الإسلام والديمقراطية
11 مايو 2016 | 0 تعليق

ذوات

استأثرت مسألة العلاقة بين الإسلام و الديمقراطية بمساحة واسعة من البحث و الدراسة، سواء في الوسط الغربي أو العربي الإسلامي، غير أن الملاحظ في هذا السياق ارتهان كثير من الأبحاث التي تناولت الموضوع بمنطق أيديولوجي يروم بالأساس الانتصار للمركزية الثقافية، سواء تعلق الأمر بهاجس الدفاع عن الإسلام من خلال التركيز على القيم الدمقراطية التي يحفل بها مستحضرين بذلك مفاهيم يجدها البعض أقرب إلى الديمقراطية كالشورى، أو بمنطق النفي المبني على تقويض التجربة الإسلامية من خلال التركيز على أن القيم الديمقراطية هي ابنة الحضارة الغربية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الحديث عن إمكانات مغايرة للنموذج الغربي في بناء جسور لتبيئة المفهوم .

من هذا المنطلق، يشكل البحث الذي قدمه جيمس غولد james Gould المتخصص في ثقافة الشرق الأوسط والثقافة الإسلامية، والديبلوماسي في وزارة الخارجية الكندية، والتي نقلها إلى العربية حاتم عبيد؛ لتعيد فتح مديات جديدة في التفكير في مسألة العلاقة بين الديمقراطية و الإسلام، متجاوزا تلك المقاربات الحدية الاختزالية، إذ نجد في البحث إشارات إلى وجوه أخرى من اللّقاء، الذي يمكن أن يحصل بين الإسلام والديمقراطيّة. نعم، لا يتردّد المؤلّف في القول إنّنا نعدم في الإسلام تفاصيل تخصّ نظام الحكم، وكيفيّة إدارة شؤونه، تُسعفنا في بناء دولة ديمقراطيّة على النهج الغربيّ، ولكنّ ذلك لا يمنع، في تقديره، من أن نعثر في التأويلات المعتدلة للقرآن، وفي التاريخ، على مبادئ عامّة يمكن أن تمثّل نواة حكم رشيد تلائم النظام الديمقراطيّ، وتستطيع (إذا قام عليها نظام الحكم في الدول ذات الأغلبيّة المسلمة) أن تمتصّ مخاوف المواطنين، وتقلّل من شعورهم بالإحباط، وتحدّ من فرارهم إلى الدين، وتستوعب المتطرّفين، وتقنعهم بأنّه لم يعد هناك حاجة إلى حمل السلاح. بهذا يتحوّل الإسلام إلى قوّة بانية، وإلى عنصر إيجابيّ في المجتمع، بدل أن يظلّ عنصراً خارجيّاً لا خيار للأحزاب المتكلّمة باسمه إلا العنف. والمؤلّف حذرٌ هنا، فلم يفته أن ينبّه إلى أنّ قيام نظام على مثل تلك المبادئ، لا يعني، بالضرورة، أنّه سيكون ديمقراطيّاً بالمعنى اللّيبراليّ الغربيّ.

 يلمس القارئ في دراسة جيمس نفسا نقديا للأطروحة القائلة بعدم إمكانية دمقرطة الإسلام من خلال  تناول مجموعة من العناصر الفكرية في الموضوع، إذ أقر في بداية الأمر أن من تمسك بالتصور الغربي للديموقراطية لن يرى في الدول ذات الأغلبية الإسلامية إلا تهديدا للديموقراطية ومعاداة قيمها، مما يفضي إلى وجود أصوات تحارب الديمقراطية باسم الإسلام. معللا ذلك بكون التاريخ والواقع يبرزان أن الدول ذات الأغلبية الإسلامية تعاني من اختلال معنى ومفهوم الديمقراطية في واقعها السياسي. ولكي يتضح ذلك الإشكال العويص للديمقراطية في الدول لإسلامية تحدث عن تجربة الأحزاب السياسية الإسلامية في هذه الدول تركيا-أفغانستان... والمؤلف لا ينكر أن هذه الأحزاب الإسلامية يمكن أن تحقق ما يطمح إليه جزء كبير من مواطنيها محذرا أن تكون الانتخابات مطية الإسلاميين إلى السلطة، فإن اعتلوها غيروا قواعد اللعبة وأداروا وجوههم عن مطالب شعبهم. ثم تحدث عن الأثر الذي أحدثه

كتاب صمويل هنتغنون الذي عنون بصدام الحضارات وإعادة النظام العالمي، إذ أبرز كاتبه طبيعة الدول الإسلامية ونفى عنها شرعية الديمقراطية بقوله: "فسائر الدول الإسلامية ليست في الغالب ديمقراطية فهي إما ملوكية و إما قائمة على نظام الحزب الواحد أو على نظام عسكري أو على ديكتاتورية الأفراد ، أو هي توليف بين تلك العناصر كلها ، معززا هذا الموقف بكون تلك الدول في أغلبها ترتكز على قاعدة محددة في الروابط العائلية أو العشيرة و القبيلة ، وعزز هذا الأمر بمواقف مجموعة من الشخصيات العربية ، بما في ذلك استطلاعات الرأي التي أجريت في الدول الإسلامية ، وأقرت أن مواطني هذه الدول يتطلعون إلى الديمقراطية التي تمثل الحل الأنسب لحكم بلدانهم ، نتيجة ما يواجهونه من بنية لسياسية قمعية على نحو يكون الإسلام موصلاتهم، وهو الحل الذي يقدمه الناشطون السياسيون، لكن بما اصطلح عليه المؤلف فخ الانتخابات الحرة و شعارها الحريات العامة .

 القناعة التي خلص إليها الباحث في دراسته هي كالتالي:

ليس الإسلام هو الذي يحدّ من تطوّر الحرّيات الديمقراطيّة في البلدان ذات الأغلبيّة المسلمة، وإنّما هي عوامل سياسية محضة، تتّصل، مباشرةً، برغبة أيّ نظام سلطويّ في البقاء في الحكم، وبخشيته من فقدان ذلك الحكم.

وتُعدّ السياسة، في أغلب الدول الإسلاميّة، شأناً ذاتيّاً استناداً إلى المبدأ الآتي: أنا في الحكم، وعليّ أن أحافظ عليه، حتى أحمي نفسي، وأحمي كلّاً من عائلتي، وعشيرتي، وقبيلتي، وجماعتي العرقيّة، وحزبي، ومجموعة أقراني، وثروتي الشخصيّة، وقدرتي على أن أجمع ثروة أكثر. إنّه وضع يقوم على ثنائيّة رابح - خاسر. إن فزتم، خسرتُ كلّ شيء، ومن ثمّ، لا أستطيع أن أدعكم تربحون، ولو قليلاً؛ لأنّ حجمي سيتضاءل، ويمكنكم أن تستغلّوا ضعفي هذا.

وختم الباحث الدراسة باستعراض نمط من  القراءات الأخرى للديمقراطية و الإسلام  التي تحفل بها الشبكة العنكبوتية ووسائل الإعلام ، ومجلات متخصصة في الموضوع، محذرا من خطورتها إذ يغيب على معظمها النفس العلمي الموضوعي.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق