الانشطارات الطائفية في العالم العربي.. رواية "فئران أمي حصة" أنموذجاً
02 مارس 2016 | 0 تعليق

*باحث أردني
معاذ بني عامر*

منذ أن شقّت الرواية العربية طريقها وسط الحِراك الثقافي بدايات القرن الماضي، فقد فرضت نفسها كقوةٍ ثقافية ليست طاغية الحضور فقط، بل وفاعلة أيضاً، فهي الأقرب إلى ما يطلق عليه الفلاسفة "روح الأمة"، أو ما يطلق عليه علماء الاجتماع "الخيــال السوسيـولوجي"، نظراً لانطواء بنيتها السردية على سياق ناعم –عكس كثير من الأطروحات الفكرية القاسية- أمكنه التغلغل بسلاسة إلى ذهن القارئ، وإحداث تعديل فيه دونما إكراهات عنيفة ومباشرة.

هذا الشيء سنلمسه في رواية (فئران أمي حصة) (1) للروائي العربي "سعود السنعوسي"، فطبعاتها المتلاحقة (2) ستجعل منها حاضرة بقوة كبيرة وفاعلة في الساحة الثقافية العربية، رغم أنها تتناول موضوعة فكرية بالأساس، لطالما أقيمت المؤتمرات والندوات وأُلفَّت الكتب حولها، لغاية فكفكة منظومتها وبلورة سياقات جديدة لها، لكن دونما نتائج كبيرة، نظراً لنخبوية تلك المؤتمرات والندوات والكتب وحصر تداولها على فئات محدّدة من المثقفين، لا سيما أولئك المهتمين بالظاهرة الدينية وتشظياتها الطائفية. لكن (فئران أمي حصة) ستقتحم هذه المجاميع المغلقة وتُحطّم أقفالها، وتُدخل أناس كثيرين إلى سياقاتها المتعددة، وتجعلهم يُعاينون فظاعاتها وجهاً لوجه هذه المرة، فهم بإزاء نصّ روائي رصين من جهة، وماتع من جهة ثانية، بما يجعل منه نصاً 1- معرفياً يراعي ظرف المُتلقّي العقلي، و2- جمالياً يراعي ظرف المتلقّي الوجداني، يكسب معركة العقول والقلوب سواء بسواء.

في رواية (ساق البامبو) (3)  سيبرز السؤال الديني على المستوى الخارجي، لا سيما في العلاقة التشابكية بين الأديان والإمكان الطمأنيني الذي يمكن أن تقدّمه للإنسان الشغوف بالبحث عن معنىً –داخل المتون الدينية- للوجود الإنساني، فبطل رواية (ساق البامبو) مُشظّى بين عدّة أديان، وليس داخل دين بعينه. أما في رواية (فئران أمي حِصَّة) فالتشظّي الديني هو تشظٍّ داخلي؛ داخل الدين الإسلامي حصراً، بالنسبة إلى جميع أبطال الرواية، فالكُلّ خاضع لمنظومة طائفية إكراهية، لن تتأخّر طويلاً لكي تتحوّل إلى قنبلة موقوتة ستنفجر في وجه الجميع، وتحيله إلى خراب كبير.

ولكي تكون الصورة أوضح وأنصع، فسأعمل على تتبع هذا التشظّي عبر شخصيتين رئيستين في العمل الروائي: فهد السُنِّي وصادق الشيعي، تجلّى فيهما المدّ الطائفي: (السنِّي/ الشيعي) إلى حدّ الانفجار الكامل الذي قاد إلى فوضى عارمة في الكويت حيث تجري أحداث الرواية.

الانبثاقات الطائفية السبع:

إذا كان لي أن ابدأ فإني سأبدأ من النهاية، فالخاتمة هي فاتحة الرواية الفجائعية، فتربية الطفلين الصغيرين "فهد" و"صادق" تربية طائفية، الأول بصفته (سُنّياً) والثاني بصفته (شيعياً)، ستقود إلى انفجارهما في وجهي بعضهما البعض عندما أصبحا شابين، في دلالة واضحة ليس على ما يمكن أن يصل إليه الوضع الطائفي في العالم العربي –وإن تجسّد الوضع في الكويت بحسب الرواية- بل إلى ما وصل إليه الوضع الطائفي بين السُنّة والشيعة من احتراب واقتتال أدّى إلى تدمير حيوات الناس، وأحالت الوطن العربي إلى ساحة حرب، لا همّ لساكنيها إلا أخبار القتل والدمّ والتدمير على حساب كل ما هو إبداعي وتخليقي.

في الصفحة 419 يسرد الراوي: "راح صادق وفهد صوب سيارتيهما في حين وقفتُ أتابع ما يجري في الجوار. احتدم النقاش بين اثنين من الشباب. يا كافر. يا معلون. يا رافضي. يا ناصبي. أنتم. نحن. سريعاً صار الحوار بالهرَّاوات والخناجر والزجاجات الفارغة..." (4)

بعد صفحتين سينتقل الصدام إلى كل من فهد وصادق، في دلالة واضحة على الصدام السُنِّي/ الشيعي، وتحوّله من سياقات الصدامات المعرفية، إلى سياقات الصدامات الجسدية الدموية.

"الصراخ والاتهامات بصوتيّ فهد وصادق كانت وراء فجيعتي. واحدهما في وجه الآخر" (5)

وبعد عدّة أسطر، يستطرد الراوي:

"تلفّت فهد إلى الأرض حوله. يبحث عن. عن حجر. انحنى على الأرض يحمل واحدا بهذا الحجم. لا لا. بهذا الحجم. اكبر بقليل. هوى صادق بقبضته على ظهر فهد. ركضتُ صوبهما أصرخ لا. لا لا... تابعت الركض إليهما ولكن. ولكن. كان فهدا قد انزل الحجر على رأس صادق. ربما كتفه لستُ متأكدا. سقط أرضا ودماؤه ترسم خطَّا في الرمال". (6)

هذه الخاتمة/ الفاتحة، الفجائعية، التي تتجلّى في جيل الأبناء ( = الابن فهد السُنِّي + الابن صادق الشيعي)، ستتأسّس على أكتاف الآباء ( = الأب صالح السُنِّي + الأب عبّاس الشيعي)، الذين لا يفتؤون يستدعون التاريخ وحمولته الثقيلة، لأجل التحقّق الطهراني في الواقع الآني. وستُساهم الأجيال المتعاقبة –بفعل إرث غائر في رسوخيته في المخيال الجمعي- في ترسيخ عنف ثقافي، سينعكس سلباً على السياقات الاجتماعية المختلفة. ويمكن تتبّع هذا المعمار الكبير عبر نُتف سردية صغيرة، ستفضي نهاية المطاف إلى (الخاتمة/ الفاتحة) الفجائعية.

في الصفحات 32 و 64 و 104 و 106 و 125 و 146 و 205 و 218 و 290 و 419 و 421 و 422، ستتجمع نُتف روائية صغيرة، لتُشكّل مُنمنمة (الخاتمة/ الفاتحة) الفجائعية، وتتمظهر كحقيقة صادمة ومُرعبة في السياقيين الثقافي والاجتماعي العربيين، وإن تجسّدا في المجتمع الكويتي بحسب مقتضيات النص الروائي، لأن ما نشهده اليوم من صراح حقيقي بين السنة والشيعة، هو صراع عابر للأوطان العربية وللسياقات الجغرافية، لذا يتمظهر عنفاً –أيا كانت صيغة هذه العنف- في شتّى المجتمعات العربية، بدرجة أقل/ أكثر، حسب الحجم السكاني لكلّ طائفة على حساب الطائفة الأخرى.

في الصفحة 32 يسرد الراوي، في استعادة لزمن طفولته: "ركلتُ الباب قبل سنوات طويلة. أطبقته وأسندتُ ظهري إليه لِئلا يدفعه صبيةٌ خشيتُ أن يلحقوا بنا. حرّرتُ كتفيّ من ثقل حقيبتي المدرسية. أخذتُ أنادي بأعلى صوتي: "يُمَّه.. يُمَّه!". كانت قد عادت من عملها للتوّ. شهقت إزاء ما رأت؛ هيئتي المتربة وقميصي المفتوح وفمي الدامي. مسحتُ فمي بظهر كفِّي لاهثاً: "يُمَّه.. اِحنا شِيعة والا سنَّة"؟." (7)

هذا السؤال هو المدماك الأول الذي يتم صبّه في ذهن الأطفال الصغار في السردية الروائية، لغاية تشكيل معالم الفاجعة التي ستتشكّل بالتقادم وتحوّل العناصر البشرية المكوّنة للمجتمع إلى قنابل قابلة للانفجار في أي لحظة. فالفرز الطائفي هو أبرز نقطة ثقافية في تشكيل الأذهان، والانعكاس التدميري الكامن على الأعيان. وإذا كان لطفل صغير أن يسأل سؤالاً كبيراً بحجم "اِحنا شِيعة والا سنَّة؟"، فثمة إرث ثقافي يتم توريثه إلى الأجيال الناشئة جنباً إلى جنب مع الجينات البيولوجية؛ فالجين الطائفي معادل موضوعي للجين البيولوجي؛ الثاني يحافظ على النوع الإنساني، والأول يحافظ على النوع الطائفي.

في الصفحة 64 سيتعمق هذا السياق الفجائعي على المستوى الداخلي، وينبثق انبثاقة ثانية على المستوى الخارجي: "أتجاوز شارع علي بن أبي طالب نحو جسر الجابرية. كان في ما مضى الشارع الوحيد في الكويت الذي يحمل اسمه، قبل أن تتكاثر الشوارع حاملة الاسم ذاته، شارع علي بن أبي طالب، إياه، في السُّرَّة، تلحق اسمه في اللافتة عبارة "رضي الله عنه".. غيره في مناطق أخرى، الرميثية والدسمة والقرين، يُلحق الاسم اللافتات بــ: "عليــه الســــلام". مناطق كثيرة ما عدنا نعرف أسماءها بعد تسميتها من قبل السكَّان بأسماء جديدة، وكأن الأسماء حكرٌ على طرف دون الآخر. لم يتوقف الأمر عند، عليّ، الاسم، راح البعض يطلق أسماءً على شوارعه، يتداوله نكاية بآخرين.. شارع يزيد بن معاوية وشارع ابن تيمية وشارع أبي لؤلؤة". (8)

في الانبثاقة الأولى للفاجعة تمّ استدعاء التاريخ كاملاً مُجسداً في سؤال واحد، وفي الانبثاقة الثانية تمّ استدعاء تفاصيل تاريخية صغيرة ساهمت في تشكيل معالم الذهن الحديث، والضغوطات التي يمارسها على سلوكيات ومسلكيات الاجتماع الإنساني، في تأشير واضح على تحكّم الأموات بحيوات الأحياء!.

وإذا كان للانبثاقة الأولى والثانية أن تنعكسا على البنية الداخلية لأتباع الدين الواحد، فالانبثاقة الثالثة ستنعكس خارجياً؛ تحديداً على آليات التعامل مع الآخر غير المسلم ساعة تبشيره بالدين الحق، وتمظهراتها الأقدس. ففي الصفحة 106 ستكشف البنية السردية عن استفظاع واستقباح لدى "عبَّاس" ذي المرجعية الشيعية لإسلام "فلورنس" [الشخصية غير المسلمة في الرواية] على مذهب أهل السُنّة. فالسارد يروي المشهد الفظيع على نحو بسيط إذ يقول: "خرجت أمي زينب من غرفتها. كانوا في طريقهم إلى الخارج. سألهم عمِّي عبَّاس: إلى أين؟ التفتت إليه خالتي فضيلة ممسكة بجزء من عباءتها أسفل ذقنها: إلى بيت أبي سامي، فلورنس اعتنقت الإسلام. أرخى يديه المنهمكتين بمعالجة خيوطه. أعاد تثبيت نظارته. سألها مهتما: على أي مذهب؟ تدخلت أمي زينب مبتسمة: على مذهب زوجها أكيد. صفع عمِّي عبَّاس الهواء أمام وجهه في خيبة: لو بقيتْ على دين أهلها لكان خيرا لها!". (9)

في الانبثاقة الرابعة ستظهر الأسماء التاريخية في السياق الروائي، كما لو أن حادثة الفتنة التي حدثت في الإسلام المُبكِّر حدثت البارحة في العالَم العربي!. والحوار الصغير الذي يجري بين الراوي والطفل "فهد" السُنِّي، يعكس هاجساً قوياً يضغط على الشباب العربي في تصنيفاتهم لبعضهم البعض، والحُكم عليها طهارةً أو قذارةً وفقاً لهذه الأحكام.

"كانت فوزية قد أرسلتنا لشراء سائل التعقيم الخاص بعدساتها اللاصقة، في وقت كانت تعاني فيه من اعتلال النظر بسبب مرضها. أمام باب محل النظاراتي حسن همس لي فهد: "ليش النظاراتي حسن؟ ليش مو النظاراتي عُمَر؟". إيغال عمِّي صالح في كرهه لجاره صوَّر لفهد أنه، بالضرورة، يجب أن يكره ما يحبه الجار. حين سألتُ فهداً ما الضير في أن يكون النظاراتي حسن، أجاب بأنه اسم لا ينتمي إلى طائفتنا". (10)

وإذا كان للتاريخ الطائفي أن ينبثق في المتن الروائي، ويتجلّى تجليات مختلفة في العلاقات المختلفة والمتعددة بين شخصيات الرواية؛ فقد انبثق هذا التاريخ انبثاقة كبرى في الواقع المعيش في العام 1979، يوم أن قامت الجمهورية الإسلامية في إيران بزعامة "الخميني"، مما شكّل انتصاراً ساحقاً للطائفة الشيعية في العالَم عموماً، والعالَم العربي على نحو مخصوص، نظراً لتداخل العلاقات الإيرانية العربية على مختلف المستويات الثقافية والمذهبية والاقتصادية...إلخ، لذا سيتحوّل "الخميني" إلى شخصية أيقونية بالنسبة لــِ "عبَّاس" الشيعي، وسيعمل على تعليق صوره في البيت بصفته ارتقاءً في الخلاص الشيعي في محنته التاريخية الكبرى مع أهل السُنّة والجماعة.

"الشيء الوحيد الذي لفت انتباهي [يسرد الراوي ما حدث له أثناء زيارته لبيت عبَّاس الشيعي] كان بعض اللوحات على الجدار خلف خزانة التلفزيون، لوحات بتفاصيل كثيرة، خيول وأسود وسيوف، ورجال وسيمين بتقاطيع وجه جميل... في ذلك المساء أدرك عقلي الصغير أشياء جديدة، أولها لوحات فنية لآل البيت، وصور لعيون دامعة رسمها صادق، وآخرها صورة فوتوغرافية في أحد رفوف خزانة التلفزيون، بين صورتين قديمتين لصادق وحوراء زمن طفولتهما المبكرة، صورة لرجل بعمامة سوداء ولحية بيضاء كثة، كتب أسفلها بخط أسود مزخرف "روح الله الموسوي الخميني". (11)

وكنوعٍ من البحث عن معادل موضوعي لشخصية "الخميني" الشيعية في العالَم السُنِّي، لن يجد "صالح" شخصية أفضل من الرئيس العراقي "صدام حسين" ليسدّ هذا الفراغ، لا سيما أنه من قاد حرباً ضروساً ضد الخميني ودولته الشيعية.

"عمِّي صالح شأن آخر. لم أره قط متهلل الوجه منتشيا كما كان تلك الساعة. كيف لا يكون. وقد بدأت اللوحة الاستعراضية تُمجِّدُ صاحب الصورة في ممر بيته. رفع جزءٌ من الجمهور ألواحاً ملوّنة شكلت في مجملها شعار الجمهورية العراقية. ارتفع منطادٌ ضخم يحمل صورة للرئيس العراقي تشبه الصورة المؤطرة في الممر القريب". (12)

هاتان الصورتان ستكونان بمثابة الشرارتين اللتين ستفتانّ في عضد شخصيتي: "عبَّاس" الشيعي و"صالح" السُنِّي، ابتداءً من العام 1979 وحتى العام 1990، حيث غزا "صدام حسين" الكويت، ونقلها من طور الدولة المتكاملة الأركان، إلى مجرد محافظة من محافظات الجمهورية العراقية. سيعمل الغزو على تفريغ الشحنة السلبية لدى كل من "عبَّاس" الشيعي و"صالح" السُنِّي، تجاه الآخر. إذ صار على "عباس" أن يزيل صورة الخميني خشية من بطش صدام العدو اللدود للخميني، وصار على "صالح" أن يزيل صورة صدام من بيته لأنه غزا الكويت وانتهك حرمات وطنه العزيز، فلأول مرة يشتركان في عمل واحد!. العمل الثاني الذي سيتفقان عليه هو إقدام عبَّاس الشيعي على طرد بائع المثلجات الفلسطيني، بسبب مساندة منظمة التحرير الفلسطيني لصدام حسين في غزو الكويت، فهذه الخطوة ستلقى ترحاباً من صالح السُنِّي، ساعة سأله ابنه فهد: "يُبَه! هل كان عمِّي عبَّاس على حق؟ جاءت إجابته أكيدة: طبعاً! نظرتما، أنت وفهد، إلى بعضكما في حيرة حَدَسَها صالح. رَبَّتَ على ظهر ابنه. برَّر: "آنا وأخوي على ابن عمِّي.. وآنا وابن عمِّي على الغريب". (13)

لكن مسمار الأمان الذي تمّت إعادته إلى القنبلة الطائفية إبَّان الغزو العراقي للكويت، لن ينغرس عميقاً في اللحم التصالحي بين الإخوة الأعداء في المجتمع الكويتي، لذا سيكون معرّضاً للاقتلاع مع أول فرصة مواتية. فعقد كامل من استحضار التاريخ الدموي بين الطائفتين الشيعية والسنية، عبر شخصيتي: "الخميني" مُمثلاً للطائفة الشيعية، و"صدام حسين" مُمثلاً للطائفة السنّية، والقتال المسلّح بين إيران والعراق، سيكون قد حفر عميقاً لكراهيات متأصلة بين "عبَّاس" وجاره القريب "صالح"، وشكّل معالم انبثاقة خامسة ستساهم أيما مساهمة في تعميق الكراهية لدى جيل جديد سيتجلّى تجليه العنيف في خاتمة/ فاتحة روائية فجائعية.

وسيتسنى لهذا المسمار أن يتقهقر أمام الضغوطات التي فرضتها طبيعة الشخصيات القلقة قلقاً طائفياً، ولن تتأخّر انبثاقة جديدة ( = الانبثاقة السادسة) أن تتشكّل في الأفق. لقد توقّفا –ويا للسخرية، لكن ثمة حدث روائي ينبني كنوعٍ من المحاكاة لبناء واقعي، وعليه أن يكتمل- عن أكل طعام بعضهما البعض. "ناولني صادق الطعام: اِمسك بسرعة". أجبته: "هذا وايِد!". نظر باتجاه بيت آل يعقوب، برَّر بأن أمي زينب أرسلته يحمل الطعام. قِدرٌ لنا وآخر لبيت عمِّي صالح. ولكن عمِّي عبَّاس أسرَّ إليه قبل خروجه بأن يكتفي بإيصال الطعام إلى بيتنا متجاوزا بيت جاره اللصيق. سألته عن رغبة أمي زينب، قاطعني: "أعصي أبوي"؟!"، ثم راح يؤكد أن أبا فهد لا يأكل من طعامهم. توترت علاقة الجارين ثانية". (14)

الانبثاقة السابعة ستتجسّد في (الخاتمة/ الفاتحة) الفجائعية بين الجيل الجديد: جيل الأبناء الذي تمظهر في الخراب الطائفي لا في البناء الوطني. فزمن الرواية الذي ينفتحُ على العام 2020، سيكون بمثابة إشارة دالّة على انخراط الجيل الجديد في منظومة الخراب الطائفي الذي فتك بالمجتمع الكويتي، فالصراع الدامي بين "فهد" السُنِّي و"صادق" الشيعي –رغم صداقتهما الظاهرة- سيتأسّس على إرث غائر في التاريخ الإسلامي، فهو إذ يتجلّى تجليه في العام 2020 على المستوى الظاهري، فإن معماره يكون قد انبنى على مدار ألف ونيفٍ من السنين الموحشات بين السنة والشيعة، إلى درجة تحوّل هذا المعمار إلى جين Gene تكويني، سيعمل على إحداث طفرات تخريبية في الأجيال اللاحقة، لن يكون لها همّ إلا إفناء بعضها البعض وتدمير كل ما من شأنه النمو الازدهار، بما يعني –من ضمن ما يعني- الإبقاء على ثقافة الدمّ والكُره والحقد في العالَم العربي، على حساب الثقافة الإبداعية التي أمكنها دمج الإنسان العربي –المرة تلو الأخرى، عبر إبداعات متنامية ومستمرة- في المشروع الحضاري الإنساني.

وهكذا –تأسيساً على ما سلف- فقد احتملت الرواية رؤية مستقبلية لما يمكن أن تكون عليه السياقات الاجتماعية في العالم العربي، في حال تمّ الإبقاء على الأنساق الثقافية الطائفية والإمكان التدميري الذي تنطوي عليه بناءاتها الداخلية.

ثمة جرس أحمر في رواية (فئران أمي حِصَّة)، لا يكتفي الروائي "سعود السنعوسي" بتعليقه في الذهن العربي، بل يعمل على قرعه بوتيرة تصاعدية في الواقع، لكي يُنْتَبَه إلى درجة الخطر الدموي الذي  وصلت إليه السياقات الطائفية في العالَم العربي، وما يمكن أن تصل إليه من إفناء لثقافة الخير والرحمة والإبداع، لأن اللغة الفاعلة هُنا والآن هي لغة الشرّ والكراهية والتريخ المثقل بحمولته الدموية.

 

 

-----------------------------

1-   السنعوسي، سعود، فئران أمي حِصَّة، الدار العربية للعلوم ناشرون، منشورات ضفاف، بيروت، لبنان، ط 8، 2015

2-   ظهرت الطبعة الأولى من رواية (فئران أمي حِصَّة) في شهر شباط من العام 2015، وظهرت الطبعة الثامنة منها في شهر آب من العام ذاته.

3-  كانت رواية (ساق البامبو) قد حصلت على جائزة البوكر بنسختها العربية في العام 2013، وهي أيضاً تقتحم منطقة فكرية عويصة متعلقة بالتعالقات بين الأديان المختلفة، وتقدمها في نص روائي ماتع وجميل، مما أكسبها هي الأخرى شهرة كبيرة وكاسحة في العالَم العربي.

4-   السنعوسي، سعود، فئران أمي حِصَّة، مرجع سابق، ص 419

5-  السابق، ص 421

6-  السابق، ص ص 421- 422

7-   السابق، ص 32

8-   السابق، ص 64

9-  السابق، ص 106

10-  السابق، ص 125

11-  السابق، ص 104

12-  السابق، ص 14

13-  السابق، ص 205

14-    السابق، ص 290

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق