إعاقة الأمية وتحديات بلوغ مجتمع المعرفة عربياً "من التشخيص إلى الاستشراف"
06 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

*كاتب وباحث سوري
د. كريم أبو حلاوة *

Warning: DOMDocument::loadHTML(): ID _ftnref3 already defined in Entity, line: 9 in /home/thewhatnews/public_html/post-page.php on line 349

Warning: DOMDocument::loadHTML(): ID _ftnref10 already defined in Entity, line: 40 in /home/thewhatnews/public_html/post-page.php on line 349

تحيل مشكلة الأمية في العالم العربي، على جملة قضايا ومفارقات، بل وتحديات، أبعد غوراً وأشد تأثيراً من المعنى المباشر الذي يدل على عدم القدرة على القراءة والكتابة بالمعنى الأبجدي. فالأمية، وفي المقام الأول، شكل من أشكال الحرمان البشري يخفّض من قدرة الفرد على التفاعل والتفتح والمشاركة، وهي اعتداء صريح على حق من حقوق الإنسان التي كرستها الشرائع الدولية، وأعني حق الإنسان في المعرفة والتعلم، والاطلاع على ما تراكم من تجارب وخبرات أقرانه في المجتمع، وعلى امتداد الفضاء الحضاري الإنساني المشترك.

لا يحتاج الباحث في حالة التعليم العربي، إلى أدلة وبراهين إضافية لمعرفة الأزمة العميقة التي يعاني منها، سواء اتصل الأمر بالمؤشرات الكمية وبيانات التسرب والأمية

فإذا كانت المعرفة قوة، بل أبرز مظاهر القوة في عالم اليوم، وذلك من خلال تفاعلها مع عناصر القوة الأخرى؛ أي الثروة والسلطة، والتي تشكَل العناصر الحاكمة للتطور الآن وفي المستقبل، فإن الأمية ضعف فردي ومجتمعي، ذلك لأن الغني مستقبلاً هو غني المعرفة والمعلومات، وأن الفقير هو فقير المعرفة قليل الكفاءات والمهارات، وبالتالي فإن هذا الخلل سيرتب العديد من المشكلات والظواهر المتصلة بتلبية الحاجات الأساسية، وسيتفاعل مع الفقر والبطالة والمرض، ليشكَل ظاهرة سلبية تشي بخلل تنموي مركَب يحتاج إلى مقاربة غير تقليدية لتفكيكه والخروج من الحلقة المفرغة التي يولّدها. هذا فضلاً عن أنّ امتلاك المعرفة والقدرة للوصول إلى مصادر المعلومات وإتاحة فرص التعلم للجميع، تؤثر على/ وتنعكس في نوعية الحياة ""Quality of lifeبوصفها هدفاً تنموياً، انطلاقاً من أن الإنسان غاية التنمية ووسيلتها في آن، والارتقاء بنوعية الحياة والوصول إلى الرفاه الإنساني يبقى في صلب تطلعات التنمية البشرية المستدامة.

وبما أن التنمية حرية كما يقول "أمارتيا سن" بحق، بما تنطوي عليه من توسيع لخيارات البشر وارتقاء بقدراتهم، فإن تأثيرات الأمية الأبجدية والتكنولوجية، سرعان ما تظهر على الموارد البشرية من حيث مستوى تعلمها وإعدادها وتدريبها، كما وعلى مردودها الاقتصادي وإنتاجيتها، إذ بيَنت التجارب التنموية الناجحة، أن القيمة المضافة/ الربح، مرتبطة إلى حد كبير بالاستثمار في الذكاء الإنساني، وأن النجاح في السوق يبدأ في الفصل الدراسي.[1]

الأرقام تتكلم:

لا يحتاج الباحث في حالة التعليم العربي، إلى أدلة وبراهين إضافية لمعرفة الأزمة العميقة التي يعاني منها، سواء اتصل الأمر بالمؤشرات الكمية وبيانات التسرب والأمية، واتصل بالمؤشرات الكيفية المتعلقة بمستوى التعليم ومعايير كفاءته الذاتية وجودته، وصولاً إلى ارتباطه بسوق العمل وامتلاك المهارات الحياتية المتصلة بمشكلات باتت بيَنة للمهتمين والمتابعين وذات صلة وثيقة بالعوامل المؤثرة بالعملية التعليمية، ابتداءً بنسب التمويل المخصصة لهذا القطاع الحيوي، وانتهاءً بالسياسات التعليمية، التي لم تلحظ في غالبيتها ارتباط التعليم بالتنمية من مدخل بناء القدرات، وأهمية الاستفادة من الرأسمال الاجتماعي بوصفه مدخلاً تنموياً ناجحاً وقابلاً للتحول إلى ثروة مادية وبشرية تدخل في صميم الاستهدافات التنموية.

فمنذ عام 2004، شخص تقرير التنمية الإنسانية العربية الأول الصعوبات التي تعاني منها التنمية العربية بثلاث مشكلات: هي نقص المعرفة، ونقص الحريات، ونقص تمكين النساء، وأضاف التقرير موضحاً أن هناك حوالي 70 مليون إنسان أمِّي عربي، ثلثهم من النساء[2]، وبسبب استمرار الأوضاع على ما هي عليه تنموياً، وبسبب التزايد السكاني والبنية الديمغرافية النشطة، والتي تتميز بنسبة خصوبة عالية، ازداد عدد الأميين إلى 100 مليون أمَي عربي وبما يفوق 32% من إجمالي السكان البالغ 375 مليون عام 2013، مقارنة مع 18.8 % من الأميين على مستوى العالم، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2005- 2013 وذلك وفقاً لوكالة الإحصاءات في مصر.[3]

ساهم الحراك السياسي والمجتمعي الذي عاشته المنطقة العربية منذ عام 2010 في تفاقم أعداد الأميين وتردي مستوى ونوعية التعليم

يتوزع هؤلاء على غالبية الدول العربية بنسب متفاوتة تصل في بعض البلدان إلى حوالي 48% كما في اليمن والصومال والسودان، وتفوق 30% في دول مثل مصر والمغرب، لتنخفض إلى ما دون 20% في مجموعة البلدان العربية الخليجية والأردن ولبنان وتونس، وتعود لترتفع مجدداً في كل من سورية والعراق بسبب الأزمة الممتدة منذ العام 2011 في سورية، وفي العراق منذ الاحتلال عام 2003 وظروف عدم الاستقرار التي يعانيها منذ ذلك التاريخ.

ولا تقل مشكلة تمويل التعليم والمخصصات المتدنية له مقارنة بباقي بلدان العالم أهمية عن مشكلة أعداد الأميين وتوزعهم الجغرافي والمناطقي والطبقي والجنسي (Gender) إلخ، إذ تخصص البلدان العربية 5% فقط من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق الحكومي على التعليم، بينما خصصت البلدان المتقدمة 20% من ناتجها الإجمالي على التعليم وعلى امتداد الأربعين سنة الماضية![4]

المفارقات التي تنطوي عليها مشكلة الأمية وتمظهراتها:

تدل الأرقام والنسب السابقة على حجم ظاهرة الأمية ومدى اتساعها كمياً، مثلما تحيل على عمق المشكلة والتحديات التي تطرحها على المستويات السياسية والتنموية والاجتماعية، فضلاً عن المستوى الاقتصادي، وبعيداً عن التهويل والمبالغة، تبقى المسألة مصيرية لاتصالها بواقع الأجيال الحالية والمستقبلية، ولصلتها الوثيقة بهوية الأمة وأمنها الثقافي والبشري والإنساني.

وبالانتقال من الوصف إلى التفسير، تبدأ الترابطات والاستخلاصات، بل والإكراهات المتعددة بالظهور، لتعرفنا على عمق المأزق الذي نواجهه، وحالة "الفوات" أو التأخر التي وسمت معظم استجاباتنا تجاه المخاطر والتحديات القائمة والمحتملة، بل والثمن الكبير والكلف الإضافية الذي ندفعها في كل مرة لا نحسن فيها تشخيص الظواهر بتجرد ونزاهة وشجاعة، بعيداً عن منطق التبرير ومحاولات إلقاء اللوم وتحميل مسؤولية التقصير على الآخرين، أكانوا أفراداً أم حكومات أم دولاً خارجية، فمنطق كهذا لا يضيف إلا تعقيداً جديداً يطيل مسار الحلول الممكنة، ويقلل من نجاعتها دون جدوى.

كان للأزمة التي تعيشها سورية أثر سلبي واضح على الواقع التعليمي، إذ أهدرت مكاسب عقود مضت في بناء وتطوير العديد من المدارس

هكذا تكشف الأرقام والمعطيات المتوفرة عن مجموعة مفارقات "Paradoxs" قد يساعد تفكيكها على الوصول لفهم أفضل لتحدي الأمية وحالة التعليم عربياً، ولعل من أبرز هذه المفارقات:

أولاً: مفارقة التعايش بين البنى الاجتماعية التقليدية الموروثة والسابقة على الحداثة وبين المؤسسات الحديثة، ومنها المؤسسة التعليمية، المتمثلة بالمدرسة والجامعة ومعاهد التأهيل والتدريب ومراكز البحث العلمي. فمعاندة البنى الاجتماعية القائمة على العصبية والولاءات الضيقة، دليل على قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، بالرغم من كل مظاهر الحداثة البرانية والقشرية، مثلما هي برهان إضافي على عجز التعليم، بصيغته الحالية عن القيام بالأدوار والوظائف المأمولة منه، ومنها تغيير الوعي وخلق فضاء ثقافي عام ينتسب إليه الأفراد والجماعات، بحكم الانتماء والحاجة إلى هوية عامة مشتركة تجب الهويات الفرعية، وتزيد من مستوى التضامن الاجتماعي العضوي، على ما تشهد سيرورة الانتقال من المجتمعات التقليدية إلى المجتمع الحديث.

ثانياً: ساهم الحراك السياسي والمجتمعي الذي عاشته المنطقة العربية منذ عام 2010، والذي يحلو للبعض تسميته بالربيع العربي، في تفاقم أعداد الأميين وتردي مستوى ونوعية التعليم على ما تشهد تجارب البلدان العربية من ليبيا ومصر وصولاً إلى سورية والعراق واليمن والسودان، إذ تبين المؤشرات والمعطيات المتوفرة خسارة هذه البلدان، وبنسب مختلفة، لثمار عقود من التنمية في مجالات الدخل والتعليم والصحة والخدمات، وكما يتضح أكثر في حالات سورية وليبيا واليمن. أي أن الطاقات العربية، والشابة خصوصاً، لم تُستثمر في عملية البناء والتنمية البشرية، بل أدخلت في صراعات غير مثمرة تاريخياً لتشكل نموذجاً سلبياً لكيفية هدر الطاقات.

ثالثاً: حيث إن الحرمان من التعليم شكل من أشكال الحرمان الإنساني المتعدد الوجوه والأبعاد، فإن الارتباط بين فقر الدخل وفقر القدرات، قد بات جلياً، وليس مفاجئاً أن تكون غالبية الأميين من الفقراء، وغالبية الفقراء من الأميين، كما أوضحت ظروف عدم الاستقرار، وما أنتجته من آثار سلبية، على تباطؤ النمو، وانخفاض الدخل الحقيقي، وصولاً إلى ضعف الاستفادة من ثمار التنمية على المستوى المجتمعي العام، وخصوصاً الفئات الأضعف والأكثر هشاشة، كالأطفال والنساء والشباب العاطل عن العمل والمهمشين، وفاقدي الأمل والمحرومين من الفرص وطالبي الهجرة واللجوء، فهؤلاء شهودٌ أحياء على عمق المأزق الذي يواجه مجتمعاتنا ودولنا فرادى ومجتمعين.

ثمَة وجه آخر للمشكلة متصل بتواتر التحول الديمغرافي الذي لا يزال أقرب إلى المعدلات المرتفعة للنمو السكاني، وما يرافقه ويعبر عنه من معدلات خصوبة عالية وارتفاع بنسبة الإعالة، وبالتالي ضياع فرصة الاستفادة عن انفتاح النافذة الديمغرافية، والتي تشير إلى وصول أعداد كبيرة من السكان الشباب لسن العمل والتشغيل، إذ تشير الدراسات التنموية، أن الانفتاح التدريجي للنافذة الديمغرافية فرصة ناجمة عن تحول الزخم السكاني من مرتفع إلى متوسط، وهي إن أُحسن استثمارها، تقدَم نمواً إضافياً يصل حتى 3% سنوياً وعلى مدى ثلاثة عقود. لكن هذا مشروط بما نفعله للاستفادة من هذا التغير في التركيب السكاني؛ فالبلدان التي تمتلك الخطط والاستراتيجيات وبما يمكَنها من إعداد وتعليم وتدريب هذه الكفاءات الشابة المتدفقة على سوق العمل، هي وحدها التي ستجني ثمار انفتاح النافذة الديمغرافية؛ أي أننا أمام تحوَل موضوعي، قد يكون نعمة وقد يكون نقمة إذا ما تزايد عدد طالبي العمل وقلت الفرص التي تتاح لهم، فيصبحون عبئاً على التنمية بدلاً من أن يكونوا قاطرتها الدافعة.[5]

فالتعليم بشقيه الرسمي وغير الرسمي يسهم في تحسين نوعية الحياة؛ لأنه يركز على ذلك من خلال تنمية شبكة العمل الاجتماعية وبناء الثقة وتقوية النزوع الديمقراطي، مثلما يقوم المتعلمون والمشاركون في تنظيم المجتمع بتشكيل الرأسمال الاجتماعي، بوصفهم قدوة، عبر نشر معايير التبادل والثقة عبر الشبكات، والتي تؤدي إلى التقليل من مستوى الجريمة وخلق مستويات أعلى من التضامن الاجتماعي واللحمة الوطنية والشعور بالهوية والانتماء. كما أن قدرات الأطفال تعد مشاركة مهمة على طريق بناء الرأسمال الاجتماعي الذي يجد فاعلية ضمن عائلات الأطفال والمدرسة وصولاً للمجتمعات المحلية، والتي لها تأثير واضح على الفرص والاختيارات وسلوك الأطفال ووعيهم حاضراً ومستقبلاً.[6]

مؤشر الحالة التعليمية في سورية:

يلحظ المتتبع لواقع التعليم عربياً، توسعاً كمياً ملحوظاً، في أعداد المدارس ونسب الالتحاق بالتعليم الأساسي والعالي، مع تفاوت بين البلدان العربية في نسب وسياسات الإنفاق على التعليم، سوى أن هذا التوسع الكمي، على أهميته، لم ينعكس، بصورة كافية، على مخرجات التعليم ونوعيته، وعلاقته بسوق العمل والحياة بنفس السوية، وبقيت بعض البلدان العربية أقل من متوسط البلدان النامية فيما يخص نسب الالتحاق بالمدارس، كما توضح البيانات المتصلة باليمن والصومال والسودان والمغرب، ومن ثم وبدرجة أقل في كل من مصر وسورية وليبيا ولبنان والسعودية...إلخ.

فإتاحة التعليم ومجانيته، والميزانيات المخصصة له، فضلاً عن نمط العيش وأشكال التمييز الجندري بين الذكور والإناث، والتي تعود للبنى الاجتماعية السائدة، كلها عوامل ذات صلة وثيقة في تفسير التحديات التي تواجه التعليم العربي والمشكلات التي يعاني منها.

المطلوب من التعليم اليوم وفي المستقبل أن يزودنا بمهارات تتعدى المعرفة، والتي أصبحت متاحة بفضل التقدَم العلمي والتكنولوجي والثورة الرقمية وتطبيقاتها المتكاثرة

وبالتركيز على مؤشرات الحالة التعليمية في سورية، كنموذج، يمكن ملاحظة أن تغيرات إيجابية قد حدثت في بنية الهرم التعليمي للسكان، تمثلت في انخفاض نسبة الأمية والملمين بالقراءة والكتابة، وبالمقابل ارتفاع نسبة الحاصلين على مؤهلات تعليمية أعلى، مثلما تقلصت الفجوة بين الإناث والذكور؛ فقد انخفضت نسبة الأمية من 25% عام 1994 إلى6.15% عام 2011، ومن 1.12 % ذكور و31.6 % إناث عام 1994، إلى 8.6 % ذكور و6.22 % إناث. ويعود هذا الانخفاض في معدلات الأمية إلى مجانية التعليم وإلزاميته ومَدّه إلى نهاية مرحلة التعليم الأساسي، وإلى الجهود الرسمية والأهلية المبذولة في مجال محو الأمية.[7]

وكان للأزمة التي تعيشها سورية أثر سلبي واضح على الواقع التعليمي، إذ أهدرت مكاسب عقود مضت في بناء وتطوير العديد من المدارس التي خرجت من الخدمة، فحسب بيانات وزارة التربية بلغ عدد المدارس المتضررة حتى عام 2014 (3549) مدرسة، هذا عدا عن تكلفة الدروس الفائتة وتأهيل مدارس الإيواء التي زاد عددها عن (1000) مدرسة تستخدم كمراكز إقامة مؤقتة للمواطنين.

وبالنتيجة خسائر فادحة في عدد ساعات التمدرس والخسائر البشرية الموجعة في الأرواح، والأمراض النفسية والاجتماعية التي أصيب بها الطلاب والأهل جراء الأزمة.

على صعيد متصل، تضررت نوعية التعليم وانخفضت مؤشرات الكفاءة الداخلية للنظام التعليمي، وعلى الأخص مؤشر متوسط عدد الطلاب في القاعة الصفية، ومتوسط عدد الطلاب لكل معلم ومدرس.

صحيح أن تأثيرات الأزمة كانت سلبية على الجميع، إلا أن المتضرر الأكبر منها كان الإناث في جميع المناطق، وذلك بسبب تخوَف بعض الأهالي من إرسال بناتهم إلى المدارس لأسباب تتعلق باحتمال تعرضهن للخطف أو التعذيب، إذ تشير إحصاءات وزارة التربية إلى انخفاض ملموس في أعداد الإناث المسجلات في الصف الأول الأساسي بالمقارنة مع نسبة القيد في السنوات السابقة.

وبالمحصلة، وبسبب الصعوبات السابقة، فمن المرجح أن نسبة الأمية قد ارتفعت إلى أكثر من 20%، وازدادت نسبة عدم الالتحاق نهائياً بالدراسة إلى ما فوق 10%، وارتفعت نسبة التسرب إلى أكثر من 30%، أي أننا أمام أجيال قادمة حوالي ثلث أبنائها من الأميين.[8]

من تشخيص الواقع إلى استشراف المستقبل:

والسؤال الذي لم يعد قابلاً للتأجيل هو:

هل يساعدنا التعليم الذي نتلقاه في المدارس والجامعات العربية، بمواصفاته الحالية، على التعامل مع متغيرات الحياة ومستجداتها بمرونة؟ وهل يزودنا بالمهارات والكفاءات والقدرات اللازمة، لنكون فاعلين مؤثرين في الحياة على الصُعد الفردية والمجتمعية؟ وهل يؤهلنا للابتكار والإبداع، واجتراح الحلول، واكتشاف ما نختزنه من مواهب وطاقات؟ وقبل ذلك هل يساهم في بلورة وإنضاج "رؤية للعالم" تميَز كل ثقافة إنسانية عن سواها من الثقافات، وهي ما ندعوه الخصوصية الحضارية والثقافية؟

وحيث إن الجواب أقرب للنفي، لأنه يعري ويكشف ويفكك نظام التعليم العربي، إن على مستوى فلسفته الضمنية أوالصريحة، أو على مستوى الخلل العميق في مدخلات العملية التعليمية ومكوناتها بدءاً بالتلميذ والمعلم، مروراً بالمناهج والخطط الدرسية، والميزانيات المخصصة له، سواء على صعيد توفير موارده المادية أو البشرية، ووصولاً إلى منتجاته والمخرجات التي يسفر عنها، ما يعني أننا بحاجة إلى إعادة نظر نقدية لمعرفة نقاط الضعف ونقاط القوة، والبناء على نتيجة تقويم شامل وحقيقي وجريء، لاستشراف ما يمكن أن يكون عليه نظامنا التربوي والتعليمي.

وككل استشراف علمي، يعاين الوقائع ويمد المسارات، ويبحث في البدائل المحتملة والممكنة، عليه أن يبلور خطة مستقبلية قابلة للتمرحل زمنياً (قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى) محددة الغايات والأهداف، وهي تتمركز هنا حول ضرورة الوصول إلى مجتمع المعرفة، وامتلاك خصائصه وديناميته وأهدافه، "بوصفه ذلك المجتمع الذي يعتمد في نمط وجوده وتطوره على إنتاج ونشر وتوظيف المعرفة بكفاءة في جميع مناحي الحياة"[9]؛ وهو بهذا التحديد أوسع من مجتمع المعلومات، لأن المعلومات جزء من المعرفة وأحد أشكالها فقط.

سأتوقف في هذا الاستشراف فقط عند مسألتين جوهريتين تنطوي عليهما الاستراتيجية المستقبلية المقترحة؛ وهما: التغيير الذي حدث على وظائف التعليم ومهامه، ومن المرجح أنه سيتغير أكثر في المستقبل، والأدوار الجديدة المطلوبة من المعلم في مدارس وجامعات الغد.

كان التعليم، وعلى مدى قرون، يقوم بوظيفة أساسية واحدة، وهي تقديم المعرفة وإتاحة الحصول عليها "تعلم لتعرف"، وعلى أهمية وحيوية هذه الوظيفة، فإن التعليم المعاصر قد تجاوزها إلى وظائف أبعد وأكثر فاعلية من قبيل: "تعلم لتعش"، و"تعلم لتعمل"، و"تعلم لتتعامل مع الآخرين"، أي أن المطلوب من التعليم اليوم وفي المستقبل أن يزودنا بمهارات تتعدى المعرفة، والتي أصبحت متاحة بفضل التقدَم العلمي والتكنولوجي والثورة الرقمية وتطبيقاتها المتكاثرة. بصيغة أخرى، بدأت المعارف التي لا تتصل بالحياة والعمل واكتشاف الذات والتعامل مع المتغيرات، تفقد أهميتها ومصداقيتها، ودخل معيار الممارسة؛ أي إمكانية تحويل المعرفة إلى سلوك وفعل وأثر تحويلي، إذ بينما نساهم عبر نشاطنا الواعي في تغيير أنفسنا، نسهم في تغيير العلاقات وأشكال التفاعل مع الآخرين، ومع الحياة، وهذا شبيه إلى حد كبير بالنمط الاقتحامي والتحويلي لأثر التكنولوجيا على المجتمعات، إذ تؤثر بها، بصرف النظر عن رغبتها أو رأيها أو موقفها منها، حيث يتوقع المستقبليون أن التحولات الجذرية ستطال كل الصيغ والأنماط والسلوكيات، والتي تعودنا عليها طويلاً، وبدرجة غير مسبوقة من قبل، وهنا تكمن قيمة الرهانات الكبرى التي يمكن للتعلم أن يزودنا بما يكفي من الاستعدادات والقابليات لكسبها في المستقبل، ولعلّ هذا من أبرز أسباب تنافس الأمم والشعوب والدول على امتلاك المعرفة العلمية المتقدمة وخصوصاً في المجالات المتصلة بالذكاء الصناعي والهندسة الجينية والبرمجيات، وذلك ببساطة لأن الاستثمار في هذه المجالات ينتج قيماً مضافة عالية تفوق بمئات المرات القيمة المضافة الناجمة عن العمل والاستثمار في الزراعة والصناعة الحديثين، على ما تشهد التجارب التنموية الناشئة في آسيا (حالة كوريا وسنغافورة وماليزيا والهند) حتى لا نستشهد بتجارب أنجح وأقدم في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان؛ فالثروة في المستقبل ليست موارد طبيعية ولا ريع زراعي، إنها براءات اختراع، واستثمار في الذكاء الإنساني، وتنقيب في مناجم العقول مع ما يتطلبه ذلك من وعي وإرادة وميزانيات مخصصة للبحث العلمي والتطوير، ومن مدارس وجامعات كفؤة وذكية وعصرية ومواكبة للمستجدات.[10]

الثروة في المستقبل ليست موارد طبيعية ولا ريع زراعي، إنها براءات اختراع، واستثمار في الذكاء الإنساني، وتنقيب في مناجم العقول

أما المسألة الثانية، فتتصل بمزايا ومواصفات المعلم كما تقتضيها المهام والأدوار المتوقعة منه مستقبلاً، إذ لم يعد المعلم هو الشخص الذي يلقن المعرفة لطلابه، ولا مرسل هذه المعرفة الوحيد أو الأهم، إنه ذلك الشخص القادر على/ والراغب في تقديم ذاته واستخدام طاقاتها بكفاءة وفاعلية من أجل مساعدة طلابه كي يتعلموا كيف يساعدون أنفسهم، فهو يسهَل العملية التعليمية ولا يحدثها، يدير الموقف التعليمي ولا ينشئه، يوجه ويرشد ويمارس دور القدوة أكثر مما يلقن ويحفَظ ويكرَس الذهنية السائدة ويعيد إنتاجها!.

فالمعلم، وفقاً للسيناريو المأمول، يعنى بتكوين الاتجاهات وتنمية المهارات لدى طلابه، بل هو الذي يلهمهم لاكتشاف أفضل ما لديهم، أوليس المعلم الناجح، هو من يعلم تلاميذه كيفية الاستغناء عن المعلم؟!.

بصياغة مغايرة، سينظر للمعلم بوصفه مصمماً للمنظومة التعليمية، الأمر الذي يتطلب توسيعاً للأدوار التي يقوم بها لتشمل كونه ميسراً "Facilitator" للعملية التعليمية، إلى جانب كونه موجهاً للفكر "Guide" ومشرفاً أكاديمياً "Advisor" ورائداً اجتماعياً "Leader"، فضلاً عن أنه صاحب مدرسة فكرية (فلسفة) تتضمن توجه مميز على المستويين النظري والتطبيقي، وباحثاً "Researcher" متملكاً لمناهج البحث العلمي وأدواته، وقبل كل ذلك مرجعية في السلوك والوعي ونموذجاً للنجاح.[11]

وحتى لا يبدو التطلّع إلى ملامح مستقبل كهذا، أقرب إلى الخيال والأحلام، على الاستراتيجية المقترحة أن تطرح أهدافاً واقعية ومحددة وقابلة للتحقيق، مع نظام تقييم ومراجعة مستمر وفعّال، بغية الاستفادة من تجارب ونجاحات أنظمة الجودة التعليمية التي تشمل سبل التخلص من إعاقة الأمية، وصولاً إلى تفعيل منظومة التعليم العالي والبحث العلمي؛ فالمستقبل ليس مكاناً ينتظرنا لنذهب إليه، ولا قدراً محتوماً يصعب تغييره، إنه ما فعلناه وما نفعله اليوم وفي الغد المنفتح على طيف واسع من الاحتمالات، فهل نبادر أم نكتفي بالانتظار؟!

 

[1]أمارتيا سن: التنمية حرية، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة العدد (6303) الكويت، 2004

[2]تقرير التنمية الإنسانية العربية: مجموعة خبراء، مكتب الأمم المتحدة الإنمائيUNDP، القاهرة 2004.http://goo.gl/Y6mSE0

[3]رشا فائق، سارة لينش: الأمية مشكلة مستعصية في العالم العربي، الفناد للإعلام، 2014.http://goo.gl/Mm9wgh استرجعت بتاريخ 28آذار/مارس 2016

[4]تقرير البنك الدولي: تخلف التعليم في العالم العربي، نيويورك، 2014

[5]حالة سكان سورية، التقرير الثاني، الهيئة السورية لشؤون الأسرة، دمشق 2010. ص 146

[6]أكرم القش وآخرون: التقديرات الدولية لانعكاسات الأزمة على الواقع السكاني في سورية، الهيئة السورية لشؤون الأسرة، 2015. ص 24

[7]المكتب المركزي للإحصاء في الجمهورية العربية السورية، نتائج التعداد العام للسكان والمساكن لعامي 1994 و2004، والمجموعات الإحصائية للأعوام 1994-2011، ومسح قوة العمل، دمشق، 2011

[8]كريم أبو حلاوة: أين العرب من مجتمع المعرفة؟، بحث مقدَم لندوة الترجمة ومجتمع المعرفة، الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة 2006. ص 12

[9]المصدر نفسه. ص 5

[10]حسن الباتع عبدالعاطي: التعليم العربي بين استشراف المستقبل وطلب الجودة والاعتمادية، وانظر أيضاً حسين كامل بهاءالدين: التعليم والمستقبل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999 .http://uqu.edu.sa/page/ar/5438

[11]انظر أيضاً مريم الوتيد: التربية المستقبلية ومعلم الغد، 22 تشرين الأول/نوفمبر 2015

http://goo.gl/FdbjNv

 

* مقال منشور ضمن العدد الثامن والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " واقع الأمية في الوطن العربي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/Aghj0R

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق