أوبرا "عنتر وعبلة" اللبنانية.. رسائل فنية وثقافية وإنسانية
12 يوليو 2016 | 0 تعليق

ذوات

في ظل إجراءات أمنية مشددة أحاطت بمسرح "كازينو لبنان" المطل على خليج جونيه شمال بيروت، وبحضور جماهيري كبير شمل مسؤولين حكوميين وعدداً من الفنانين والسياسيين والدبلوماسيين والوجوه الاجتماعية البارزة، احتضن الكازينو يومي الثامن والتاسع من تموز (يوليو) 2016، أول أوبرا مغناة وفق منهج ورؤية ونص أعدوا خصيصاً في الكونسرفتوار اللبناني لتتواءم مع متطلبات اللفظ العربي ومستوحاة من إحدى أشهر قصص الغرام في التراث البدوي.

ووسط موسيقى ساحرة عزفتها الأوركسترا المتمكنة بقيادة المايسترو مارون الراعي، والتي أخذت بألباب الجمهور لتحلق به فوق رمال الصحراء ومضاربها تدور لوحات أوبرا "عنتر وعبلة"، في إطار ساحر لم يكتف بإطلاق الرسائل الفنية والثقافية، بل تخطاها ليعالج قضايا إنسانية؛ كالتمييز العنصري والحرب وتجارة السلاح.

الأمسية أعلنت، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الفرنسية، الولادة الحقيقية لمؤسسة "أوبرا لبنان"، وهي أول مؤسسة من نوعها في هذا البلد الذي كان له باع طويل في المسرح الغنائي، ولا سيما مع الأخوين عاصي ومنصور الرحباني.

"عنتر وعبلة" كتبها الأديب اللبناني أنطوان معلوف في تسعينيات القرن الماضي، ولم تنفذ بالشكل الأوبرالي حتى هذا العام، وقد وضع موسيقاها المايسترو مارون الراعي مؤسس برنامج إنتاج الأوبرا في الكونسرفتوار الوطني اللبناني.

الأرض بستان ألوان

في ديكور مسرحي يحاكي الصحراء ومضارب القبائل، وملابس وتفاصيل تستعيد حياة العرب في البادية، وعلى أنغام أوركسترا غربية طعمت بإيقاعات شرقية بقيادة الراعي، تتوالى فصول حكاية عنترة بن شداد الذي عاش في القرن السادس  الميلادي ، وكان أحد أرق شعراء العرب وأشرس فرسانهم على الإطلاق، وحبيبته عبلة التي خلدتها قصائده على مدى الأزمان.

يؤدي دور عنتر المغني غسان صليبا، الذي عرفه اللبنانيون خصوصاً في مسرحية "صيف 840" لمنصور الرحباني أواخر الثمانينيات، مجسداً نضال ذاك "العبد الأسود" للحصول على حقه في الحرية، وفي أن يكون مساوياً لأبناء قبيلته من دون تمييز بسبب لونه الأسود وعرق والدته الحبشية.

وإذا كان والده شداد، ويلعب دوره "إبراهيم إبراهيم"، لا تحركه مشاعر الأبوة للاعتراف بابنه وعتقه من العبودية، ولا ينصت لعذابات عبلة وتجسد دورها "لارا جوخدار"، في الأسر، ولا لأصوات أطفال القبيلة، وهم ينشدون له أن "الأرض بستان ألوان"، فإن ضرورة الاستعانة بشراسة عنتر القتالية للدفاع عن القبيلة، تجبره أخيراً على ذلك.

ومع غلبة عنتر في المعركة، ينتهي الذل المخيم على قبيلته والبعد القسري عن حبيبته، وتنطوي عقلية التمييز على أساس اللون أو العرق من أذهان سادة قبيلته عبس، وتطوى أيضاً صفحة الحرب مع قبيلة طي.

أوبرا "عنتر وعبلة" ثمرة عام من التأليف الموسيقي وعام من التدريب لمئة وثلاثين فناناً على المسرح، إلى جانب نحو ثلاثين خلف الكواليس، لكنها أيضاً "ثمرة مناهج وضعها كبار الأساتذة وتبناها المعهد الوطني العالي للموسيقى، وهي مناهج تقوم على احترام اللفظ العربي السليم"، بحسب مارون الراعي.

ويتحدث المؤلف الموسيقي عن أهمية هذه المناهج قائلاً "الأوبرا لم تعد فناً غربياً، إنها فن عالمي، ولكننا بحاجة إلى تطويعها لتصبح مناسبة للغة العربية وتحترم أصول نطقها، لا أن نسمع أوبرا عربية تعرض وكأنها بلغة أجنبية".

ويقول: "ما فعلناه في هذا العمل هو نقل هذه المناهج إلى حيز التنفيذ"، فالمؤدون في "عنتر وعبلة" هم من متخرجي قسم الأوبرا الذين درسوا هذه المناهج، أو من الطلاب الحاليين، ما عدا غسان صليبا "الذي أردنا أن نستفيد من خبرته في المسرح الغنائي ومن احترافه العالي، وهو مما تبقى من إرث المسرح الرحباني".

ويأمل الراعي أن تشكل هذه الأوبرا، إضافة إلى الحافز على إنجاز أعمال مماثلة لأهميتها الثقافية، فاتحة للفرص أمام هؤلاء الطلاب والمتخرجين الذين غالبا ما تبقى مواهبهم حبيسة المعاهد وصفوف الدراسة، فهم "أشبه بمن يتخرج من كلية هندسة الذرة في الجامعة اللبنانية، ونحن ليس لدينا وكالة طاقة نووية! نأمل أن يتغير هذا الحال وأن يصبح لدينا قطاع حقيقي للأوبرا".

وبحسب القائمين على هذا العمل، فإن العالم العربي يعيش مرحلة انتقالية بين فن "الأوبريت" الذي ساد في القرن العشرين مع أمثال محمد عبد الوهاب في مصر والأخوين الرحباني في لبنان، وبين فن الأوبرا.

الأوبرا واجهة حضارية

وتعبر جوخدار عن سعادتها وفخرها بالمشاركة في العمل قائلة "التجربة جداً ناجحة أكثر، مما توقعت والجمهور أعطانا الكثير من الدعم بشكل لم نتصوره."

وأضافت، وفق ما ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء، "كان الكل لاقطاً أنفاسه. ومع كل مشهد يصفقون لنا مع أنه في الأوبرا لا يوجد تصفيق، أعطونا طاقة إيجابية كبيرة جدا وسأكرر هذه التجربة أكيد."

من جهته، قال بطل العمل غسان صليبا :"الفكرة في الأساس أن تكون هناك أوبرا في لبنان وأن تكون هناك دار أوبرا في لبنان. هناك الكثير من مغني الأوبرا رائعين بإمكانيات عالمية ولكن لا يوجد منبر أو مسرح يطلون منه للناس، وهذا أمر خطر."

وأضاف: "لهذا السبب أحببت المشاركة في العمل لأعطي دعماً له ليصل إلى الجمهور الواسع لا للمتخصصين . فكل الناس حتى البسطاء يستمتعون بهذا المجهود المبذول بهذا العمل."

وتابع:"الجمهور تفاعل بشكل عظيم لأنهم كانوا بانتظار هذا العمل الكبير ومنتظرين أن يشاهدوا من اللبنانيين ما اعتادوه منهم .. الإبداع الفني. ونحن دائماً نصدر المشاريع المهمة للعالم العربي من ثقافة وفن، وهذا من المهم أن يصل إلى كل العالم."

ويقف وراء خروج هذا العمل إلى النور المنتج والرئيس التنفيذي لمؤسسة (أوبرا لبنان) فريد الراعي الذي يأمل أن تنتشر وتتطور تجربته محلياً وعربياً.

وعن التجربة قال فريد الراعي: "هذا المشروع كبير جدا، وهو ثقافي عربي فني يجمع الفن المرئي والمسموع والفنون بأكملها من مؤلفين وكتاب ومصممين. الأوبرا تجمع كل هذه الفنون لتقدمها في إطار حي لتكون لوحة فنية متكاملة. المشروع يحتاج إلى الكثير من المساعدة والكثير من الناس لتتقبله."

وأضاف: "يدنا ممدودة لجميع الهيئات والدول العربية لنطور هذا المشروع. وحدنا لا نستطيع السير به إلى المستقبل. ندعو الجميع ليكونوا معنا. نحن جديون ونطرح هذا المشروع للجميع. نريد التوسع ونريد التشارك مع مؤسسات ثقافية موجودة خارج لبنان لنعرض فكرتنا ونغني الثقافة اللبنانية والعربية."

وتضم مؤسسة "أوبرا لبنان" مؤلفين وكتاباً وفنانين وتقنيين من مختلف المجالات المسرحية والغنائية وتحاول أن تملأ الفراغ في دعم المشاريع المسرحية، وتتعاون مع القطاع العام، ولا سيما وزارة الثقافة، في دفع عجلة التنمية الثقافية اللبنانية والعربية، بحسب القائمين عليها.

وفي غياب دار أوبرا رسمية في لبنان، تأمل "أوبرا لبنان" أن تشكل مؤسسة نموذجية حاضنة لهذا الفن الغنائي المسرحي، من حيث الطاقات والجهاز البشري.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق