أنا حرّ!
17 فبراير 2017 | 0 تعليق

* باحث تونسي
عيسى جابلي*

عادة القوانين والشرائع والأعراف والعادات والتقاليد أن ترسم حول الكاتب دائرة بالطباشير الأحمر بصرامة وقوة، وعادة الكاتب الحر أن يتسوّر الدائرة، ويمدّ يده بعيداً ليرسم سماء وأشجاراً ونوارس لا تهدأ. جِبلّة الأغلبية الساحقة من الآخرين أن يصدّقوا جديّة الدّائرة، ويؤمنوا بها، بل إن كثيراً منهم يسعى لرسم دوائر أخرى تصغرها داخلها ملزماً نفسه بلزوم ما لا يلزم، واثقاً من ضرورتها كي تواصل الأبقار داخلها الرّعي غامسة رؤوسها في العشب في طمأنينة، وأما الكاتب – الكاتب الحق – فمجبول على الانتهاك! إنّه ضدّ الدّوائر والمربّعات والمستطيلات والمثلثات وأشباه المنحرف، كما أنّه ضدّ حياة الأبقار والبهائم تغدو وتروح بين عشب وماء. إنّه لا يمكن أن يكون كاتباً حقّاً إن عمّر داخل الدوائر والأشكال المغلقة لحظة؛ هل يكره الخطوط المغلقة؟ أبداً. ففيما هو يمقت الإقامة داخلها، يتلاعب بها كساحر: يرسم دائرة فتتحوّل إلى فراشة تصير في لحظة فراشات تفرّخ فراشات فتنشأ سحب من الفراش يلوّن السّماء، ويخطّ مربّعاً فتلين زواياه في لحظة وتتبخّر سفينةً تزحف على سطح بحر لا ينتهي. ويتخيّل مستطيلاً فتتلاشى حدوده كموجات تتشكل ذراعين مفتوحتين في وجه القمر، ويرى نفسه لحظة داخل خط مغلق فيحوّله بزفرة قلم أو ريشة أو قوس إلى غيمة بيضاء تتهادى تحت الشّمس.

هكذا هو الكاتب أو لا يكون! وما الرقاب التي امتدت إلى السيف يقطعها بلا رحمة، ولا الأطراف التي قُطّعت ورميت في النار، ولا الصدور التي تلقّت الرّصاص، ولا الأجساد التي أحرقت حية، ولا البطون التي بُقرت، ولا العيون التي سُملت، ولا الكتب التي أحرقت وأتلفت، إلاّ دليلاً على أنّ معركة الكاتب التاريخية الأجدر والأهمّ هي معركة الحرّية. ومتى تحول الكاتب إلى كائن داجن كقطّ أهلي يتمسّح على أعتاب الأعراف والسلط مهما كان نوعها مبدياً خضوعه لها معلناً إقامته داخل أسوارها، انتحبت الحرّية كفاتنة يغتصبها وحش، مهما كتب وأبدع.

أقول هذا وأنا في فضاء عربي يكدّس الأحجار أمام هذا الكاتب ويرجم تلك الكاتبة ويطلب أولئك للتحقيق، ويمنع ذاك من السفر ويكفّر تلك ويطالب برأس كل من يقول عبارة من خارج "الدائرة" التي رسمت مسبقاً. وليس الغريب في وجود الدائرة نفسها، لأنها موجودة منذ بدء الخليقة، ولكن الأغرب أنّ دائرة القرن الحادي والعشرين في فضائنا العربي البديع ضاقت واشتدّ خناقها، لا في مقارنة بالسنة الماضية أو بالقرن الماضية، بل مقارنة باثني عشر قرناً خلت من تاريخنا. هكذا يرى كاتب ما إذا وجّهت إليه تهمة "الإخلال بالحياء والآداب العامة".

وكلما تصورنا أننا تجاوزنا الثالوث المحرم قيد أنملة – يواصل - جاءنا ردّ هذا النائب العام أو ذاك المفتي، أو ذلك السلطان بإلقاء القبض على رواية والمطالبة برأس صاحبها حيا أو ميتا لتقديمه "للعدالة". ومازال الجنس عندنا "كبيرة إبداعية" لا تغتفر.

وما دمنا نتحدّث في سياق "غرائبي"، فإن تهماً مثل "الإخلال بالحياء والآداب العامة" والتذكير بضرورة "الالتزام بالمبادئ والأخلاق أثناء ممارسة حرية الرأي"، تعدّ أمراً عادياً في فضائنا العربي الذي أدمن العيش على دماء الكتاب والمبدعين، ولن أقع في فخّ المقارنة بين نصوص معاصرة تتناول الجنس والبورنوغرافيا، أو تنقل ما يقوله رجل غاضب في مقهى من شتائم، وبين نصوص تراثية للتيفاشي والسيوطي والنفزاوي تناولت الموضوع بدقة في التصوير أوضح وتصريح بأسماء الأعضاء الجنسية وما يقع بين الرجل والمرأة وأسماءه وتفصيله وفضائله، فعادة ما تكون هذه المقارنة اعترافاً ضمنياً بأن الخوض في هذه المواضيع "جريمة" موجودة عبر التاريخ. ولن أخلص إلى ذلك الاستنتاج البهيج الذي ينتهي إليه كثيرون منا بعد هذه المقارنة قائلين بشيء من الأسف والحسرة: ولى زمن التعدد والحرية واحترام المبدع، متناسين أن الكاتب لم يُحترم يوماً، بل الحقيقة أنه انتزع حقه في الاحترام والتقدير وفرضه على الآخرين فرضاً. وسأكتفي بدليل واحد: ردّ أبي نواس على دعوة صديقه القديم إبراهيم النّظام له بأن يتوب عن شرب الخمر ويلتحق بالمدرسة النظامية، فكان ردّه عليه شعرياً جميلاً أنيقاً محيّراً يفرض الاحترام فرضاً وينتزعه انتزاعاً من رجل يمثل سلطة دينية وفكرية:

فقل لمن يدّعي في العلم فلسفة    حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء

سأُعرض عن هذه المقارنات البئيسة التافهة ليضطلع بها آخرون، وسألوم الكاتب إذا واجه هذه التّهمة وراح يتنقّل بين المنابر الإعلامية مردّداً حجّة حزينة مؤسفة: "إنّ المقاطع التي تسببت في منع الرواية منتزعة من سياقها"! إنه الذل والخذلان والهزيمة والخضوع والاضطراب والخوف والاعتراف بالجريمة وقد تبدّت جميعاً في هيئة كُويتب مسكين يطلب المغفرة ومراجعة القرار والتراجع عن توجيه التهمة ضمناً لا تصريحاً؛ هو الذي يدرك جيداً أنّ "مقاطعه" تلك تمثّل في عيون المتّهِم جريمة حقيقية لا تقبل المراوغة وإن "قرأها" في ألف سياق وسياق. فلماذا يصر الكاتب على مثل هذه المحاججة السخيفة ظاناً في كل مرة أن ملقيَ التهمة نسي "السياق" آن توجيه التهمة والإشارة إلى "الجريمة"؟! فالحق أنّ المتّهِم لم يفكّر خارج "السياق" مطلقاً. لم يفعل ذلك أبداً وإلا ما كان ليوجّه التّهمة أصلاً! إنه في قلب "السياق"، يفهمه ويدركه إدراك العقل والقلب وعلى أرضه يقف ويوجه التهم. ينبغي فقط أن نفهم الفرق بين "السياقين": فإذا كان "سياق" الكاتب أدبياً تمليه ضرورة منجزه الإبداعي وتمنحه إياه حريته الجوهرية، فإنّ "سياق" النائب العام أو السلطان أو المفتي هو سياق التخلّف الذي يتخبّط فيه فضاؤنا العربي، وليس الكاتب في مطالبته هذه بضرورة اعتبار "السياق" في فهم مقاطعه سبب الجريمة، إلاّ كمن يحلم في الصحراء والهجير بقطرة ماء يتيمة!

ثم إن الكاتب، وقد "ضُبط" متلبساً بـ"جريمة" من هذا النوع، سرعان ما يتزعزع ويشكّ في قيمة ما يكتب، فيسعى مباشرة لتغليفه بحجج واهية تكشف عيوبه وتردده وجهله فتراه، مثلاً، يغطي تهمة الكتابة عن الجنس، ظاهراً في صورة ملاك زاهد من القرون الخوالي، بأنها "ليست مقصودة في ذاتها"، وإنما استدعتها ضرورات رمزية وجمالية وإبداعية أبعد ما تكون عن الرغبة وإثارة الغرائز والحال أنّه – كخلق الله – يرتعش لارتعاشة نهد أو اهتزاز ردف دون أن يتحكم في حركة من حركاته، مثله في ذلك كمثل العجائز اللاتي يدفعن عنهنّ تهمة الرغبة الجنسية ويحلفن بأغلظ الأيمان كذباً أنّ أجسادهنّ لم تعد تهتمّ برجل. إنه الخوف واهتزاز الثقة في الذات والاعتراف ضمناً بأنّ "الجريمة" الموجهة إليه جريمة حقيقية تستدعي حجاجاً وتوضيحاً وتفسيراً وتأويلاً، وأنه "مجرم" حقيقي يقف أمام محكمة حقيقية مسلطة عليه كقدر مشؤوم وهو مطالب بالدفاع عن نفسه أمامها.

كم أمقت أولئك الكتاب الذين لا يؤمنون بما تصنع أيديهم ويسارعون إلى التبرؤ منه يلهثون خلف حجج التبرير الواهية التي تكشف الستار عن شبه كاتب لا يؤمن بما يفعل ولا يعرف حقيقة "السياق" الذي يتحرك فيه مدّعياً كذباً، أنّه "حَسِبَ أنّ الواقع قد تغير وأن هامش الحرية قد اتسع، وأن التّهمة الموجّهة إليه جعلته يراجع هذا الاعتبار مشككاً في مقولة الحرّية في فضائنا العربي"، والحال أن شيئاً لم يتغير عبر التاريخ إلا بأولئك الذين دافعوا عن اختياراتهم حتى آخر قطرة دم في أجسادهم. كل ّ ما في الأمر أنّ الكُتّاب كاتبان: مندسّ بطبعه طمّاع ذليل يجفل من كرباج السلطة بأنواعها، ومتمرّد يحترف الانتهاك والشّطب والمحو والبعثرة والتخريب كافر بالأعراف والنواميس لاعن كل سلطة لعناً صريحاً، وعلى الثاني المعوّل وله الحاضر والمستقبل، وللأوّل مزبلة ضيّقة تخنقه كما تشتهي هي لا كما يريد هو!

إنّ الكاتب الحقّ في نظري هو ذاك الذي يواجه العالم إذا اتحد ضده بجملة واحدة هي الحجة والدليل الأوحد القاطع الذي لا يردّ، جملة اسميّة بسيطة نحواً ومركّبة معنى، هي الأعمق والأغنى: "أنا حرّ"! يطلقها ثم يجلس في شرفة يراقب فوضى العالم في صمت الممتلئ بذاته الواثق من كلماته وثوق الأنبياء.

"أنا حرّ" وحدها تخرس النائب العامّ. "أنا حرّ" وحدها تبكّت الإمام. "أنا حرّ" وحدها تقطع لسان السلطان وتكسر سيف السياف وتردّ هجومات أبرهة على كعبة الإبداع والحريّة، وتقهر جيوش هولاكو وتصرع جنود جنكيز خان.

"أنا حرّ" تكفي للردّ على السّفهاء والأغبياء والمتطفلين والمرضى والموتى والانتهازيين وكلاب السلطان وأبقار الله الراعية في مزارع الله.

"أنا حرّ" ممتلئة ساطعة قوية مزلزلة مزمجرة، تَنبتُ في كيان الكاتب حقيقة لا وهماً فتورق أحجار الجبال ويسيل الدمع من عيني فينوس وتزهر أصابع الشياطين صبايا حسناوات وتضيق السماء بالحساسين والنوارس!

إنّها الجملة الحجّة التي لا حجة سواها، وإنه لا يملكها من الكتاب إلاّ أولئك الذين يجاورون الأنبياء والآلهة يراقبون الشمس يطلبون فسحة ضوء خالدة وما سواهم مجرد علامات وأرقام لملء خانات الكلمات المتقاطعة!

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق