أوَّل مقنّن للشريعة الإسلاميَّة... محمد قدري باشا
23 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

عبد الله أحمد بهجت*

أصبح شارع "قدري باشا" في حي السيدة زينب ـ أحد أحياء القاهرة القديمة- أشهر من صاحبه الذي سُمّي به.

ولد "محمد قدري باشا" في ملوي بصعيد مصر -من أب أناضولي هو: "قدري آغا" الذي كان من أعيان بلد وزير كوبرلي، وأم مصريَّة- حوالي سنة 1821م، وبعد أن أتمَّ تعليمه على طريقة عصره من حفظ بعض سور القرآن في الكُتَّاب، وتلقى بعض الدروس الأوليَّة في "مكتب ملوي" -وكان يُختار للدراسة في هذه المدرسة أبناء السادة في ذلك الوقت- التحق "قدري باشا" بمدرسة "الألسن" في القاهرة، وكان ناظرها في ذلك الوقت "رفاعة بك".

         وقد بدأت الحياة الحقيقيَّة لهذا الفتى الأناضولي المصري في مدرسة الألسن، عندما أصبح تلميذاً لرفاعة بك، وظهر نبوغه وتفوُّقه وميله إلى العلم والترجمة، فأتقن اللغة الفرنسيَّة إتقاناً كاملاً إلى جانب إتقانه اللغة العربيَّة. وبعد تخرُّجه عيَّنه "رفاعة بك" مدرساً مساعداً بمدرسة "الألسن"، ثمَّ أدرك "رفاعة" مواهب تلميذه النجيب وميله نحو دراسة القانون، فوجَّهه إلى الدراسة في الأزهر، فحضر دروس الفقه على كبار المشايخ، فدرس كتب الشريعة بعقليَّة جديدة تختلف عن عقلية مشايخ الأزهر، وبذلك اجتمعت لـ"قدري باشا" ثقافة فرنسيَّة وأزهريَّة، أهَّلته لأن يساعد أستاذه رفاعة بك في ترجمة "قانون نابليون" الذي اشتُهر في عالم القانون باسم "الكود"، وكان ذلك بتكليف من الخديوي "إسماعيل".

واسم "محمد قدري" من الأسماء المختارة التي كانت دولة "محمد علي" وحفيده "إسماعيل" تحبُّ إطلاقها على النجباء من التلاميذ الذين يتنازل آباؤهم عن أسمائهم سواء كانوا من الفلاحين أو الترك، إلا من كانت له عصبيَّة وعائلة تضرب بجذورها في تاريخ مصر كـ"رفاعة بك" أو "علي مبارك" وأمثالهما من الفلاحين الأصلاء.

من الكتب ما ينبه ذكره، ويعظم أثره بمقدار يجني على ذكر المؤلف حتى ليكاد يُعفِّي خبره، من هذا الطراز كتب ثلاثة ما يغيب اسم واحد منها عن ذاكرة محامٍ ولا قاضٍ ولا طالب حقوق ولا رجل من رجال الشرع الإسلامي، هذه الكتب الثلاثة هي:

  1.     "مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان"، وهذا الكتاب يضمُّ الموادَّ القانونيَّة في المعاملات المدنيَّة والشرعيَّة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، وقد أجازه شيخ الأزهر، واعترف به كبار علماء الشريعة بعد دراسات عميقة، وهو أوَّل كتاب وضع الفقه في مواد قانونيَّة، ولم يؤلف كتاب مثله إلى يومنا هذا. المطبعة الكبرى الأميريَّة ببولاق، ط الثانية، 1891م.
  2.     "الأحكام الشرعيَّة في الأحوال الشخصيَّة".
  3.     "قانون العدل والإنصاف للقضاء على مشكلات الأوقاف". مكتبة الأهرام، ط الخامسة، 1928م.

وما تزال كتب قدري باشا الثلاثة عنوان مجد لا يقلُّ عظمة عن قانون نابليون، ولئن تناسى الناس من حياة قدري باشا كلَّ شيء، فلن ينسوا هذه الكتب الثلاثة، وهي كافية لتقيم مجد رجال لا مجد رجل واحد.

بل إنَّ معرفة هذه الكتب لا تقف عند رجال القانون والشرع، بل تمتدُّ كذلك إلى عدد عظيم من سواد الناس، فقد نظَّمت ثلاثتها أحكام الشريعة على مذهب أبي حنيفة في تقنين ذي مواد تفي بحاجة كلّ من يهمُّه الوقوف على هذه الأحكام، إذ يجدها مبوَّبة مرتبة مدققاً في اختيار ألفاظها حتى تعني مدلولاتها على صورة من التحديد الدقيق الذي يقضي به فن الفقه القانوني، وهذه الكتب الثلاثة هي الأولى والأخيرة في بابها؛ ولذلك نبه ذكرها وعظم أثرها وتناول الناس ما فيها بالدراسة، فإذا سألت أكثرهم عن واضعها قيل لك هو قدري باشا، لكنَّ أكثر الناس لا يعلمون من أمر قدري باشا إلا اسمه، وأنَّه واضع هذه الكتب الثلاثة، وقد يكون ذلك كافياً لتاريخه، فهذه الكتب الثلاثة هي في الحق أثر كافٍ لتخليد واضعها. وإذا كان نابليون قد جعل من قانونه المدني عنوان مجده واعتبر ما إلى جانب ذلك من مجد النصر والظفر وحكمه العالم ثانوياً، فكتب قدري باشا في تقنين أحكام الشرع في المعاملات والأوقاف والأحوال الشخصيَّة عنوان مجد باقٍ على الزمان.

وأثناء عمله بالتدريس وضع عدَّة كتب في مواضيع مختلفة، لكنَّ أكثرها كان في اللغة العربيَّة وأجروميتها ومفرداتها، ومعاجم عربية-فرنسية، من ذلك:

  •         "الدرُّ النفيس في لغتَي العرب والفرنسيس" ويقع في سبعمائة صفحة.
  •         "الدرُّ المنتخب من لغات الفرنسيس والعثمانيين والعرب".
  •         "أجروميَّة في اللغة العربيَّة".
  •         "مختصر الأجروميَّة الفرنساويَّة" مترجمة إلى العربيَّة.
  •         "المترادفات باللغة العربيَّة والفرنساويَّة".

بالإضافة إلى عدد من الكتب في مجالي التاريخ والجغرافيا، ومنها:

  •         معلومات جغرافيَّة مصحوبة ببعض نبذ تاريخيَّة لأهمّ مدن مصر، جمعت وترجمت بالعربية؛ لفائدة الشبيبة المصريَّة، وتمَّ طبعه عام 1869م.

وله كذلك:

  •         "مفردات في علم النباتات".
  •         "قطر أنداء الديم" في الأدب.
  •         "تطبيق ما وجد في القانون المدني موافقاً لمذهب أبي حنيفة". مخطوط
  •         "قانون الجنايات والحدود" ترجمة عن الفرنسيَّة.
  •         ديوان شعر "مخطوط".

وكانمنقسوةالقدرعلىقدريباشاأنكُفّبصرهوانطفأنورعينيه،وكانتاقبلذلكذواتيجمالوحدَّة،وقدسافرإلىالنمساأملاًفيمعالجةنفسهمنهذاالمرض،ولميمنعهعدمنجاحهفيذلك منمتابعةعملهالذيأخرجللناس فيتقنينالفقهالشرعيكتبهالثلاثة.

وقد أحدثت وفاته فراغاً في عالم النهضة القوميَّة، ولكنَّ هذه النهضة كانت حين وفاته في منحدر أدَّى بها إلى وقوف تيار النشاط العظيم الذي قام به هو وزملاؤه، فمن قبل سنة ١٨٨٦م كانت مصر قد أصيبت في مطامعها في الحريَّة بضربة لا تقلُّ قسوة عمَّا أصيبت به على أثر انتصارات محمد علي باشا على تركيا، وكانت أوروبا هي صاحبة الضربة الأولى وصاحبة الضربة الثانية. 

أهم المراجع:

ـ خير الدين الزِّرِكْلي، الأعلام.

ـ محمد حسين هيكل، تراجم مصريَّة وغربيَّة.

ـ عبد المنعم شميس، عظماء من مصر. 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق