إمانويل كانت وإشكالية المعرفة القبلية
29 يوليو 2016 | 0 تعليق

ذوات - منى شكري

عندما وضع الفيلسوف الألماني إمانويل كانت (1804 -1724) كتابه الأشهر "نقض العقل المحض" الذي صدرت طبعته الأولى العام 1781، واجه صعوبة في إيصال أفكاره لما تعالجه من مسائل جوهرية في المعرفة الفلسفية تتعلق بتمحيص نقدي حصيف للعقل مستقلاً عن التجربة، من خلال وصف الحس، والإدراك الحسي والفكرة والعقل، وأن يقرر لكل منها حدودها واختصاصاتها الصحيحة، آملاً أن يبين أن في استطاعة العقل أن يصل إلى بعض المعارف مستقلاً عن أي خبرة بما أسماه المعرفة القبلية؛ يقول في بداية كتابه "إن ملكة المعرفة الحاصلة من المبادئ القبلية يمكن أن نسميها العقل المحض، والبحث العام في قدرتها وحدودها (يؤلف) نقد العقل المحض".

في النص التالي يبين أن "التجربة لا تضفي أبداً على أحكامها تعميماً حقيقياً أو صارماً، وإنما تكتفي بـ "تعميم مفترض ومقارن فقط (من طريق الاستقراء)"، ليصل أنه "يترتب على هذا أن الحكم الذي نفكر فيه مقروناً بتعميم صارم، أي على نحو لا يسمح أن يكون له أي استثناء ممكن على الإطلاق، لا يكون حكماً مستنبطاً من التجربة، بل هو حكم صحيح قبلياً على نحو مطلق".

ليخلص أنه لو أسقطنا جميع الخواص التي تعلمنا إياها التجربة، "لبقيت مع ذلك خاصةٌ لا يمكنكم إسقاطها، وهي تلك التي تجعلكم تفكرون أنه جوهر أو ملازم لجوهر (..) وهكذا يتعين عليكم –مدفوعين بحكم الضرورة التي يفرض بها هذا المفهوم نفسه عليكم- أن تعترفوا بأنه مستقر قبلياً في قدرتكم على المعرفة".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

"لدينا بعض المفاهيم قبلياً، والفهم العام نفسه لا يخلو أبداً منها

ما نحن بحاجة إليه هنا هو معيار يمكننا من أن نميز يقينياً بين معرفة محضة ومعرفة تجريبية، صحيح أن التجربة تعلمنا أن شيئاً ما يتصف بهذه الخاصية أو تلك، لكنها لا تعلمنا أنه يستحيل أن يكون على غير ما هو عليه. فإن وجدنا، أولاً، قضية يتضمن التفكير فيها ضرورتها في وقت واحد، عندئذ تكون حكماً قبلياً؛ وإذا كانت هذه القضية، بالإضافة إلى ذلك، غير مشتقة إلا من قضية أخرى، هي بدورها لها قيمة قضية ضرورية، فهي عندئذ قبلياً على الإطلاق. ثانياً: إن التجربة لا تضفي أبداً على أحكامها تعميماً حقيقياً أو صارماً، وإنما تكتفي بـ تعميم مفترض ومقارن فقط (من طريق الاستقراء)، بحيث يكون أقصى ما يمكن أن يُقال –بحسب ما استطعنا أن ندركه حسياً حتى الآن- إنه ثانياً لا استثناء في هذه أو في تلك القاعدة. يترتب على هذا أن الحكم الذي نفكر فيه مقروناً بتعميم صارم، أي على نحو لا يسمح أن يكون له أي استثناء ممكن على الإطلاق، لا يكون حكماً مستنبطاً من التجربة، بل هو حكم صحيح قبلياً على نحو مطلق. فالتعميم التجريبي إذن لا يعدو كونه إعلاءً تحكمياً لصحة العمل بالقانون انطلاقاً من الحالة التي يصح فيها في معظم الحالات إلى تعميم صحته على جميع الحالات، كما هو الحال مثلاً في القضية التالية: كل الأجسام ثقيلة، ولكن بالمقابل، حيث يحتوي الحكم تعميماً صارماً يخصه جوهرياً، هنا يدل التعميم على مصدر للمعرفة خاص به، أي على ملكة للمعرفة قبلياً، فالضرورة والتعميم الصارم هما إذن دليلان لا يخطئان على معرفة قبلياً وهما ينتميان الواحد إلى الآخر بشكل لا ينفصم.

ولكن، بما أنه عند استعمال هذين الدليلين، يسهل أحياناً اكتشاف محدوديتهما التجريبية، أكثر من اكتشاف المصادفة في الأحكام، أو تكون أغلب الأحيان أيضاً الكلية غير المحدودة التي تنسب إلى حكم دليلاً أكثر إقناعاً من ضرورته، لذا فإنه من الحكمة أن يستخدم المعياران المشار إليهما كل على انفراد، بما أن كلاً منهما معصوم بنفسه عن الخطأ.

والآن يسهل علينا أن نثبت أن في المعرفة البشرية بالفعل أحكاماً كهذه، ضرورية وعامة بأدق معنى الكلمة، وبالتالي محضة قبلياً. وإذا أراد أحد مثلاً على ذلك من العلوم، فيكفيه تفحص كل قضايا الرياضيات؛ وإذا أراده من الاستعمال الأكثر شيوعاً للفهم، فتكفيه القضية [القائلة] كل تغير يجب أن يكون له سبب؛ ففي هذه القضية يتضمن مفهوم السبب نفسه بكل وضوح مفهوم ضرورة الربط بمسبَّب ومفهوم الكلية الصارمة للقاعدة، يُفتقد كلياً في حال أراد أحد -كما فعل هيوم (Hume)- أن يستنبطه من اتباع متكرر لما حدث بما سبق وحدث، وبعادة ناشئة عن ذلك (تكون بذلك ضرورة ذاتية فحسب) هي التي تربط بين التمثلات. كما أنه يمكن أيضاً، من أجل إثبات الوجود الحقيقي لهذه المبادئ قبلياً في معرفتنا، أن نبين ضرورتها حتى لإمكانية التجربة نفسها، من دون اللجوء إلى أمثلة من هذا النوع، وبالتالي قبلياً. لأنه، من أين للتجربة نفسها لأن تستمد يقينها إذا كانت جميع القواعد التي تعمل بموجبها في جميع الأحوال قواعد تجريبية، ومن ثم عارضة؟ ومن هنا سوف يصعب إضفاء قيمة المبادئ الأولية عليها. ولكن يمكننا أن نكتفي هنا بالعرض الذي قدمناه للاستعمال المحض لقدرتنا على المعرفة، بوصفه حقيقة مع الخصائص التي تميزه. ولا يتضح أصلٌ قبلياً في الأحكام وحدها، بل يتضح أيضاً حتى في بعض المفاهيم. جرِّدوا تدريجياً المفهوم التجريبي الذي لديكم عن الجسم من  كل ما ينطوي عليه من عناصر تجريبية: اللون، والصلابة واللين، والثقل وحتى عدم القابلية للنفاذ، وسوف يبقى المكان الذي كان يشغله [هذا الجسم] (وقد اختفى الآن تماماً)، والذي لن يكون بإمكانكم أن تمحوه، وكذلك يكون الأمر بالنسبة إلى المفهوم التجريبي الذي يكون لديكم عن أي موضوع جسمي أو غير جسمي، فإنكم لو أسقطتم عنه جميع الخواص التي تعلمكم إياها التجربة، لبقيت مع ذلك خاصةٌ لا يمكنكم إسقاطها عنه، وهي تلك التي تجعلكم تفكرون أنه جوهر أو ملازم لجوهر (على الرغم من أن هذا المفهوم الأخير يحتوي على تعيين يزيد على ما يحتوي عليه مفهوم الموضوع بوجه عام). وهكذا يتعين عليكم –مدفوعين بحكم الضرورة التي يفرض بها هذا المفهوم نفسه عليكم- أن تعترفوا بأنه مستقر قبلياً في قدرتكم على المعرفة".

إمانويل كنت، نقد العقل المحض، ترجمة غانم هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2013،  ص 59-61

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق