إمانويل مونييه: الشخصانية بمضمون جديد
21 اكتوبر 2014 | 1 تعليق

ذوات - نزهة صادق

أعطى الفيلسوف الفرنسيإمانويل مونييه للشخصانية، مضموناً آخر عبر ربطها بالفكر المسيحي والميتافيزيقي والفلسفة، وأوضح قيامها على المسيحية من جهة والاشتراكية من جهة آخرى، إنه رائد التيار الشخصاني بفرنسا، والمفكر الذي تجاوز الخلط بين الشخص والفرد، وحاول تذويب الشخص في العقل المجرد والقيم اللاشخصية، واعترض على التقليد المثالي الذي كان ينظر إلى الشخص، باعتباره الذات الخالصة.

وقد منح مونييه للشخصانية وجهاً جديداً، في سياق عرف الصراع بين النزعة الفردانية والنزعة الشمولية، وأدى إلى قهر الإنسان، مما دعا وبشدة إلى العودة إليه والدفاع عن كرامته وحقوقه وقيمته، وساهم في بروز مذهب الشخصانية، الكلمة التي استعملت أول مرة في الولايات المتحدة من طرف العالم برونسون آلكوت(1863)، وكذلك الشاعر والت ويتمان (1867).

وتنبني فكرة الشخصانية بالأساس على فكرة أن "للشخص الإنساني قيمة مطلقة، من حيث اتصافه بصفات تمكّنه من المشاركة العقلية والوجدانية في العلاقات الإنسانية، وتهدف إلى تحقيق وجوده كفرد. والشخصانية بهذا المعنى هي دراسة تأريخية واجتماعية للفرد، وهو يتطور من شخصية إلى أخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يتحلى به الفرد من أصالة في التفكير، وإبداع في التخيل، ودقة في الشعور، وقوة في التعبير؛ أي جميع الصفات التي تميز أسلوبه الشخصي، رأيه وهويته التي تميزه من غيره".

ولد مونييه في مدينة كرونوبل في فرنسا، في عائلة جد متواضعة، وذات توجه كاثوليكي بامتياز، كان أبوه صيدلياً، وجده فلاحاً، وبعد إكماله لدراسته، أصبح مونييه أستاذاً مبرزاً في الفلسفة ودرس في العديد من الثانويات من بينها"لوبارك" و"فين"، تأثر في أعماله بكل من الفيلسوف هنري بيرغسون وتشارلز بيكو.

أنشأ مونييه مجلة "الروح" في أكتوبر(تشرين الأول) عام 1932، وكان الهدف من إنشائها، مناهضة الحضارة الأوربية التي تقوم على المادية المفرطة، وهو ما جعلها تعاني من أزمة روحية؛ أي غياب تربية روحية شخصانية، ففي نظر مونييه التغيير يجب أن ينبني في أساسه على تغيير الفرد وليس تغيير العالم؛ أي أن البناء الأخلاقي الذاتي الروحي للفرد هو الضامن لتغيير العالم وليس العكس، وبالتالي فالتربية يجب أن تقوم على ثورة روحية تعيد الوحدة بين الروح والمادة في الشخصية، وتؤسس لنزعة تعتبر الشخص كائنا يعيش في إطار اجتماعي كوني، متفتح على الأشخاص الآخرين ويتمتع بروح متسامحة، إزاء كل الأديان، ويمكناعتبار هذه الأفكار اللبنة المؤسسة لموقف مونييه الواضح في رفض الماركسية والمادية بكل أشكالها.

يقول مونييه محدداً مفهوم الشخصية من منظور شخصاني: " إن الشخصية نشاط معيش، أساسه الإبداع الذاتي والتواصل والانخراط يحيـط بذاته عليها داخل فعله"، ولا يتحقق وجوده مع الآخرين إلا في إطار الفعل الحر المتجدد، فحرية الشخص كائنة في ذاته، وتشترط بالوضع الواقعي له، ولا تتحقق إلا عندما يتحرر الإنسان في إطار التشخصن؛ أي يتحررمن فردانيته، ومن سلطة تريد أن تخضعه لقوالب جاهزة ، وبهذا الصدد يقول مونييه: "الفعل الأول للشخص هو أن يبني مع الآخرين مجتمع أشخاص بحث"، ولتخرج الذات من عزليتها وفرديتها وتنفتح على الآخرين وتتواصل معهم، وتفهم آلامهم، وجب اعتمادها لحرية مشروطة ملتزمة تحترم الغيروالقيم.

غادر الحياة عام 1950 عن سن يناهز 44عاماً بسبب سكتة قلبية، غير أن توقف نبض قلب مونييه لم يوقف نبض مفهوم الشخصانية التي سعى من خلالها إلى تحرير الإنسان من كل الموعقات التي تحد من انطلاقته في إطار الفعل الحر المتجدد الذي يرفض كل تفكير جامد يدعو إلى توجيه الإنسان إلى كيتوهات مغلقة، مؤدياً به إلى التخلي عن شخصيته وحريته. ورأى أن الحرية تتطلب فن البحث، تحمل المسؤولية، العطاء ، الإخلاص، والخروج من الذات، حتى يتسنى لها ملامسة الحقيقة التي تعد مصدراً دائماً للبحث.

كما ترك إرثاً مهماً، وتعد مجلة "الروح" أهمه، كان له أفضال كثيرة على أروبا، حيث تمكن من خلالها مونييه من التأكيد على أن كرامة الإنسان غير قابلة للتصرف وبأن وجوده يكتسب من خلالها ، فهي لا تكسبه حقوقه فقط، بل حتى الأرض التي يمشي عليها.

 

التعليقات السابقة

الشخصانية

ندى
30 ديسمبر 2014‎

رائع بارك الله فيك لقد ساعدني هذا في بحثي شكرا






أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق