الإنسان لا ينظر إلى العالم من خلال حاجياته المادّية فحسب، بل يضفي على الأشياء معنى
23 مارس 2016 | 0 تعليق

ذوات

يؤكد الباحث والمترجم  سامي الرياحي أنّ الإنسان يقاوم الطبيعة المحيطة به، كي يستمرّ في الوجود. غير أنّه لا ينظر إلى العالم من خلال حاجياته المادّية فحسب، بل يضفي على الأشياء معنى يخرجها من بساطة المعطى الموضوعي ليدخلها إلى مجال الرّموز أو القيم، والإناسة الدّينيّة جزء من معاينة الوجود ومن نشاط آخر خاصّ بوضعنا البشري إلى جانب النشاط التقني، ألا وهو النشاط الرمزي.

ولتوضيح طرحه، ينطلق الرياحي من مجموعة من الأسئلة كما الذي يميّز الرّموز الدّينيّة ـ أعمال التصوّر وأعمال تكوين هذه الرموز أو استعمالها باعتبارها مجموعة من المواقف نحو بعضها بعضاً ـ عن بقيّة الرموز الثقافيّة؟ وباختصار: ما الذي يحدّد المجال الدّيني؟

ويضيف الرياحي أن  هذا السؤال ليس له معنى عميق عند الشعوب التي كنّا نطلق عليها تسميّة الشعوب البدائيّة، لأنّ الثقافي برمّته يوازي الدّين بأكمله تقريباً، فالأسطورة تحدّد تصرّفات الفلاح والصيّاد والقنّاص مثلما تحدّد هندسة مسكنه وطريقة تناوله للطعام وممارسته للجنس وموته، حقّاً قد يكون عالِم الأعراق (الإثنولوجي) أكثر إحساساً على الميدان بما هو خفيّ وباطني ممّا يشكّل نسيج الحياة اليوميّة، وربّما يقدّم في وصفه صورة تعطي قيمة للظواهر الدّينيّة على حساب الظواهر الأخرى، فكلّ ما ليس رمزيّاً موجود أيضاً، وإلى جانب الفكر الأسطوري، فإنّ فكراً تجريبيّاً يصنع من التجربة الغنيّة جدّاً مواد طبيعيّة، ومن ثمّ ينبغي أن نحدّد مجال المقدّس مقارنة بمجال المدنّس، فنحن، على حد قول الرياحي،  نعتقد بعد دوركهايم أنّ الدّيني يتحدّد بواسطة هذه المقابلة ذاتها؛ إذ ليست لدينا نيّة لفرض آفاقنا العرقيّة ومفاهيمنا، وفي اعتقادنا ليست لدينا نيّة البحث عن تفسير لهذا الشعور نحو المقدّس فهو شكل من أشكال "التقديس" وفق رودلف أوتّو (Rudolf Otto) أو هو وعي بالمشاعر الجماعيّة نابع من تجمّع الأفراد حسب دوركهايم أو أيّة نظريّة أخرى. ويكفي أن ننطلق عند كلّ شعب من دراسة الأنظمة التي يوفّرها لنا السكّان الأصليون ممن نقوم بدراستهم كي نصف مجمل الظواهر المسماة "دينيّة" وكذا المؤسّسات التي يدعمونها وطرائق تعاملهم مع ما يتصوّرونه مقدّساً. وينبغي إثر ذلك أن نتحاشى إمكانية المقارنة الخارجية بين هذه الأنظمة قدر الإمكان في مادّة بحثنا.

وتدخل هذه الأسئلة المحورية حول ما يسمى بالأناسة الدينيّة، والتي يعتبرها الرياحي، كما جاء في ترجمته التي نشرت على موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، بأنها  جديرة بهذا الاسم وينبغي أن تنفصل عن علم الأعراق الدّينيّ. فهذا الأخير يدرس أساساً الدّيانات في المجتمعات الصغيرة (المجتمعات القبليّة) ويفسح المجال لعلم آخر هو علم اجتماع الأديان للاهتمام بدراسة الدّيانات الكونيّة الكبرى التي تتجاوز أطر المجموعات العرقيّة: المسيحيّة والإسلام والبوذيّة. وبدلاً من ذلك، فإنّه ينبغي في الحدّ الأقصى أن تكتشف الإناسة الدّينيّة نظاماً قابلاً للتطبيق بشكل جيّد على الدّيانات الكونيّة أكثر من تطبيقه على الدّيانات المخصوصة في كافة المجتمعات الصغيرة الأستراليّة والأمريكيّة الهندية وغيرها.

وقد واجهت الرياحي في مهمة كشف الإناسة كنظام قابل للتطبيق جملة من الصعوبات ، أولها السقوط في عموميّات غير مجدية بسبب اتساع البحث ذاته. وقد يحدث هذا إذا انطلقنا من الإنسان نحو الدّيانات التي أنشأها هو بنفسه، وهو خطأ من أخطاء الفرويديّة (مثل أعمال ج. روهايم G. Róheim) أو فلسفة الدّيانات (مثل أعمال تايلور Tylor أو فرايزر Frazer كذلك). وثانيها الربط الذي يرجوه الرياحي بين البيولوجيا وعلم النّفس (وربّما التحليل النفسي بشكل أخصّ) وعلم الأعراق وعلم الاجتماع في نهاية المطاف.

إجمالاً، يدرك الرياحي جّيداً أنّه مع علم الأعراق المقارن وحده أو علم اجتماع الأديان لا نحيط من كلّ الدين الذي لم يستكشف بعد إلا بجزء بسيط من الحقيقة الدّينيّة فحسب، وبعبارة أدق، فقد ترك لتخصّصات علميّة أخرى.

للاطلاع على البحث كاملا يرجى زيارة موقع مؤسسة "مؤمنون بلاحدود للدراسات والأبحاث" على الرابط التالي

http://goo.gl/059J2C

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق