعلى[11]

هناك شعراءَ تخلوا عن المركزية في القصيدة، فصار كل موضوع هو موضوعهم، فقصيدتهم عبارة عن خواطر مختلفة ومقاطع وتنويعات

لقد قال محمود ما لم يستطع أن يقوله نزار قباني أو عمر بن أبي ربيعة؛ فالتي ترتّب الليل وتسقي أزهار جسمها بالنبيذ هي ريتا؛ والشاعر يضعها كالقمر فوق الكرسي؛ ويضع زبد البحيرة فوق منديلها، ليضخّ أكبر كمية من الآيروس في نصه، دون أن يثير ضجة لدى القراء، ذلك أن النص يختفي وراء الاستعارة التخييلية ونقرأ لأدونيس:

دخلت إلى حوضكِ عندي مدينة تحت أحزاني

عندي ما يجعل الغصن الأخضر ليلاً

والشمس عاشقة سوداء[12]

ويمكنني أن أتساءل هنا: مَن المخاطب في هذه القصيدة التي عنْونها الشاعر بـ (هذا هو اسمي)؟ هل هي مريم المجدلية أم دمشق أم بيروت أم المدينة العربية بشكل عام؟ وماهذه المدينة التي تنام تحت جلده؟ هل هي مدينة أدونيس الفاضلة؟ وأين هي حصة القارئ من هذا النص؟ أعني وأنا أناقش هذه الأزمة القائمةلاشك أن هذا المقطع تجريبي ورائد في القصيدة التجريبية، وهو أيضاً فاتحة لشعر يؤمن بالقلع والهتك؛ لتأتي الولادة الجديدة، لكن المقطع الشعري يدعونا لطرح أسئلة عديدة، فإذا كان الشاعر يدخل حوضاً، فمن المتداول أن الحوض دالة على وجود الماء والخصب، فلماذا هو يحمل تحت جلده مدينة الحزن؟ ولماذا يريد أن يحيل الاخضرار إلى سواد والشمس إلى ظلمة؟ لتظل أسئلتنا مفتوحةً وتظل القصيدة العربية الحديثة على طريق اللاحسم.

 

لماذا لا يُعنى الشاعر العربي الحديث أيضا بعلاقته بالجمهور وبكيفية تسويق القصيدة؟

[1]- ها أنت أيها الوقت: أدونيس دار الآداب ط1 بيروت 1993 ص83

[2]- ينظر الشعر العربي المعاصر (أزمة)أم (عافية مصطنعة) عزيزة علي، متاح على الإنترنيت: www.newsabah.com/wp/newspaper/58879

[3]- ينظر النص القرآني وآفاق الكتابة: أدونيس، دار الآداب ط1، بيروت 1993، ص 60

[4]- القراءة: فانسون جوف، دار رؤية القاهرة، ط1، 2016، ص 42

[5]- ظاهرة الغموض في الشعر العربي الحديث: محمد إسماعيل دندي متاح على الإنترنيت:

 www.startimes.com/?t=125666

[6]- لماذا تركت الحصان وحيدا، محمود درويش، الأهلية ط1 عمان، 2014 ص 79

[7]- النقد العربي بين سطوة التقليد وموضة الإسقاط، مجاهد ميمون ضمن كتاب الكتابة والسلطة، دار كنوز المعرفة ط1 عمان 2015 ص 357

[8]- إدارة العلاقات العامة: راسم محمد جمال وخيرت معوض عياد، الدار المصرية اللبنانية ط 4 القاهرة، 2014 ص 19

[9]- الإشكالية بين السلطة وشرعية التأويل: مختار لزعر ضمن كتاب الكتابة والسلطة، ص 30

[10]- النص، السلطة، الحقيقة: نصر حامد ابو زيد، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء ص1995، ص 183

[11]- أحد عشر كوكبا: محمود درويش الأهلية ط1 عمّان 2014، ص 71

[12]- الأعمال الشعرية الكاملة: أدونيس الهيئة العامة لقصور الثقافة ط1 القاهرة 2007، ص 385

 

* مقال منشور ضمن ملف العدد التاسع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "الشعر العربي المعاصر وسؤال التلقي.."

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/UFaLUW

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق