أنتوني غيدنز منظّر الطريق الثالث
14 يناير 2016 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

أنتوني غدينز (Anthony Giddens) أكثر علماء الاجتماع المعاصرين تأليفاً وتأثيراً ومعايشة لإشكالات الحداثة والعولمة والعنف والمواطنة. وُلد في بريطانيا في يناير (كانون الثاني) من سنة 1938، درس في معهد "هال". حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في سنة 1961، ثم درجة الدكتوراه من جامعة "كامبريدج" في سنة 1976. اشتغل بتدريس علم الاجتماع في كليّة الملك لينتقل بعدها إلى التدريس بجامعة "كامبريدج" أشهر الجامعات العالمية، وهو الآن رئيس لمركز البحوث الاجتماعية بهذه الكلية.

كان لـ "أنتوني غيدنز" إسهام سياسي ملحوظ في الحياة الحزبية والمدنية البريطانية والدولية، فقد شغل منصب مستشار لرئيس الوزراء العمّالي "أنتوني بلير" للتنمية الاجتماعية والتربوية. ولكنّه استقال من الخطّة السياسية مطوّراً رؤيته للإنسان والمواطنة من خلال ما عُرف بـ"الطريق الثالث" أو "النظرية الثالثة" خياراً ينأى بنفسه عن المقاربتين الرأسمالية والاشتراكية اللتين فشلتا في تحقيق الرفاهية الإنسانية بمعناها العميق والشامل والانتظارات المجتمعية المأمولة. وكان هذا منطلقاً لحراك عالمي يعادي العولمة المتوحّشة ويسائل معضلات التنمية والتصنيع والبيئة ويتصدى لكل وجوه الاستبداد "الناعم".

 كان لـ "أنتوني غيدنز" إسهام سياسي ملحوظ في الحياة الحزبية والمدنية البريطانية والدولية، فقد شغل منصب مستشار لرئيس الوزراء العمّالي "أنتوني بلير" للتنمية الاجتماعية والتربوية. ولكنّه استقال من الخطّة السياسية مطوّراً رؤيته للإنسان والمواطنة من خلال ما عُرف بـ"الطريق الثالث".

ألّف "أنتوني غدينز" أكثر من 40 كتاباً و200 مقال علمي، وشارك في مؤتمرات وندوات عالمية تتعلّق بقضايا الحداثة والفعل الاجتماعي والهوية، وهي مجتمعة تعكس توجّهات الرجل ومقارباته. ومن أهمّ مؤلّفاته:

ــ "تكوين المجتمع: الخطوط العامة لنظرية البنية الانبنائية" سنة 1989.

ــ "الدولة القومية والعنف" سنة 1985.

ــ "مقدّمة نقدية في علم الاجتماع" سنة 1989.

ــ "الحداثة والهوية الذاتية" سنة 1991.

ــ "الطريق الثالث" سنة 1998.

ــ "عالم منفلت: كيف تشكل العولمة حياتنا؟" 1999.

استفاد "أنتوني غدينز" من تنوّع الروافد المعرفية والعلم

انطلق "أنتوني غدينز" من تشريح نقدي عميق وثوري للتراث السوسيولوجي، وخاصّة مع الثالوث: "ماركس" و"دوركايم" و"فيبر" تجاوز فيه المسلّمات الإجرائية التي هيمنت على أجواء الدرس السوسيولوجي في النصف الأول من القرن العشرين. ومن أهمّ ما اعترض عليه "أنتوني غدينز" تلك الثنائية التي استبدّت بالبحث في علوم المجتمع والإنسان: الذات والموضوع واعتبرها من السجون النظرية التي ينبغي طرحها والتخلّي عنها.

ية التي أغنى منها في كتاباته وأطروحاته على غرار الفلسفة والتاريخ وعلم الاجتماع والإدارة والاقتصاد، وهذا شأن أغلب روّاد العلوم الاجتماعية والإنسانية، وهو ما انعكس على الموضوعات التي بحث فيها من وجهة نظر سوسيولوجية شأن الجندر والتعليم والتقنية والعنف والتواصل والثقافة الشعبية. ولعلّ في تناوله لمسألة المايكروي (الجزئي) والماكروي (الكلي) ما يُلمع إلى هذه الروافد الجمّة، إذ يتّخذ "أنتوني غدينز" من "القهوة" مثالاً تحليلياً طريفاً ينتقل فيه من زاوية المقهى في مدينة ما إلى مزارع القهوة ومجاهلها في البرازيل.

انطلق "أنتوني غدينز" من تشريح نقدي عميق وثوري للتراث السوسيولوجي وخاصّة مع الثالوث: "ماركس" و"دوركايم" و"فيبر" تجاوز فيه المسلّمات الإجرائية التي هيمنت على أجواء الدرس السوسيولوجي في النصف الأول من القرن العشرين. ومن أهمّ ما اعترض عليه "أنتوني غدينز" تلك الثنائية التي استبدّت بالبحث في علوم المجتمع والإنسان: الذات والموضوع واعتبرها من السجون النظرية التي ينبغي طرحها والتخلّي عنها. واقترح أن يكون مفهوم "النظرية الانبنائية" بديلاً إجرائياً يمكّن من تفهم الفعل الاجتماعي إنجازاً وفاعلين ومسارات ومؤثّرات، وهو مفهوم ليس بجديد لأنّه يجترح من المقاربات السائدة عند علماء الاجتماع الآخرين وليس أقلّها ما قدّمته التفاعلية الرمزية مع "بارسونز" و"ميد" أو "بيار بورديو" أو "غوفمان" أو "برجر".

وقد تُرجمت أعمال "أنتوني غدينز" إلى لغات عالمية عدّة ومنها العربية، وقد صدرت ترجمة كتابه "علم الاجتماع" عن المنظّمة العربية للترجمة بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية عن ترجمة لـ"فايز الصياغ". والكتاب خلاصة وافية لمواقف كاتبه في علم الاجتماع والبنية والفعل الاجتماعي والثقافة والجندر والتقنية والعولمة والميديا والحداثة. استهلّه بمدخل نظري يشرّح تاريخ علم الاجتماع ويعيد النظر في مفاهيمه وطرائقه، وهو أشبه بإعلان تأسيس لميلاد منظور مستجدّ في المقاربة السوسيولوجية.

وقد قامت "النظرية الانبنائية" عند "أنتوني غدينز" على الجمع بين البنية والفاعل من خلال الفعل الاجتماعي، واقترح لذلك ثلاثة مفاهيم: البنية وهي "القواعد والموارد المنتظمة المتواترة التي تكون قائمة بمعزل عن الحدود الزمكانية"، ثمّ النسق ويعرّفه بأنّه "العلاقات التي يعاد إنتاجها بين الفاعلين الأفراد والجماعات والقائمة في النطاق الزمكاني"، وأخيراً: الانبناء "وهو الشروط أو الظروف التي تحكم إعادة إنتاج الأنساق؛ أي العملية الدينامية المتحرّكة التي يُعاد فيها إنتاج الممارسات وتظهر فيها البنى إلى حيّز الواقع". وهذه المفاهيم موصولة بالمستوى الماكروي أي الكليّ. أمّا المستوى المايكروي أي الجزئي، فهو إنجاز هذه البنية بطريقة حرّة وتفاعلية من طرف الأفراد والجماعات، لأنّ "بوسع الفاعلين تغيير النسق وتغيير القواعد والموارد الكامنة وراءه في آن معاً". و"أنتوني غدينز" بهذا يتخطى الكثير من التصورات الشمولية التي انتصبت قواعد صنمية للتفسير.

وقد يكون من أعمق ما قدّمه "أنتوني غدينز" مفهوم "الانعكاسية الاجتماعية" الذي يدفع بمفهوم التفاعل إلى الصدارة في الفعل الاجتماعي، لأنّنا "نحن الذين ننشط في صياغة البنية الاجتماعية وإعادة صياغتها في آن معاً من خلال التفكير والسلوك البشري. إنّ المجتمعات الإنسانية في حالة من الانبناء والتشكّل". وموطن الأصالة في هذا الطرح أنّه لا يجعل البنى كيانات صلبة وجامدة بل يجعلها منتوجاً ينخرط فيه الفاعلون أفراداً وجماعات من خلال مواقعهم وسياقاتهم الحافّة بأفعالهم. وقد يكون لهذا أثره البالغ في التعاطي مع مسائل العولمة والجندر والثقافة والميديا بوصفها ظواهر تنبني أساساً على التفاعل والتشاركية المتبادلة.

وقد اشتغل "أنتوني غدينز" على مسألة الحداثة في علاقة بالعولمة بوصفها جوهر نظريته "الطريق الثالث"، فرصد جملة الأخطار العولمية التي عصفت بالمحليّات الثقافية، وهتكت نسيج الهويات ودفعت إلى خلق "كائنات هجينة" ومجتمعات مسلوبة القرار والإرادة في خضمّ الماكنة العولمية الضاغطة والمتوحّشة.

وقد اشتغل "أنتوني غدينز" على مسألة الحداثة في علاقة بالعولمة بوصفها جوهر نظريته "الطريق الثالث"، فرصد جملة الأخطار العولمية التي عصفت بالمحليّات الثقافية وهتكت نسيج الهويات ودفعت إلى خلق "كائنات هجينة" ومجتمعات مسلوبة القرار والإرادة في خضمّ الماكنة العولمية الضاغطة والمتوحّشة التي هجّنت كلّ أصيل وخلقت اغترابات عميقة، رغم ما توفّره الاتّصالات من فرص التبادل والتحاور وقدرة على إلغاء الحدود المكانية والزمانية والمادية بوجه عام.

وارتبط اسم "أنتوني غدينز" بنظرية "الطريق الثالث" بديلاً عن الرأسمالية والاشتراكية اللتين لم تفلحا في بناء الانتظارات وتلبية الاحتياجات الحق للشعوب والجماعات. وترتكز رؤيته إلى عنصرين محوريين تنطوي تحتهما كلّ التصوّرات الفرعية: الأول هو "الديمقراطية الاجتماعية" بوصفها مواطنة حقيقية في الاختيارات والتسيير مهما كان الفضاء الاجتماعي، ومهما كانت الفئة بعيداً عن الأطر المؤسّسية المحنّطة لممارسة الديمقراطية. والثاني "الخصوصية"، باعتبار أنّها ضرب من التنوّع يكفل تعايش هويات ونظم ثقافية داخل كون اجتماعي واحد لا يُحكم عليها بالامحاء والذوبان في المدّ العولمي.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق