الأكاذيب أدوات ضروريةً ومشروعة لحرفة السياسي
14 مارس 2016 | 0 تعليق

ذوات

اعتبرت الأكاذيب على الدوام أدواتٍ ضروريةً ومشروعة ليس لحرفة السياسي الداهية والديماغوجي وحسب، بل لحرفة القائد السياسي المحترم أيضاً؛ الأمر الذي يقود أي باحث في علاقة السياسة بالحقيقة إلى مجموعة من الأسئلة مثل  لماذا يكون الأمر هكذا؟ وما دلالة ذلك فيما يتعلق بطبيعة المجال السياسي ومقامه من جهة، وبطبيعة الحقيقة والصدق ومقامهما من جهة أخرى؟ هل الحقيقة بجوهرها عاجزة، والسلطة بجوهرها خداعة deceitful (trompeuse)؟ وأي نوع من الوجود الواقعي سيكون للحقيقة إن تكن لا سلطة لها في الفضاء العمومي، الذي يضمن أكثر من دوائر الحياة الإنسانية الأخرى واقعية لوجود الناس الذين يولدون ويموتون، أي لوجود كائنات تعلم أنها خرجت من عدم، وسوف تعود إليه بعد حين؟ وأخيراً، ألن تـُـزْدَرَى حقيقةٌ عاجزة قدر ما تـُـزْدَرَى سلطة لا تأبه بالحقيقة؟

يتطرق مقال" الحقيقة والسياسة"  للمفكرة الألمانية حنا آرندت، والذي ترجمه الباحث المغربي الحسين سحبان، ونشر على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، إلى قصة النزاع بين الحقيقة والسياسة، الأمر الذي يعد  قديما ومعقدا، ولن نظفر، كما جاء على لسان المترجم،  بأي شيء من وراء تبسيطه، أو الشكوى الأخلاقية منه.  فلقد كان الباحثون عن الحقيقة وقائلوها عبر التاريخ واعين على الدوام بمخاطر مهنتهم. وكانوا حين لا يتدخلون في مجرى العالم يسخر منهم ويستهزئ بهم، بيد أنّ من يرغم [منهم] مواطنيه على أن يحملوه على محمل الجد بمحاولته تحريرهم من الباطل falsehood، إنما يعرض حياته للخطر: "وإن أمكنهم الإمساك بإنسان كذاك... فإنهم سيقتلونه"، كما قال أفلاطون في الجملة الأخيرة من أسطورة الكهف. إنّ النزاع الأفلاطوني الذي يقيم التعارض بين قائلي الحقيقة وبين المواطنين، لا يمكن أن يفسر لا بالمثل اللاتيني [المذكور]، ولا بأيّ نظرية من النظريات اللاحقة، التي تبرر صراحة أو ضمناً الكذب، ضمن انتهاكات أخرى، متى كان بقاء المدينة في خطر.

حسب قول اسبينوزا، بالاعتراف: "بأنّه ليس هناك قانون يعلو على أمننا وسلامتنا في حياتنا الخاصة" ؟ ولمّا كان من الممكن بالتأكيد إحلال كلّ مبدأ يسمو فوق الوجود البسيط محل العدالة، فإننا لو وضعنا مكانها الحقيقة - لتكن الحقيقة، وليهلك العالم "fiat veritas, et pereat mundus" - فسوف يبدو لنا المثل اللاتيني القديم أكثر اتساماً بمظهر المعقولية والصحة. وإذا تصورنا الفعل السياسي، بمفردات الوسائل والغايات، فسيكون في وسعنا أن نتوصل إلى استخلاص نتيجة لا تتناقض إلا في الظاهر، وهي أنّ الكذب في وسعه أن يكون مفيداً جداً في إعداد شروط البحث عن الحقيقة، كما أشار إلى ذلك منذ زمن بعيد  هوبز، الذي لا يخلو منطقه القاسي من التمادي في المغالاة في الحجج إلى حدود التطرف، حيث تصير منافاتها للعقل واضحة. إذ لمّا كانت الأكاذيب تنوب في الغالب مناب الوسائل العنيفة، فمن السهل اعتبارها بمثابة أدوات غير مؤذية نسبياً ضمن ترسانة الفعل السياسي.

وإذا أعدنا النظر في المثل اللاتيني القديم، فسوف يظهر لنا من المفاجئ بعض الشيء أنّ التضحية بالحقيقة في سبيل بقاء العالم قد تكون أتفه من التضحية بأي مبدأ آخر، أو أية فضيلة أخرى؛ إذ بينما يمكن لنا أن نـمتنع حتى عن سؤال أنفسنا عمّا إذا كانت الحياة ستبقى جديرة بأن تعاش في عالم جُرِّدَ من مفاهيم، مثل مفهوم العدالة ومفهوم الحرية، فإنّ العجيب أنّ الشيء نفسه ليس ممكناً بالنسبة إلى فكرة الحقيقة، وهي أبعد ما تكون، في الظاهر، عن السياسية.

للاطلاع على المقال كاملا يرجى زيارة الرابط

http://goo.gl/1OBI45

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق