الإصلاح القادم يديره القادة الاجتماعيون والمبدعون في مرحلة من الفوضى وعدم اليقين
14 فبراير 2017 | 0 تعليق

* الكاتب الأردني إبراهيم غرايبة
إبراهيم غرايبة*

تؤشر التحولات الاجتماعية والاقتصادية المصاحبة للشبكية (تكنولوجيا المعرفة) إلى تحديات جوهرية تواجهها النخب التي تشكلت حول الدولة الحديثة ومواردها، وإلى فرص قوية لصعود نخبة جديدة من القادة الاجتماعيين والمبدعين.

ولا بأس من التذكير بما في ذلك من ملل وتكرار بالتشكلات الحضارية والاجتماعية التي رافقت التقنية والموارد؛ فقد استمدت حركة الإصلاح الديني في القرنين الخامس عشر والسادس عشر والثورة البريطانية (1688) فرصها وتأثيرها من المطبعة وآلات النسيج الجديدة التي غيرت في احتكارات الصوف وأدخلت القطن، كما أنشأت بطبيعة الحال مصالح وقيادات تجارية واقتصادية جديدة، وكان أهم ما أنجزته أنها كسرت الاحتكار السياسي للموارد والاحتكار المؤسسي الديني، وجعلت فهم الدين وتطبيقه متاحا للناس كما أتاحت للطبقات المهمشة من قبل فرص المشاركة والمنافسة الاقتصادية. ثم تبع ذلك الربيع الأوروبي المؤسس للديمقراطية الحديثة، والذي استمد تأثيره الأساسي من الآلة البخارية والنقل الحديث والكهرباء وسكة الحديد، هكذا انهارت الإمبراطوريات والأرستقراطية المصاحبة لها، ثم انهارت الشيوعية نفسها التي جاءت بها الكهرباء والوعي المصاحب لها، انهارت بفعل تقنيات الحاسوب الإعلام الفضائي والفاكس. وكان الربيع العربي (2011) من متواليات الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، أو هو الطبقة الوسطى مضافا إليها الإنترنت.

هل يمكن التصدّي لحراك التقنية وما يصحبها من تحولات؟ يقول التاريخ: لا يمكن، بل يزيد ذلك الأزمات والخسائر، فروسيا القيصرية رفضت إدخال تقنيات النسيج وسكة الحديد بعكس  بقية دول أوروبا. وكان تفسير القيصر لذلك، بوضوح وصراحة، إنها تقنيات تشجع على الثورة، ثم كرّرت الشيوعية أخطاء القيصر الروسي، في محاولة حظر التقنية الجديدة، ومنع الناس من الاستفادة منها واستخدامها. وفي بريطانيا، بذلت الملكية جهوداً كبرى، لمنع آلات النسيج واستخدمت الكنيسة لتحريم منتجات هذه الآلات ومنع استخدامها، وحاولت منع التوسع والاتجاهات الجديدة في إنتاج الملح في أمريكا والهند. كما حاولت الطبقات الأرستقراطية في فرنسا السيطرة على إنتاج الملح وتسويقه.. وفي سورية وليبيا والعراق، حظرت الإنترنت وأجهزة الفاكس والاتصالات ... ثبت أن الدول التي تواجه التحولات والحقائق الجديدة بالحظر والقمع تتعرّض للفوضى والاحتجاج المدمر، وأن الطبقات التي تحاول الحفاظ على امتيازاتها بالمواجهة والعداء تعصف بنفسها.

ماذا تعني قدرة الناس جميعاً على اختلاف أعمارهم ومستوياتهم التعليمية والاجتماعية على استخدام الحواسيب والموبايلات الذكية والمتقدمة؟  إن "البداهة" التي استخدمت في تصميم هذه الأجهزة والبرمجيات ليكون في مقدور الإنسان العادي استخدامها من دون حاجة إلى مختصين أو إلى خبرات تقنية وعلمية معقدة، تنشئ متوالية من الذكاء الجمعي المتحصل، وتتحول البداهة إلى فلسفة فكرية وثقافية ودينية، ففيما أنشأته من تداخلات بين المعارف والعلوم والاختصاصات وما أتاحته من معرفة علمية متقدمة لجميع الناس، صارت المنظومات المعرفية والدينية والثقافية والعلمية تطبيقات «بدهية» تمكّن المستخدم من استيعابها وتطبيقها بالقدرة نفسها على استخدام الأجهزة الذكية والمتقدمة. ماذا يحدث للعالم، عندما يقدم الدين بــ «بداهة» علمية وتقنية تجعل فهمه واستخدامه وتطبيقه متاحاً لكل أتباعه والباحثين في شأنه؟ فإذا أنشأت المطبعة الثورة الدينية والسياسية التي غيرت في الدين والحكم والسياسة والاقتصاد؛ ماذا يمكن أن تغير تكنولوجيا المعنى المتنامية والمتجهة إلى السيادة؟ سوف تكون المنظومة الدينية مفتوحة لسؤال المعنى والجدوى والبقاء والبحث، بدءا من رجال الدين ومؤسساته إلى محتواه وتطبيقه، ومن ثم علاقة الأفراد والسلطة والجماعات والمجتمعات بالدين، ويبدو بدهياً أنه يتحول أو يعود شأناً فردياً خالصاً لا علاقة به للسلطة والمجتمعات والجماعات، ذلك أنها وببساطة علاقة تاريخية، وليست ضرورية ولا بنيوية نشأت من الحاجة إلى فهم الدين. فقد كان هؤلاء الكهنة والمفتون والعلماء والأئمة والدعاة والواعظون والخلفاء والحكام والقادة الاجتماعيون والسياسيون يكتسبون مواقعهم وأهميتهم ومواردهم وسلطاتهم من حاجة الفرد إلى الدين والمعرفة وعجزه عن تحقيق حاجته هذه، أما وقد صار ممكنا للفرد كل فرد أن يحصل على احتياجاته المعرفية والروحية من غير حاجة إلى المؤسسات الدينية والتعليمية والسياسية، فإن هذه المؤسسات تتغير جوهريا إن بقيت ولم تنقرض، وبالطبع فإن النخب القائمة على هذه المؤسسات تنقرض أيضا.

والحال أنها مؤسسات، رغم قدمها وسطوتها واستمرارها على مدى القرون كانت مستمدة من حاجة الفرد إليها، هذا الاستغناء الفردي عن المؤسسات ليس مقتصراً على الدين، فتقنيات المعنى والمحتوى تغير في الحكومات والمدارس والجامعات وفي الحاجة إلى مهن وأعمال كثيرة في الإدارة والتعليم والرعاية الصحية والصيانة؛ فالإنسان القادر على أن يعمل لنفسه وبنفسه أو المتجه إلى ذلك يعيد تشكيل المعابد والوزارات والمؤسسات والوظائف الدينية والاجتماعية. لكنه وبالتأكيد في فرديته هذه سوف ينتج معنى وفهماً وتطبيقا جديدةً للدين مستمداً من معرفته وحاجاته الذاتية وما يتوقعه. ومؤكد أيضاً، أن الحديث عن مكافحة الإرهاب والتطرف سيتحول إلى معرفة تاريخية تثير العجب والصدمة مثل أكل لحوم البشر.

ما معنى الإصلاح في العصر الشبكي؟

الحال أن العالم يمر بمرحلة انتقالية غير واضحة مليئة بالفوضى والخوف، وفي مثل هذه المرحلة، فإن خيارات الأمم أن تتبع خوفها وما ينشئه ذلك من نكوص وفشل وربما انقراض، أو أن تسلم قيادها لنخب جديدة يتوقع أنها الأفضل أو الأنسب لتقود المجتمعات وتنظم الموارد؛ ليس لأنها تعرف؛ فلا أحد يعرف اليوم، ولكن لأنها المرشحة لتكون الأكثر نزاهة وكفاءة، ولذلك يفترض أن تتقدم القيادات الاجتماعية بالنظر إليها تعكس القواعد الاجتماعية الممتدة وتطلعاتها واحتياجاتها وأولوياتها وإن كانت غير قادرة بعد على إنجازها، والفئة الأخرى هي المبدعون ممن يقدمون أو يحاولون أن يقدموا أفكارا وتطبيقات وتصورات جديدة أو بديلة للأزمات والتحديات القائمة. هكذا يتقدم  القادة الاجتماعيون والمبدعون لاستيعاب الفوضى والتغيرات الجوهرية في الموارد والسياسة والثقافة، ويكونون هم العمود الفقري للنخب وتشكيلاتها السياسية والاقتصادية، وبالطبع فإن ذلك حالة انتقالية؛ إذ سوف تتشكل قيادات سياسية واقتصادية لكن يجب أن تظل المجتمعات قادرة على الاستقلال وتقديم القادة الذين يعكسون استقلالها وولايتها لأجل حمايتها، ولأن المجتمعات هي الأولى والأقدر على استشعار التغير في السلع والأسواق والموارد، والأقدر أيضا على تحديد احتياجاتها وأولوياتها، ولأنها الضامن الأساسي للثقة والرضا، فبغير مشاركة المجتمعات وولايتها لن يكون في مقدور السلطات السياسية والنخب أن تواصل دورها، وأما المبدعون فهم الأقدر على التفكير والاختيار في مرحلة منقطعة عن الماضي وتنشئ أفكارها وآفاقها من غير علاقة واضحة مع الماضي والحاضر.

إصلاح قائم على عدم المعرفة

هكذا يبدو الإصلاح بأنه الحريات الناشئة عن عدم المعرفة، فلأننا لم نعد نعرف، فإننا نطلق الحريات إلى أقصى مدى ممكن ونترك للمجتمعات أن تختار قادتها ونخبها ولجميع الناس أن تفكر في حرية تامة، ثم تجرب المجتمعات من خلال الانتخابات والأدوات الممكنة للاختيار الأفكار والبرامج والسياسات والتشريعات، وتظل تراجعها دوريا وعلى نحو متواصل بلا ضمانة لإدراك الصواب أو الاقتراب منه سوى الحرية؛ ما يعني بالضرورة أن كل المقولات والأفكار يجب أن تنال الفرصة نفسها من الحرية والقبول وفرص المشاركة والتعبير عن نفسها.

لكن في ظل عدم اليقين هذا تتشكل القيم المنشئة للإصلاح، فهذا التقدم العلمي والتكنولوجي المنجز مستمد من عدم اليقين، فهون محاكاة للإنسان في لغته وتفكيره وتذكره وتداعياته وإدراكه، تقوم على الاحتمالات وعلوم اللغة وعلم النفس بما يحوطها من ريبة ونقص في المعرفة، هكذا فهذا العالم الجديد من الموارد والفرص تنظمه أيضا قيم عدم اليقين والاحتمالات .

وفي التشبيك وثورة الاتصالات، أمكن إتاحة المعرفة والمحتوى على شبكات الإنترنت والاتصالات؛ ما أتاح المجال بلا حدود لجميع الناس في الاطلاع والتواصل والإحاطة المعرفية والتدريب والتعليم والتعلم والتأثير والتجمع وتبادل المعلومات والخبرات والتسويق والبيع والشراء... على نحو مدهش، بتكاليف قليلة وبمهارات ممكنة لجميع الناس، لدرجة أن العالم القائم اليوم يمكن وصفه ببساطة "access" الوصول إلى الشبكة، فبمجرد الوصول إلى الشبكة يصبح الأفراد والشركات والمجتمعات والجماعات أعضاء متساوين (تقريباً) في التأثير والمشاركة، .. وهكذا تشكلت مساواة مدهشة تقترب من أن تكون مطلقة! ولم تعد ثمة حقوق لفرد أو طبقة سوى المعرفة.

 لم تعد الحريات والمساواة زينة جميلة أو قيمة عليا معزولة عن الحياة، لكنها اليوم أساس الموارد وتنظيمها، فما من خيار أمامنا في مواجهة التحولات سوى الحريات والمساواة لعلها ترشدنا إلى فكرة تساعدنا أو تحمينا،  وبدون هذه الحريات والمساواة، فإن الدول والمجتمعات معرضة للانهيار، فلم تعد الدول وجيوشها وأجهزتها الأمنية والبيروقراطية قادرة على إدامة المؤسسات والأسواق والأعمال والعلاقات، وليس في مقدورها أن تتحكم في أدوات التفكير والتأثير وعلاقاتها، لأن النقود والمعلومات والمعرفة والسلع والخدمات تتدفق اليوم بلا استئذان، وما من وسيلة للمواجهة سوى التكيف والبحث عن الفرص والقيم والعلاقات الجديدة المنظمة لحياة الناس ومواردهم.

فرص اجتماعية وإصلاحية جديدة في الشبكة

تتيح شبكات الإنترنت والتواصل الاجتماعي المجال واسعا لتنظيم المدن والمجتمعات، وتشكيلها حول قضاياها وأولوياتها. وبذلك، فإن المجتمعات والمدن قادرة اليوم، بسهولة، على بناء مؤسسات وتجمعات من غير تكلفة مالية، وبإمكانات فنية متقدمة، وقدرات عالية على التأثير والتجمع. إذ يمكن، بسهولة بناء مجموعات وشبكات، تستهدف التأثير على السلطة والمجتمعات والأسواق، مثل رصد حالات الظلم والفساد والرشوة والتقصير، والتشهير بها ونشرها؛ وإنشاء مجموعات نقاش وتواصل محدودة وضيقة للأحياء والبلدات، لتقييم أداء المؤسسات المحلية ورصد مشكلاتها: المدرسة والعيادة والنادي والحديقة والمكتبة العامة والفضاءات العامة، والخدمات البلدية والاستهلاك. ويمكن تحويل سكان الحي أو البلدة، إلى مجموعة واحدة تتبادل المعلومات والأفكار حول القضايا الأساسية والمشكلات التي تهم ساكني الحي، والتشاور حول تحسينها، والتواصل مع وسائل الإعلام والمعنيين بها.

ويمكن بناء شبكات وبرامج رقابية على المؤسسات والأعمال المحيطة. ويفضل تحديد الأهداف والمجالات وتضييقها، لتكون على مستوى المدن والمجتمعات المحلية، ففي ذلك تواصل أكثر خبرة وحميمية، وأكثر كفاءة وفاعلية؛ فتكون المدارس والعيادات والبلديات ودور العبادة والمحال التجارية والمطاعم، والتي يفترض أن يعرفها ويتعامل معها جميع الساكنين. ثم تتطور علاقات السكان ببعضهم، لتنظيم عمليات الانتخاب البلدية والنيابية والنقابية وتطويرها، وتقييم أداء النواب وأعضاء المجالس البلدية والنقابية، أو لبناء شبكات تعاون وعلاقات اجتماعية فاعلة ومفيدة.

ويمكن للمجتمعات المحلية الصغيرة، والمركزية الكبرى، أن تطور، من خلال الشبكة، ولايتها ومشاركتها الثقافية، ووعيها ذاتها ووجودها، فتكون فضاء مفتوحاً للمعرفة والخبرات في الشعر والموسيقى والطهو واللباس والمسرح والقصة والرواية والعمارة والأثاث. ويمكن، أيضاً، تقديم المعلومات والخبرات المتاحة في تصميم البيوت والملابس وتطويرها، وحل المشكلات القائمة. ويقيّم المشاركون، أيضاً، أداء المؤسسات الثقافية والفنية، ويتولون بأنفسهم تطوير الثقافة والفنون ورعايتها، بدلاً من وصاية المؤسسات العامة والخاصة، ولتكون شريكة، وليست وصية على الناس وثقافتهم.

وفي إنتاج الناس ثقافتهم ووعيهم، يبدأ الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بالتبلور والوضوح لدى المجتمعات والنخب؛ فما يشكل الناس أفضل من أي شيء آخر حول مطالبهم وأهدافهم، هو القدرة على التعبير عنها ثقافياً وفنياً. ففي الثقافة والفنون، تستودع الأمم، كما يقول هيغل، أسمى أفكارها. والنقطة الأساسية، هنا، أننا بالشبكية نحرر الثقافة والفنون من الهيمنة والوصاية، لتكون ملكاً للمجتمعات، ولتدير بها برامجها وقدراتها على تقييم البرامج والقيادات السياسية والاجتماعية.

ليست الشبكية مجرد تقنية يجري تطبيقها، سواء في الإصلاح أو التأثير أو التسويق أو في أي اتجاه، وإنما هي منظومة جديدة تغير الاتجاهات العامة والاجتماعية للناس، وتكرس فلسفة ومفاهيم وقيماً جديدة، أو تعزز قيماً ومُثلاً جميلة معروفة من قبل.

يجب التذكير بأن ذلك لا يحدث تلقائيّاً، ولكنه يتحقق بالوعي والإدراك المفترض أن يصاحب التقنيات الجديدة. وما تعنيه الشبكة ويجب أن تدركه المجتمعات والجماعات الإصلاحية، هو المساواة التي تكاد تكون مطلقة أو مثالية، ففي هذه القدرات المتساوية في المعرفة والوصول إلى مصادرها، يجب/ يفترض أن تنشأ مساواة اجتماعية جديدة ومختلفة. والتقنية كانت على الدوام أداة في المساواة الاجتماعية، والاقتراب منها، لكنها اليوم في الشبكية ممكنة جداً، وبمستوى غير مسبوق.

وفي القدرات التقنية الجديدة والمساواة المصاحبة، لم يعد ثمة فرصة لبقاء الهرمية التي ظلت قائمة على مدى التاريخ... العالم أصبح شبكة ولم يعد هرماً، وفي الشبكة، لا توجد نخب وأقليات تهيمن على القواعد، بل كل عضو فيها من يستطيع الوصول إليها، ويصبح مركزاً مساويّاً في أهميته وتأثيره لكل عضو آخر في الشبكة. وفي هذه المساواة الجديدة، وفي انهيار الهرم، تتشكل مجتمعات وقيم ونخب وفرص، وتذهب أخرى.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق