أمنيات على بوابة السنة الجديدة
31 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

الأردن - موسى برهومة

كنا، زمان، كلما اقترب العام من شهق أنفاسه الأخيرة، نردّد من دون وعي قصيدة الشاعر العراقي مظفّر النُوّاب "ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة" ونعيش أجواءها، ونذرف الحزن مع كل حرف فيها. كانت القصيدة الصارخة النازفة عنوانَ لحظتنا في ذلك الزمان القديم الذي كنا نزاول فيه السياسة، وننخرط في اجتماعات سرية، ونحلم بتغيير العالم.

العالم تغيّر كثيراً، وبعضنا تغيّر كثيراً أو قليلاً، وراح آخرون يعتصمون بالموقف الخشبيّ الأول وينزفون حسراتهم التي تشبه حسراتنا، لكنها لا تؤول إلى مصب واحد. افترقنا، كما افترقت الجغرافيا وتمزّق كتاب التاريخ.

كان النوّاب يستأنس بنار الحنين إلى عراقه، قبل أن يصبح ألف عراق. كان يهجو الطغيان والزنازين المفتوحة على اتساع بلاد الرافدين. وكنا نرى في آلامه آلامنا نحن المقتلعين من الجغرافيا، ومن حق اللجوء إلى الحنين لأوطان لم تشبه تلك التي حلمنا بها، أو تلك التي خططنا أن نبني فيها منزلاً صغيراً بشجيرات تحيط به، وهواء طلق يداعب زهرة خجولة على شرفة شباك حجري صغير.

وقد استدرك النوّاب، على نحو ذكي، حين قدّم لقصيدته الشهيرة التي كنا نحفظها بقوله: "هذه القصائد لَمْ تُكتب لمناسبة, كُتَبَت لدهرٍ من الحزنِ والتحدي, لا خوفَ أن يطول, ما دمنا ننبض والأفضلون يحملون السلاح". ثم تابع "اغفروا لي حزني وخمري وغضبي وكلماتي القاسية. بعضكم سيقول بذيئة لا بأس, أروني موقفاً أكثر بذاءةً مما نحنُ فيه".

قال النوّاب ذلك قبل أن يحلّ الخراب، فيعصف بكل بناء وفكرة وأمل. ومع ذلك رحنا كلَّ نهاية عام نهتف بقلب مكسور:

"مَرَةً أُخرى على شباكنا تبكي

ولا شيءَ سوى الريحِ

وحباتٍ من الثلجِ على القلبِ

وحزنٍ مثلَ أسواقِ العراق

مرةً أُخرى أمدُّ القلبَ بالقربِ من النَهْرِ زُقَاقْ

مرةً أُخرى أُحني نِصْفَ أقدامِ الكوابيسِ بقلبي

وأُضيءُ الشمعَ وحدي وأُوافيهِم على بُعْدٍ

وما عُدْنا رِفاق

لمْ يَعُدْ يذكُرُني منذ اخْتَلفنا أَحدٌ غيرَ الطريقْ

صارَ يكفي".

وتختصر القصيدة أزمنة عديدة، ولا يخفى أنها احتفظت برونق الديمومة، على الرغم من لغتها اللاعنة المباشرة، لكنّ اللحظة، كما علّل الشاعر، تستحق ذلك، وهو الذي صرخ ذات قصيدة "أيحتاج دم بهذا الوضوح إلى معجم طبقي كي يفهمه؟"

"فرحُ الأجراسِ يأتي من بعيدٍ

و صهيلُ الفتياتِ الشُقْرِ يستنهِضُ عزمَ الزمنِ المُتْعَبِ

والريحُ من الرُقْعَةِ تغتابُ شموعي

رُقْعَةَ الشباكِ كم تُشْبِهُ جوعي

وأثينا كُلَها في الشارعِ الشِتْويِّ

تُرْخِي شَعْرَها للنَمَشِ الفِضِيِّ

وللأشرطةِ الزرقاءَ واللذةِ

هل أخرجُ للشارعِ؟

مَنْ يَعرِفُني؟

مَنْ تَشْتَريني بقليلٍ من زوايا عيْنِها؟

تعرِفُ تَنْويني وشَدَّاتي وَ ضَمِّي و جُموعي ..

أيْ إلهي إنَّ لي أمنيةً: أنْ يسْقُطَ القمعُ بداءِ القلبِ

والمَنْفَى يعودون إلى أوْطانِهمْ

ثُمَّ رُجوعي".

تلك كانت أمنية الشاعر العراقي الأولى أن يسقط القمع بداء القلب، وأن يعود المنفيون. لكنّ الأمنية لم تتحقق، فالطغاة في ازدياد، وها هم يزيلون المدن العريقة عن الخريطة كي يحتفلوا بلحظة "النصر" الإلهي المجيدة، على أكوام الجثث وأنهار الدم التي تسيل في الشوارع.

وأما المنفيون، فقد مضوا عبر البحار والجبال والهواء غير الطلق، يلوذون بملجأ أو هوية، ويصطفون أمام مؤسسات الإغاثة كي تسعف من نجا منهم بخبزة أو شربة ماء أو هُوية.

سقطت أمنيتك أيهذا الشاعر، فهيّا تمنّ غيرها.  

"لم يَعُدْ يّذكُرِني منذُ اخْتَلَفنا

غيرَ قلبيْ والطريقْ

صارَ يكفي

كُلُّ شيءٍ طَعْمُه طَعَمُ الفِراق

حينما لم يبقَ وَجْهُ الحزبِ وَجَهَ الناسِ

قد تَمَ الطلاقْ

حينما ترتفعُ القاماتُ لَحْناً أُمَمِيَّاً

ثُمَ لا يأتي العِراقْ

كانَ قَلْبِيْ يَضْطَرِبُ

كنتُ أبكي!

كنتُ أستفْهِمُ عن لَوْنِ عريفِ الحَفلِ؟

عَمَنْ وَجَهَ الدعوةَ؟

عَمَنْ وضعَ اللحنَ؟

ومَنْ قادَ؟ ومَنْ أنْشَدَ؟

أستَفْهِمُ حتى عن مذاقِ الحاضرينْ!

يا إلهي .. يا إلهي .. يا إلهي ..

إنَ لي أمنيةً ثالثةً

أنْ يَرْجِعَ اللَحْنُ عراقياً

وإن كانَ حزينْ".

هذه الأمنية أكثر استعصاء الآن من أي وقت مضى؛ فالعراق عراقات، وقبائل  ورايات واصطفافات وجيوش وصحف وألوان أعلام وألسنة شتى من كل حدب وصوب. ما عاد الفرات ودجلة ينبعان  من المكان ذاته، ولم يعودا يصبان إلا في المتاهة التي جفّفت روح النهرين اللذين ألهما الحضارات، وأيقظا النشيد العبقري في عروق المكان والزمان، فكان الشعر والفن والنحت والحدائق المعلقة، وكان الحب، قبل أن يأتي الطغاة، يتجول في الشوارع، ويرسل قبلاته إلى المارة من نساء العراق ورجاله.

لن يرجع اللحن عراقياً، وسيبقى حزيناً نازفاً، فسقوط العراق كان المقدّمة الأولى لسقوط العالم العربيّ في وحل الهزائم، وما عادت القصائد والتعاويذ والأناشيد بقادرة على إحياء حلمك، أيهذا الشاعر، فماذا لديك إذاً من أمنيات؟

"ولَقَدْ شَطَ المَذَاق

لَمْ يَعُدْ يذكرني منذ اختلفنا أحدٌ في الحفلِ

غيرَ الاحتراقْ

كان حفلاً أُمَمِياً

إنَما قَدْ دُعِيَ النَفطُ ولم يُدْعَ العراقْ

يا إلهي.. رغبةٌ أخرى إذا وافقتَ

أن تغفرَ لي بُعْدِيّ أُمِي

والشُجَيراتِ التي لم أسْقِها منذُ سنين

وثيابي ..

فلقد غيرتُها أمس بثوبٍ دونَ أزرارٍ حزين

صارتْ الأزرارُ تُخفي

ولذا حذرتُ منها العاشقين

لا يقاسُ الحزنُ بالأزرارِ بل بالكشفِ

إلا في حسابِ الخائفين".

هذه الأمنية الأخيرة في متناول الأمل والرجاء؛ فالأم والأشجار والدروب الأولى تحتفظ بالخطو واللمسات والآهات والدموع، وتحفظ لون الفرح ومذاق البكاء. لن تخذلك هذه الذكريات، مع أنها لن تسعف الأوطان ذات ضيق يتسع كوابة الجحيم، فاعتصم إن شئت بالذكرى، وأرجُ زماناً آخر يودّع سنواته سريعاً ويأتي بالشمس التي اعتقلها الطغاة ومحاربو الظلام "المقدّس" وأوصياء الله على الأرض.

ها هو عام آخر ينزف من أعمارنا، فلا نفعل إزاءه سوى أن نسقط آخر ورقة في التقويم، ونراود الرجاءات العنيدة أن تترفق بأيامنا القادمة، وأن تقلل حجم الخسارات، فما عاد في المقل دموع، وما عاد القلب قادراً على الحزن والبكاء.

وإن كنا بالشعر بدأنا، ومن العراق النازف انطلقنا، فإننا نؤوب إلى الشعر ونؤوي إلى العراق أيضاً، ونرحل مع شاعرته نازك الملائكة، وهي توجّه قصيدتها "إلى العام الجديد":

"يا عام لا تقرب مساكننا فنحن هنا طيوف

من عالم الأشباح، يُنكرُنا البشر

ويفر منّا الليل والماضي ويجهلنا القدر

ونعيش أشباحًا تطوفْ

نحن الذين نسير لا ذكرى لنا

لا حلم، لا أشواقُ تُشرق، لا مُنى

آفاق أعيننا رمادْ

تلك البحيرات الرواكدُ في الوجوه الصامتهْ

ولنا الجباه الساكتهْ

لا نبضَ فيها لا اتّقادْ

نحن العراة من الشعور، ذوو الشفاه الباهتهْ

الهاربون من الزمان إلى العدمْ

الجاهلون أسى الندمْ

نحن الذين نعيش في ترف القصورْ

ونَظَلُّ ينقصنا الشعور.

لا ذكرياتْ،

نحيا ولا تدري الحياةْ،

نحيا ولا نشكو, ونجهلُ ما البكاءْ

ما الموت، ما الميلاد، ما معنى السماء

**

يا عامُ سِرْ, هو ذا الطريقْ

يلوي خطاكَ، سدًى نؤمل أن تُفيقْ

نحن الذين لهم عروق من قصبْ

بيضاءُ أو خضراء نحن بلا شعورْ.

الحزن نجهله ونجهل ما الغضب

ما قولُهم إنّ الضمائر قد تثور

ونود لو متنا فترفضنا القبور

ونود لو عرف الزمانْ

يومًا إلينا دربه كالآخرين

لو أننا كنا نؤرخ بالسنين،

لو أننا كنا نقيَّد بالمكانْ

لو أنّ أبواب القصور الشاهقات

كانت تجيءُ قلوبَنا بسوى الهواء،

لو أننا كنا نسير مع الحياةْ

نمشي، نحس، نرى، ننام

وينالنا ثلج الشتاءْ

ويلفُّ جبْهَتَنا الظلام

أواه لو كنا نحسّ كما يحس الآخرونْ

وتنالنا الأسقام أحيانًا وينهشنا الألم

لو أنَّ ذكرَى أو رجاء أو ندم

يومًا تسدُّ على بلادتنا السبيلْ

لو أننا نخشى الجنونْ

ويثيرُ وحشَتنا السكون

لو أنّ راحتنا يعكّرها رحيل

أو صدمة أو حزن حب مستحيل.

أواه لو كنا نموت كما يموت الآخرونْ".

 

تلك هي الأحلام المخطوفة على بوابة العام الجديد. وقد يزيد استعار هذه الأحلام وهي تتحوّل إلى مخاوف وكوابيس في ظل ارتفاع وتيرة الموت من حولنا. فثمة من يخطط لاغتيال فسحة الأمل في الاحتفال برأس السنة الميلادية، ومنهم وهم الأشدّ ويلاً ممن يسرفون في صرف الفتاوى التي تحرّم الاحتفال، وترى فيه إثماً، وتحذر من يسافرون من أجل الاحتفال بالحياة، واصطياد المسرّة، بأنهم خارجون عن ملّة الشرع.

ولا يختلف متعهدو الفتاوى عن أولئك الإرهابيين الذين يتربّصون بأكثر لحظات الكائن سروراً فينقضّون عليها، ويلوّنونها بالدم والجثث المتفحمة.

ومع ذلك، فالحياة التي رأى فيها الشعراء رماداً أو عدماً، تمنح الكائنات بهجات عديدة، وتشقّق نوافذ الصخر الصلدة، كي ينبعث منها ضوءٌ ولو من بعيد، يزوّد الإنسان بمؤونة اللذة ومقاومة الموت!

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق