أوسكار وايلد: أبو الهول بلا سر
18 اغسطس 2016 | 0 تعليق

أوسكار وايلد – (أرشيفية)
ذوات

يغوص الكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد (1854 - 1900) في أعماق النفس البشرية من خلال هذه القصة التي تنتسب إلى القرن التاسع عشر، وتحكي سر امرأة كانت ترغب في أن تكون بطلة، فتلفّعت بالغموض والإثارة.

أوسكار وايلد، الذي يصوغ القصة، التي ترجمها زيد الشهيد، ونشرها موقع "المسيرة الإلكتروني" على لسان صديقة المعذب بحب تلك السيدة، يكشف عن مهاراته السردية في إدارة الحوار، والنأي بنفسه عن التدخل في التفاصيل، تاركاً للأقدار أن تروي قصة السيدة التي بلا سر، تماماً كأبي الهول.

  ***

ظهراً كان الوقت، ومن الباحة الخارجية لمقهى "ديلا بايكس" كنت أتخذٌ مجلساً، أتابع حركة الحياة الباريسية بأبهتها، ورثاثتها، مندهشاً بتأثير ما تناولت من شراب لرؤية المشاهد الغريبة للكبرياء، والفقر علىَ السواء يمرّان من أمامي عندما سمعت من يناديني باسمي .. استدرت! فإذا بي أشاهد السيد "ما شيسون".

 

مُضطجعة علىَ الاريكة أبصرتها، ترتدي فستاناً جميلاً يجسّد جمالها الباذخ: "مسرورةٌ جداً للقائِك"، قالت -  لم أبرح البيت طوال اليوم

 لقد مرّ ما يقرب من عشر سنوات علىَ فراقنا منذ أن كنا صديقين تجمعنا الدراسة بكليةٍ واحدة في جامعة أكسفورد .. ولشدّ سروري لمشاهدته مددتُ يدي مصافحاً، مصافحاً بحرارة وود.. لقد كنا متقاربين في الطول والضخامة، لكنه كان أكثر وسامة، وذا معنويات عالية، وجديراً بالاحترام .. تنبأنا آنذاك بأنه سيصبح شخصية مرموقة في المستقبل إن كفّ قليلاً عن المبالغة والكذب، بيدَ أننا كنا معجبين به ومأخوذين بالصراحة الفائقة التي يتمتع بها .

في هذا اللقاء ؛ وبعد هذا الزمن الطويل من الفراق ألفيته مختلفاً، إذْ بدا لي قلقاً ومرتبكاً كأنّ شيئاً ما يجعله مرتاباً ومتشككاً.. لم يقفز إلى ظني فعل السياسة التي ربمّا تكون أثرت به، إنما خمَنّت السبب إمرأة ما، لهذا سألته في ما إذا كان متزوجاً أم ما زال أعزبَ ..

 • لم أفهم المرأة فهماً كافياً لحد الآن .

  • يا عزيزي جيرالد - أجبته - المرأة التي نعنيها هي التي تُحَب لا التي تُفهم.
  • لا يمكن أن أحب ما لم أثق .
  • أظنّ أنّ غموضاً ما في حياتك، يا جيرالد - قلتٌ مندهشاً - أُفضي بما لديك .
  • دعنا نذهب في جولةٍ فالازدحام شديد هنا - هيا ..نهضنا وخرجنا .. وسمعته يقول :

_  دع تلك العربة الصفراء، لنستأجر أية عربة أخرى .. لتكن الخضراء الداكنة تلك ..

    بدقائق كنا نتخذ درباً باتجاه "المادلاين".

  • إلى أين سنذهب ؟ .. سألته
  • إلى أي مكان تفضِّله .. إلى المطعم في "بويس" سنتعشىَ هناك وتحكي لي عن نفسك .
  • أريد أن أسمع منك أولاً - قلتُ - أفصح عمّا تحتفظ به .

لحظتها أخرج حافظةً صغيرة، استلّها من جيبه، قدّمها لي .. من داخلها أظهرتُ صورةً لأمرأةٍ طويلة القوام، نحيلة، شعرها طليق وعيناها كبيرتان تضمران شيئاً ما مبهماً .

  • ما رأيك بهكذا وجه ؟ ..سألني، ثم أكمل : "أتراه يبعث علىَ الثقة"؟

شرعتُ أتفحصه باهتمام فبدا لي كأنه وجهٌ لمخلوقٍ يخفي سرّاً كبيراً، لا أستطيع التكهّن إن كان شرّاً أم خيراً .. فالابتسامة الباهتة المتراقصة عبر الشفتين، رغم رقِّتها لا تشي بعذوبة حقيقية .

  • حسناً ! صرخ نافذ الصبر "ما رأيك"؟
  • لها ابتسامة تضمر شيئاً مخيفاً .. هذا رأي فافصِح بما لديك عنها .
  • ليس الآن، إترك ذلك لما بعد العشاء .

بعدما قدّم النادل القهوة وما طلبنا من سجائر توجهت لجيرالد ليتحدث عما وعدني به.. نهض؛ خطا ذارعاً الغرفة جيئة وذهاباً، ثم عاد إلى كرسيه يغوص فيه ليبدأ الحكاية التالية :

في أحد المساءات، كعادتي كنت أتمشىَ راجلاً في شارع "بوند" كان الوقت يقرب من الخامسة عصراً عندما حدث اصطدام مروري لعربتين سببَّ توقفاً لحركة السير .. بجوار خطوط عبور المشاة ثمة عربة صفراء صغيرة تقف لا أدري لماذا استرعت انتباهي. وفيما كنت أخطو عابراً تصالبت نظراتي على الوجه الذي عرضته عليك في الصورة.. لم أتمكن من نسيانه، فقد تمرّكز في الذاكرة ورحتُ تلك الليلة أفكر  فيه. استطال هذا التفكير إلى اليوم التالي، ما جعلني أتجولٌ باحثاً في الطرقات لعليّ ألمح العربة الصفراء مارقة أو متوقفة؛  لكن الخيبة كانت نهاية مطافاتي .. فاستسلمت إلى اعتقاد أنّ ما رأيت لم يكن إلاّ حلماً مرّ وانقضىَ .

بعد أسبوع تلقيت دعوةً من السيدة "دي لاستيل" لتناول العشاء في بيتها.. ! استقبلتني في الساعة الثامنة مساءً، مكثنا حتىَ الثامنة والنصف منتظرين تقديم العشاء.. أخيراً دخل علينا الخادم معلناً وصول السيدة "آلروي"

وكانت المفاجأة الصاعقة فقد دخلت علينا من كنت أبحث عنها .. وكان الحظ ضاحكاً معي إذ طُلِبَ مني مصاحبتها للعشاء، رفيقان يجلسان متقابلين ...

مرّ فصلٌ كامل كانت علاقتي بها رائعة، لم أرَ منها غير المعاملة اللطيفة، بيد أنَّ جوَّ الغموض ظل ملازماً لشخصيتها

بعد الانتهاء توجهت بكلام تملأه البراءة: اعتقد أنني شاهدتكِ في شارع "بوند" قبل أيام، يا سيدة " آلروي".. بغتة إمتقع وجهُها وشحِب.. وبصوتٍ هامس خفيض ردّت :

- لا تتكلم بصوتٍ مسموع، أرجوك، قد يسمعك الآخرون .

طوقتني التعاسة.. سريعاً نفذَت إلى داخلي .. يالها من بداية مُحبطة، ولتدارك الأمر رفعتُ صوتي محاولاً التحدُّث عن مسرحيات فرنسية إظهاراً لعمومية الكلام، كانَ حديثُها مقتضباً تُظهر خوفَ استماع الآخرين لنا .. تلك اللحظة قادني الغباء للوقوع في حبّها؛ زاد من ذلك طبيعة الغموض الذي يلف شخصيتها .. وقبل أن تبرح المكان عرضتُ عليها رغبة اللقاء ثانية، ترددّت للحظةٍ تاركةً نظراتها تتجوّل بارتياب قبل أن تقول "نعم" غداً في الخامسة إلاّ ربعاً .

آن خرجتْ اتجهتُ إلى السيدة "دي لاستيل" أسالها عمّا تعرف عن السيدة "آلروي" فأعلمتني بأنها أرملة تمتلك بيتاً جميلاً في "بارك لين".

في اليوم التالي، وفي الوقت المحدد وصلتُ فلم أجدها. قيلَ لي خرَجتْ، ذلك ما أشعرني بالأسى وأربكني .. توجهتٌ إلى النادي .. وهناك كتبتُ لها رسالة أُجدد رغبتي في زيارتها، طالباً موعداً آخر، لكنّي لم أتلقَّ رداً رغم الأيام العديدة التي مرّت .. وفي يومٍ وردتني ملاحظة بأنها ستكون في البيت يوم الأحد الساعة الرابعة؛ مع فائق الشكر والتقدير خاتمة معبرة، تقول "الرجاء لا تكتب لي علىَ محل سكني، وسوف أشرح لك عندما نلتقي ."

ذلك الأحد الجميل  استقبلتني .. ودودةً كانت وبجمالٍ أخّاذ .. وعندما ودّعتها خارجاً تمنّتْ أن أُعنون رسالتي القادمة إلى "السيدة فوكس"، مديرة مكتبة ويتاكرز  في "كرين ستريت" قالت: ثمة أسباب تدفعني إلى عدم استلام أية رسالة في بيتي.

مرّ فصلٌ كامل كانت علاقتي بها رائعة، لم أرَ منها غير المعاملة اللطيفة، بيد أنَّ جوَّ الغموض ظل ملازماً لشخصيتها؛ وكثيراً ما راودني اعتقاد وقوعها تحت سطوةِ رجلٍ ما، غير أنّ هذا الاعتقاد سرعان ما كان يتبدّد، وكان صعباً عليّ الوصول إلى استنتاج قاطع بشأنها، لهذا قررتُ مفاتحتها، عارضاً طلبي في الاقتران بها، شارحاً تقهقري وتدهور صحتي من هذه العلاقة السرّية اللامنتهية، فكتبت لها رسالة أعرض رغبتي بلقائها الاثنين القادم، في الساعة السادسة .. أجابتني بالإيجاب، وقتها  طرتُ إلى السماء السابعة للبهجة .. لقد أحببتها بحق؛ لكنّ الغموض هو ما كان يربكني، بل يدنيني من الجنون .. ولقد حالفني الحظ لمرةٍ .

  • واكتشفت السرّ ؟ .. قلت مندفعاً  .
  • بل أخافني .. ولك أن تحكم علىَ ذلك بنفسك .

ذلك الاثنين القادم لبّيتُ دعوةً وجّهها لي عميّ لتناول الغداء معه، وعميّ كما تعلم يسكن في "ريجنت بارك" .. ولكي أختصر الطريق للوصول إلى شارع "بيكادليّ" سلكت شوارع فرعية متواضعة الحال والسمعة .. وهناك كانت المفاجأة .. إذ لمحت السيدة "آلروي" تخطو مُسرعةً وقد وضعت علىَ وجهها خماراً لإخفاء ملامحها؛ حتىَ إذا وصلَت آخر بيتٍ ارتقت درجاته المعدودات، مستخرجةً مفتاحاً ألقمته الباب ودخلتْ .

هنا يكمن السر قلت في سرّي. أسرعتٌ متفحصاً البيت، كان بيتاً من تلك البيوت المؤثثة والمعدّة للتأجير المؤقت.. وعلىَ إحدى درجات السلم شاهدت منديلها الذي سقط منها.. التقطته دسسته في جيبي، ثم رحت أفكر كيف سأتصرّف .. توجهت إلىَ النادي، وفي الساعة السادسة طلبت ملاقاتها .

مُضطجعة علىَ الاريكة أبصرتها، ترتدي فستاناً جميلاً يجسّد جمالها الباذخ: "مسرورةٌ جداً للقائِك"، قالت - " لم أبرح البيت طوال اليوم "

حدّقت بها مندهشاً، تلك اللحظة سحبتُ منديلها من جيبي وعرضته إزاءها .

  • خذي سقطَ منك في "كومر ستريت" هذه الظهيرة، يا سيدة آلروي ..خاطبتُها برباطة جأشٍ .

تطلّعت إليَّ مرتعبةً، ولم تمد يدها لاستلامه .

  • ماذا كنتِ تفعلين هناك ؟ .. سألتها .
  • بأيّ حقّ تسالني ؟.
  • بحقّ الرجل الذي أحبَّكِ.. جئتُ إلى هنا لأعرض عليك رغبتي في الاقتران بكِ .

أخفّت وجهها بكفّيها وانفجرت بالبكاء .

  • يجب أن تردّي علىَ تساؤلي؟

نهضَت .. تطلعت في وجهي قبل أن تقول :

  • ياسيد مارشيسون، لا شيْ أخبركَ به .
  • هل ذهبتِ لتلتقي شخصاً ما ؟ صرختُ. ذلك هو الغموض الذي تتخفيّن وراءه ؛ أليس كذلك؟

  شحبَ وجهها وأصفر .

  • لم أذهب لأقابل أحداً .
  • إنطقي بالحقيقة إن استطعتِ.. صرختُ بها .
  • لقد قلتها .

تلك اللحظة كنت تحت سطوة الجنون، لا أعرف ما فُهت به، لكني متأكد قلت عنها ولها الكثير ثم اندفعت تاركاً البيت .. في اليوم التالي بعثَت لي رسالة ورددتُ عليها بجوابٍ مغلق، سافرتُ بعدها إلى "النرويج"، وعدت بعد شهر .. أول شيء قرأته في صحف باريس هو خبر موت السيدة "آلروي" بعدما أصيبت بنزلة برد أثناء حضورها حفلة الأوبرا، وماتت في غضون خمسة أيام .. أغلقت كلّ شيء على نفسي ولم ألتقِ أحداً .. لقد أحببتها بولهٍ كبير،، بل أحببتها بجنون .. "نعم" سمعته يقول: في أحد الأيام ذهبتُ إلىَ "كومر ستريت" إلىَ ذلك البيت .. طرقتُ الباب ففتحته إمرأة ذات مظهرٍ يبعث علىَ الاحترام .. أخبرتني أنَّ غرف الاستقبال مؤجرّة لإمرأةٍ  لم أرها منذ ثلاثة أشهر.

كانت السيدة آلروي مولعة برغبة أن تبدو غامضة.. وما استئجارها الغرفة إلاّ لغرض تحقيق سعادةٍ، ومتخيّلةً نفسها بطلةً..
  • هل هذه هي؟ .. أظهرتُ الصورةَ أمامها .
  • نعم، يا سيدي! .. قالت. متىَ ستعود؟
  • لن تعود أبداً.. لقد ماتت.. هل كانت تلتقي شخصاً ما عندما تجِيء إلى هنا؟

طمأنتني المرأةُ قائلةً :

  • كانت تأتي بكلّ بساطةٍ إلى غرفة الاستقبال تجلس تقرأ كتباً، وفي بعض الأحيان تتناول الشاي وتبرح المكان .

أعطيتها بعض النقود وخرجت ..

  • والآن ماذا يعني لك كلّ ذلك؟ .. ألا تعتقد أن المرأة صادقة؟
  • بلىَ .
  • إذاً لماذا كانت السيدة "آلروي" تذهب إلى هناك؟
  • عزيزي جيرالد - قلتُ - ببساطةٍ، كانت السيدة آلروي مولعة برغبة أن تبدو غامضة.. وما استئجارها الغرفة إلاّ لغرض تحقيق سعادةٍ، بذهابها إلى هناك متبرقعةً بخمارٍ ومتخيّلةً نفسها بطلةً.. لكنها في الواقع مثل "أبو الهول".. بلا سر .

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق