إبليس في الرّوضة!
10 مارس 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

لإبليس في المخيال الإنساني حضور لافت منذ بدء الخليقة، يرشحه لنيل لقب "بطل الوجود الإنساني" عن جدارة واستحقاق. حضر في الأديان الكبرى متحدياً للرب ساخراً من الإنسان، نرجسياً معتزاً بأصله الناري، محتقراً الطين ومشتقاته، جسوراً محاجّاً بارعاً يقارع ربه حجة بحجة، فيفوز بإنظار إلى يوم يبعثون.

حضر في كبرى المؤلفات الإبداعية الإنسانية كرسالة الغفران بعينيْ ابن القارح الّذي "يطّلع فيرى إبليس – لعنه الله – وهو يضطرب في الأغلال والسلاسل، ومقامع الحديد تأخذه من أيدي الزبانية"؛ وفي "الكوميديا الإلهية" لدانتي؛ وفي "تلبيس إبليس" لابن الجوزي، وكل الكتب الدينية تقريباً. كما حضر في الشعر عند بشار بن برد (إبليسُ خيرٌ من أبيكم آدمَ / فتنبهوا يا معشرَ الفجار / إبليس من نارٍ وآدمُ طينة ٌ/ والأَرْضُ لا تَسْمُو سُمُوَّ النَّارِ)؛ وغدا في شعر أبي نواس إلهاً يستجيب للدعاء، ويلقي المودة في قلوب المحبين (دعوتُ إبليسَ، ثمّ قلتُ لهُ / في خـلـْــوَة ٍ والدّمــوعُ تَـنـْــهَمِـــرُ: / أمـا تَـرَى كيْـفَ قد بُـلـيــتُ، وقدْ / أقْرَحَ جفْني البكاءُ والسّهَرُ / إنْ أنْتَ لم تُـلْقِ لي الـمـوَدّة َ فـي / صدْرِ حبيبي، وأنْتَ مُقتدِرُ / لا قلْتُ شعْراً، ولا سمعْتُ غِناً / ولا جَرَى في مَفَاصِلي السَّكَرُ / ولا أزالُ القُرْآنَ.. أدرُسُهُ / أرُوحُ فـي دَرْسِـهِ وأبْـتَــكِـــــــــرُ / وألزَمُ الصّوْمَ، والصّلاة ، وَلا / أزالُ ، دَهْـري، بالخيـرِ آتـمِـرُ / فمـا مَـضَـتْ بعْـدَ ذاكَ ثـالِـثَـة، / حتى أتـَـاني الحَـبيبُ يـعـتـــذِرُ).

كما حضر في الحكايات والرسوم والأفلام والمسرحيات والروايات والقصص وغيرها من الفنون. وحضر على أفواه الملوك والخطباء والعامة. وما حصده من لعنات لو وجّه إلى كوكبنا الصغير لانفجر قبل مجيء نوح بقليل.

ثم إنه أكبر مجرم على مرّ التاريخ. لم يكتب سيرته، ولكنّ آثاره تدل على أنه أقسى مجرم على وجه البسيطة على الإطلاق: يشرد الأبرياء ويحض على المكر والقتل، ويحرض على اقتراف أعظم الجرائم وأشدها بشاعة، ينشر الفتنة ويزرع الفرقة ويفسد النسل وينشر البدع والأفكار الهدامة، لا يبقي ولا يذر. ولم أجد له من "حسنات" تشي بحسن سلوك وطيبة سيرة سوى أنه حض بعض الفلاسفة والمفكرين على ارتكاب خطايا في حق الدين: المعري، الرازي، نيتشه وغيرهم من أصحاب الفكر المارق وأصحاب الرأي..

ومن المفارقات، أن له صورة جميلة فاتنة مغرية تسيل اللعاب هي صورة المرأة في إقبالها وإدبارها كما في الحديث الصحيح (من وجهة نظر "علماء الدين") الذي نقلته كتب الحديث "إن المرأة تقبل في صورة شيطان، وتدبر في صورة شيطان"، وفيما عدا ذلك، يتخذ إبليسنا صورة مرعبة أقبح ما تكون، إذ يطل علينا في حديث آخر (هو حديث موضوع ولكنه ينير المخيال الإسلامي في الإسلام المبكر وطريقة تصوره لإبليس) في هيأة شيخ قبيح المنظر تفزع لمرآه الحيتان في البحار: "شيخ أعور كسيح في لحيته سبع شعرات كشعر الفرس وعيناه مشقوقتان بالطول ورأسه كرأس الفيل الكبير وأنيابه خارجة كأنياب الخنزير وشفتاه كشفتي الثور".

لا يُرى ولكن تُرى آثاره في هذه الناحية جرائمَ ما أنزل الله بها من سلطان: ولداً يزني بأمه، وفتاة تقتل أباها، وملكاً يدمر مملكته، وأخاً يبقر بطن أخيه، ومحارباً يحصد رؤوس ذويه بلا رحمة.. إلخ

وما عثرت على من رآه سوى الحمير، كما ورد في حديث رواه البخاري وصححه الألباني: "إذا سمعتم صياح الديكة من الليل، فإنها رأت ملكاً، فسلوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهاق الحمير في الليل، فإنها رأت شيطاناً، فتعوذوا بالله من الشيطان".

إنه استحوذ على الوجود معلناً أنه قوة لا تقهر، لأنه ملازم للبشر في كل حالاتهم في المأكل والملبس والفراش والغدو والرواح ليس لهم من وسوسته فكاك، يراهم ولا يرونه، يعبث بمصائرهم فيزين لهم القبيح فيرونه جميلاً، ويقبّح الجميل فيغدو في أعينهم أقبح ما يكون!

كل ما سبق وجدت له معقولية في أن الإنسان محتاج إلى "قوة" مضادة للخير والإنسان والجمال تلخصت في كائن اسمه إبليس، غير أنني لم أجد معقولية لحضور إبليس في حياة الأطفال ينغصها عليهم في غدوهم ورواحهم.

ومع إكباري لدوره الجليل في صناعة المعنى في حياتنا، وتقديري له على مساهمته البناءة في إبداع الإنسان أجمل الفنون الخالدة من رقص وأغاني وقصص وروايات وأفكار عظيمة غيرت التاريخ، فإنني لم أجد بعد مبرراً لأن يسكن عقل طفل في الرابعة أو الخامسة من العمر عن طريق مروّضته التي تصرّ على سرد قصة الخلق وآدم وحواء والتفاحة اللعينة المشتهاة التي حثهما الشيطان اللعين على أكلها، فعوقبا بإنزالهما إلى الأرض يصارعان الوسواس الخناس.

فهو، على الطريقة الإسلامية، كما تحدثهم بذلك المروضة، يأكل معهم الطعام إذا لم يستهلوه بالبسملة أو أمسكوا بملاعق الطعام باليد اليسرى. وسرعان ما تتحول تلك الفكرة الصغيرة – إبليس – إلى شيطان حقيقي ينغص عليهم تفكيرهم وحياتهم؛ لأنهم عاجزون عن تمثله وربطه بواقعهم مهما أوتوا من عبقرية وقدرة على الفهم.

وإذا كانت معرفة الطفل في بداية عمره حسية عاجزة عن تجريد الأشياء، فلماذا تصر رياض الأطفال على حشو أدمغة الصغار بمفاهيم ميتافيزيقية تتطلب قدرة على التجريد والتصور عالية مثل فكرة الشيطان؟ ولنا أن نتخيل حجم المعاناة والقلق والحيرة التي يكابدها عقل طفل صغير يجهد ذهنه على تمثّل ما لا يتمثّله الكبار حتّى، ولا يجدون له صورة معقوله تطابقه؟ وإلى أيهما يكون الطفل في بداية عمره أحوج: إلى التراب أم إلى إبليس والكائنات الخرافية الأسطورية التي يعجز عقله عن تصورها؟!

إن أعظم ألم يكابده المرء في تقديري هو ألم العجز عن تمثل شيء ما أو تصوره أو فهمه أو إيجاد معقولية له: يظل يعتمل في القلوب والأذهان مسبباً لنا قلقاً لا ينتهي إلاّ ببرد اليقين، ولنا أن نتصور ذلك القلق الذي عادة ما يترجمه الطفل في سلوك عنيف أو في كوابيس تأتيه ليلاً، فتنغص عليه نومه وتقض مضجعه، ولعلماء النّفس أن يتوسّعوا في أعراض أخرى لذلك لا يمكن حصرها.

ثم إن أخطر مرحلة في عمر الإنسان هي مرحلة الطفولة، فيها يتعلم القيم الاجتماعية والإنسانية، ويتدرب على جملة من الخبرات الحياتية التي ستكون له زاداً في باقي عمره، وبتطور الحياة وتشعبها في واقعنا المعاصر، صارت رياض الأطفال ملجأ يعمّر فيه الطفل أكثر مما يعمّر في بيته، ويتعلّم من أقرانه أكثر مما يتعلم من والديه وإخوته، ويؤمن بما تقول مروضته أو مربيته أكثر مما يؤمن بما يقول والداه، ويثق في معلمته أكثر من العالم بأسره، فكيف إذا عاد إلى البيت بمفهوم مفارق ميتافيزيقي مثل فكرة الشيطان، وراح يسأل والديه عما لم يجد له وقتاً في الروضة: ما الشيطان؟ أين يقطن؟ هل له عينان؟ هل له أذنان؟ هل يأكل ويشرب؟ هل وهل وهل وهل؟؟؟ هل ستكفي عبارة "لا" التي عادة ما تكون إجابة جاهزة عند الوالدين لتسدّ ضمأه إلى المعرفة وحب الاطلاع؟ وهل تزيده الأجوبة سوى قدرة على مزيد التسآل والاستفهام بلا نهاية؟

ليس الطفل، في تلك المرحلة من العمر، في رأيي، في حاجة إلى كل هذه الأفكار "الكبيرة" التي تحرجه وتقلقه وتزعجه وتهز علاقته بالكون (ما دام مسكوناً بكائنات خرافية تفوق قدرتها قدرته)، بقدر ما هو محتاج إلى أشيائه البسيطة يركّب بها بيوتاً يعرف ألوانها وأشكالها وأحجامها، وإلى خطوطه يرسم بها الأشياء التي يحب من عصافير وضفادع وبحاراً ووجوهاً يتمثّلها، ويبحث عنها في واقعه فيجدها. أما الأفكار التي ستحطّم علاقة الطمأنينة والإحساس بالأمن والأمان، فلا حاجة له بها في طفولته؛ لأنها ستداهمه في باقي عمره بالتأكيد، ولكنه في ذلك الزمن سيكون قد تزود بالقدرة على التجريد والتصور والعقلنة والموضوعية. ولهذا، أدعو إلى طرد كهولتنا من طفولة أطفالنا، كما أدعو إلى طرد إبليس من رياض أطفالنا، كي ينعموا بطفولتهم بعيداً عن "عقولنا" الملوثة بالخوف والدمار والشك والخوف!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق