أسامة أنور عكاشة .. للتلفزيون ذاكرة
09 مايو 2016 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

بداية عمله كانت دوماً بتلك الطقوس التي ظلّ وفياً لها حتى آخر أيامه؛ بأن يسحب كرسيه الأثير إلى شرفة شقته المطلة على البحر في الإسكندرية أحب المدن إلى قلبه، ليطلق العنان لخياله معلناً في كل مرة بداية عمل جديد.

ربما باستثناء فيصل ندا، الذي وضع أسس وقواعد كتابة المسلسل التلفزيوني، لم ترتبط الدراما العربية باسم أحد كتابها كما ارتبطت بأسامة أنور عكاشة، التي أعلنت الشاشة الفضية برحيله "موت نجومية المؤلف"، مفسحة بذلك المجال لسيادة مرحلة الانكفاء بأعمال النجم الأوحد التي يتم تفصيلها على مقاس شخصية واحدة يدور الجميع في فلكها.

قام مبدع (ليالي الحلمية) ببناء مدرسة خاصة لم يجد للأسف إلا قلة يرثونها، استطاع من خلالها أن يغير شكل الدراما التلفزيونية من خلال عشرات الأعمال

نجح "محفوظ الدراما العربية" في كسر قاعدة أن التلفزيون بلا ذاكرة، من خلال أعماله المتنوعة، والتي تجاوزت الأربعين مسلسلاً بدءاً بسباعية "الإنسان والحقيقة" عام 1976 الذي أخرجه فخر الدين صلاح، مروراً بـ "الشهد والدموع" بجزئيه أعوام 1983 و1985، انطلاقته الحقيقية التي مهدت للعمل الدرامي العربي الأشهر "ليالي الحلمية" الذي ظهر جزؤه الأول العام 1987، وتتبع فيه على مدى 5 أجزاء التغير الاجتماعي الذي أصاب ملامح الشخصية المصرية في تاريخها الحديث من عصر الملك فاروق حتى مطلع التسعينيات، من خلال لوحة مذهلة ظهرت فيها عبقريته الفذة في إدارة أكثر من 300 شخصية لا تكاد تلمح هامشية في إحداها، ليسدل الستار بالجزء الثاني من "المصراوية" عام 2009 على مسيرته الدرامية.

ولد أسامة أنور عكاشة في طنطا عام 1941، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمدارس كفر الشيخ، حيث كان يعمل والده، توفيت والدته، وهو لم يجاوز السادسة، وكان لذلك الحرمان أكبر الأثر في شخصيته من خلال الحب الذي جسده في كل أعماله كأنه يعوض عما حرم منه في طفولته "أنا قلبي زي الموبايل، والحب هو بطارية الشحن، بدونها يتوقف عن العمل، فأنا لا أستطيع الحياة دون حب، فهو شعور يعني لي البقاء". 

التحق بقسم الدراسات الاجتماعية والنفسية بجامعة عين شمس التي تخرج منها عام 1962، وهذا ما ساعده على توظيف تخصصه في فهم الظواهر الاجتماعية وعلاقة الفرد بمجتمعه، والغوص في أعماق النفس البشرية وصراعاتها الداخلية،  وخلال هذه الفترة بدأت إرهاصات محاولاته الأولى في مجال التأليف.

أصدر أول أعماله الأدبية عام 1967، وكانت مجموعة قصصية بعنوان (خارج الدنيا)، ثم رواية (أحلام في برج بابل) عام 1973، ورغم الانشغال بعالم الدراما إلا أن ذلك لم ينسه ولعه بالأدب؛ فأصدر مجموعة قصصية بعنوان (مقاطع من أغنية قديمة) عام 1985، ورواية (منخفض الهند الموسمي) عام 2000، ورواية (وهج الصيف) عام 2001، كما قام بتأليف عدد من الكتب منها؛ (أوراق مسافر) و(همس البحر، تباريح خريفية) في 1995، ثم رواية (سوناتا لتشرين) عام 2008، وكانت (شق النهار) هي العمل الروائي الأخير لعميد الدراما العربية، وهي تدور حول الإنسان وصدامه مع الواقع.

عمل عكاشة مدرساً عامي 1963 و1964، ثم عضواً فنياً بالعلاقات العامة بديوان محافظة كفر الشيخ حتى العام 1966، قبل أن يعمل أخصائياً اجتماعياً للشباب بجامعة الأزهر حتى 1982 العام الذي شكل تغييراً جذرياً في حياته؛ حيث قدم استقالته من العمل الحكومي، ليتفرغ تماماً للكتابة والتأليف بعد انطلاقته الحقيقية بمسلسل "الشهد والدموع" مع المخرج إسماعيل عبد الحافظ، الذي شكل معه الثنائي الأبرز في الدراما العربية.

 يعود الفضل للروائي سليمان فياض في اكتشاف موهبته ككاتب دراما، وذلك عندما وقع على مجموعة قصصية لعكاشة وأعد إحدى قصصها في شكل سهرة تليفزيونية، وبعد ذلك بعام اختار كرم النجار قصة أخرى من المجموعة ذاتها بعنوان "الإنسان والحبل" وقدمها أيضاً كسهرة تليفزيونية، بعد ذلك قيل لعكاشة لماذا لا تكتب أنت السيناريو مباشرة، ففعل ليصبح أبرز كتاب الدراما العربية.

استطاع عكاشة أن ينتقل بالدراما المصرية، لتدخل كل قلوب العرب الذين كانوا يتلهفون في كل عام لقراءة تلك الماركة السحرية "قصة وسيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة" التي كانت كافية ليتسمروا حول الشاشة الصغيرة دون أن يعنيهم من أبطال العمل.

كان الإنسان هاجس "فيلسوف الدراما" في كل أعماله، من خلال شخصياته الواقعية التي تنبض بالحياة،  فانتصر للمغلوبين والحب، وشن حرباً لا هوادة فيها على الفساد والاستبداد والضياع والجهل، دون أن يجره إغراء الخيال لحلول رومانسية يدغدغ بها مشاعر جمهوره، حتى ميوله الناصرية التي عرف بها لم تمنعه من انتقاد هذه المرحلة في سلبياتها، كما عني بصراع الأجيال وأوجاع الأمة، فاستطاع بذلك أن ينتقل بالدراما المصرية، لتدخل كل قلوب العرب الذين كانوا يتلهفون في كل عام لقراءة تلك الماركة السحرية "قصة وسيناريو وحوار أسامة أنور عكاشة" التي كانت كافية ليتسمروا حول الشاشة الصغيرة دون أن يعنيهم من أبطال العمل، ويسجل له أنه لم يحصر نفسه بالدراما الجادة، فأبدع في الكوميديا (ريش على مفيش) 1978، (أنا وأنت وبابا في المشمش) 1989، و(لما التعلب فات) 1999.

قام مبدع (ليالي الحلمية) ببناء مدرسة خاصة لم يجد للأسف إلا قلة يرثونها، استطاع من خلالها أن يغير شكل الدراما التلفزيونية من خلال عشرات الأعمال مثل: وقال البحر، المشربية، ضمير أبلة حكمت، زيزينيا، الراية البيضا، عصفور النار، وما زال النيل يجري، أرابيسك، امرأة من زمن الحب، أميرة في عابدين، كناريا وشركاه، عفاريت السيالة، أحلام في البوابة، المصراوية، الحب وأشياء أخرى، رحلة السيد أبو العلا البشري، والحصار..

السيناريست الذي كان أول من وضع قواعد دراما الأجزاء في "الشهد والدموع" و"ليالي الحلمية" كان يرفض تأجيل أعماله مهما كان السبب، وكشف تلميذه السيناريست بلال فضل مؤخراً أن مسلسل ''أرابيسك'' الذي أنتج عام 1994 كان من المقرر أن يقوم ببطولته عادل إمام، لكن بمجرد تأخره، قرر أسامة أنور عكاشة فوراً اللجوء إلى الفنان صلاح السعدني كبديل لأهم فنان عربي.

ظل عكاشة حاضراً في السهرات التلفزيونية أيضاً؛ فقد كتب في هذا المجال قرابة خمسة عشر عملاً من أهمها: تذكرة داود، العين اللي صابت، الشرير، الكمبيوتر، البراءة، مشوار عيد، الملاحظة، الغائب، سكة رجوع، حب بلا ضفاف.

ولم تقتصر إبداعات عكاشة على التلفزيون فأعطى للمسرح والسينما أعمالاً مميزة، وإن لم يحقق فيها النجاح الذي حققه في الدراما؛ فكتب مسرحيات منها؛ (القانون وسيادته) لمسرح الفن، و(البحر بيضحك ليه) لفرقة الفنانين المتحدين، و(الناس اللي في التالت) للمسرح القومي، ومسرحية (ولاد اللذين) للقطاع الخاص.

وسينمائياً قدم مجموعة من الأفلام: الهجامة، تحت الصفر، الطعم والسنارة، والإسكندراني، إضافة إلى كتيبة الإعدام، ودماء على الإسفلت مع المخرج المبدع عاطف الطيب.

كما كان يكتب مقالات منتظمة في جريدة الأهرام وغيرها، وقد جرت عليه صراحته بعض المشاكل؛ فلم تخل حياته في سنيّه الأخيرة من جدل؛ لعل أبرزه ما أثير بعد مقال كتبه العام 2004 في صحيفة الموجز الأسبوعية هاجم فيها فاتح مصر عمرو بن العاص، ونعته بأوصاف اعتبرها كثيرون لا تليق بأحد الصحابة، الأمر الذي أحدث ضجة في الأوساط الدينية في بلده.

حصد مبدع شخصيات سليم البدري (يحيى الفخراني) والعمدة سليمان غانم (صلاح السعدني) ونازك السلحدار (صفية العمري) العديد من الأوسمة والجوائز من أبرزها شهادة تقدير عن مسلسل ليالي الحلمية في عيد الإعلاميين السابع عام 1990، وجائزة الدولة للتفوق في الفنون من المجلس الأعلى للثقافة عام 2002، وجائزة الدولة التقديرية في الفنون العام 2008.

وكان قد تم ترشيحه لكتابة عمل كبير عن حرب أكتوبر لكن المشروع تعثر بعد أن عقد لأسابيع جلسات مطولة مع لجنة من عشرين قائداً من الذين شاركوا بالحرب برئاسة المشير محمد علي فهمي، وما زالت مكتبة الفقيد تحتفظ بتسجيلات هذه الاجتماعات.

الإنسان كان هاجس "فيلسوف الدراما" في كل أعماله، من خلال شخصياته الواقعية التي تنبض بالحياة،  فانتصر للمغلوبين والحب، وشن حرباً لا هوادة فيها على الفساد والاستبداد والضياع والجهل، حتى ميوله الناصرية التي عرف بها لم تمنعه من انتقاد هذه المرحلة في سلبياتها، كما عني بصراع الأجيال وأوجاع الأمة.

ومع مسلسل «المصراوية» واتته فكرة الكتابة بأسلوب مختلف، من خلال ورشة عمل لمجموعة من شباب كتاب السيناريو الذين أشرف عليهم. وكان يحلم أن يصل به إلى ألف حلقة لتحمل هموم وحياة المصريين.

خاض عكاشة عدة صراعات مع المرض، لا سيما الفشل الكلوي والسكر والقلب، وكان يخرج من أزماته الصحية بعمل جديد يسعد به الجمهور، حتى شهد العام 2010 رحيله إثر وعكته الصحية الأخيرة.. رغم ذلك بقي يعطي دون كلل، فظل منشغلاً بكتابة مسلسل جديد بعنوان "تنابلة السلطان"، ويعد للجزء الثالث من "المصراوية"، مخلصاً بذلك للعبارة التي طالما رددها "أتمنى أن أكتب حتى آخر لحظة في حياتي ولا أشعر في أي وقت بأني عاجز عن إمساك القلم.. فالكتابة بالنسبة إلي كالماء بالنسبة إلى السمك، أموت عندما ابتعد عنها".   

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق