الباحث الأردني يوسف حمدان لـمجلة "ذوات": لا خطر أمام المجتمعات والأفراد أكبر من الجهل
30 اكتوبر 2016 | 1 تعليق

حاورته: منى شكري *

أكد الدكتور الأردني يوسف حمدان، أن لا خطر أمام المجتمعات والأفراد أكبر من الجهل ونقص المعرفة، مبيناً أن المجهول ينتظر مصير ملايين الأطفال في الشرق الأوسط ممن لا يرتادون المدارس، إضافة إلى التلاميذ العرب في مخيمات اللاجئين؛ فهم يشكلون "عقبة حقيقية أمام التنمية".

وتابع الباحث حديثه في حوار أجرته معه مجلة "ذوات" بقوله مستنكراً: كيف بنا ونحن نتكلّم عن الأميّة وبأعداد هائلة؟ أن نتخيّل كم هو حجم خسارة المجتمعات والدول العربيّة بتحويل هؤلاء الأطفال من إمكانيات للتطوير والتنمية إلى عقبات! وكم من هؤلاء الأطفال من هم أصحاب عقول متميّزة تضيع ولا تتوفر الفرص للكشف عنها واستثمارها.

إن الفشل في تحقيق أهداف المرحلة الأساسيّة في التعليم يعني بالضرورة فشل المراحل اللاحقة، وتحول الطالب الفاقد للمهارات الأساسيّة إلى معيق حقيقيّ في فضاء التعليم 

وحذر حمدان من مواصلة تهميش مشكلة تسرب الأطفال؛ فهم جزء كبير من المستقبل، وسيصبحون أرباب أسر غير قادرين على مساعدة أبنائهم في التعلّم، وهو ما سيرسّخ ثقافة وقيماً اجتماعيّة تتعايش مع الأميّة وتآلفها، كما أن هذه الفئة من الأطفال هي الأكثر عرضة للانحراف والاستغلال، وبالتالي زيادة العبء على مجتمعاتهم ودولهم.

وقال الباحث، إن مخرجات التعليم تشير إلى أنّ المهارات الأساسيّة: القراءة، والكتابة، والاستماع، والتحدّث، المفروض أن تبنى عليها المناهج التعليميّة الخاصة والمعدة لهذه الغاية بالصفوف الأولى للطلبة، "مختلّة بشكل كبير، وفي أحيان مفقودة بشكل تام، عند نسبة عالية من طلاب المرحلة المتوسطة والثانويّة"، وهو ما يعني، وفق حمدان، فشلاً كبيراً في العمليّة التعليميّة في المرحلة الابتدائيّة، وفي محاورها الرئيسة، وعلى رأسها المناهج.

وأعرب حمدان عن أسفه لأن جزءاً غير قليل من المجتمعات العربية ما يزال يعاني من بعض القيم التي تميّز بين الرجل والمرأة في الكثير من قطاعات الحياة، بما في ذلك منع المرأة من ممارسة حقها في التعلّم، وبالتالي، فإنّ هذه المجتمعات تخسر نصف إمكانيّاتها العقليّة والعمليّة، وتتحول المرأة فيها إلى عناصر استهلاكيّة غير منتِجة أو مُستَثمرة.

ونوّه الباحث إلى أن ترحيل المشاكل في مراحل التعليم المختلفة سينتج لنا معلمين غير أكفاء، وهو أمر لا يبدو غريباً عندما تترهل مؤسسات التعليم، وتغيب المساءلة، ويكون النجاح مضموناً بغض النظر على مستوى التحصيل المعرفي، مشدداً على ضرورة مواجهة الفساد على أكثر من مستوى، في التعيينات في مؤسسات التعليم، والترقيات، ومراقبة العمل وضبطه، وإتاحة الفرصة لإقامة المشاريع الثقافيّة والتنويريّة داخل الجامعات وانطلاقاً منها، وهذا بالضرورة سيحرج من تمّ تعيينهم دون امتلاكهم الكفاءة ومن لا يأخذون أمر التعليم بالجديّة اللازمة.

وحول ارتباط "الربيع العربي" بالأمية، تساءل حمدان مستنكراً: كيف يمكن أن نتحدّث عن تطوير أنظمة التعليم ونشر الثقافة والوعي في دول معظم مؤسساتها مفككة ومدمّرة، والهمّ الأكبر لأبنائها أن يسلموا بأرواحهم وأن يملكوا الحدّ الأدنى من الغذاء والدواء، منوهاً إلى أنه عند غياب حماية الدولة لمواطنيها، فإنّ الناس لا خيار لهم سوى الالتجاء إلى مرجعيّات قبليّة وطائفيّة عنصريّة ومتشددة، ومع مرور الوقت وتراكم الجهل والمشاكل تتحوّل هذه العنصريّات إلى عقائد يؤمن بها الناس. تطوّر الوعي والثقافة والمعرفة يحتاج إلى استقرار على مستويات عدّة، ويحتاج إلى الحريّة والعدالة والتنافس الإيجابيّ، وفي ظلّ الغياب الكامل لكلّ ذلك، وفي ظلّ الدمار الرهيب الذي تتعرض له بعض الدول العربيّة، تبدو فرص التنميّة المعرفيّة والثقافيّة شحيحة للغاية.

والدكتور يوسف حسين حمدان، باحث مهتم في النقد الأدبي، الأدب العربي الحديث، الأدب المقارن، قضايا التعليم، الدراسات الفكرية والثقافية، له العديد من الأبحاث المنشورة بالعربية والإنجليزية.

يحمل حمدان دكتوراه في النقد الأدبي الحديث، قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية، جامعة إدنبرة/ بريطانيا 2010/2013، وماجستير في الأدب العربي الحديث، الجامعة الأردنية 2006/2008، وبكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، الجامعة الأردنية 2001/2005.

 ألاحظ من خلال عملي أستاذاً جامعيّاً أنّ مستوى الطلبة المقبولين في الجامعة الأردنيّة في السنتين الأخيرتين أفضل مما سبق وبشكل ملحوظ

عمل محاضراً في الأدب العربي الحديث في جامعة فيلادلفيا/الأردن 2008/2009، ودرس اللغة العربية في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية/جامعة إدنبرة 2012/2013، ويعمل منذ العام 2013 حتى الآن، أستاذا مساعدا في النقد الأدبي الحديث في قسم اللغة العربية/الجامعة الأردنية.

 

*يعاني العالم العربي من نوع "فريد" من الأمية فيما يمكن أن نسميه "الأمية المبكرة" المتفشية بين طلبة الصفوف الأولى تحديداً، والناجمة عن خلل واضح في المنظومة التعليمية الأولية، كيف تسهم المناهج في الدول العربية في مفاقمة هذه الأزمة؟

الأصل أنّ المناهج التعليميّة الخاصة بالصفوف الأولى معدّة لتدريب الطلاب على المهارات الأساسيّة: القراءة، والكتابة، والاستماع، والتحدّث، وبشكل يتناسب مع المرحلة العمريّة للطلبة، إلا أنّ المؤلم هو أنّ مخرجات التعليم تشير إلى أنّ هذه المهارات مختلّة بشكل كبير، وفي أحيان مفقودة بشكل تام، عند نسبة عالية من طلاب المرحلة المتوسطة والثانويّة، وهو ما يعني فشلاً كبيراً في العمليّة التعليميّة في المرحلة الابتدائيّة، وفي محاورها الرئيسة، وعلى رأسها المناهج. وقد لا يبدو هذا غريباً إذا أُخذت الحيثيّات التي ترافق تأليف المناهج بعين الاعتبار، حيث يغيب كثير من الأطر الموضوعيّة اللازمة لهذه العمليّة، وفي طليعتها الإطار الزمني، فحين يُعلن عن تغيير المناهج في منتصف السنة الدراسيّة مثلاً، تكون هذه المناهج جاهزة للتطبيق في بداية السنة القادمة، مع أن هذه المدّة غير كافية لوضع استراتيجيّات التأليف العامة، وتحديد الأهداف تحديداً دقيقاً. كذلك، هذا يعني أنّ هذه المناهج لم تُراجع كما يجب، ولم تخضع لفترة اختبار على فئة محددة من الطلبة كما تفعل كثير من دول العالم، وقد يستغرق الاختبار وحده سنوات عديدة.

ومن المعايير المهمة للغاية في هذا السياق، مدى مناسبة هذه المناهج للمراحل العمريّة للطلبة، حيث يستلزم الأمر الاستعانة بأخصائيين تربويين لتقديم توصيف دقيق لطبيعة السمات الواجب توفّرها في مناهج هذه المرحلة، كالبعد عن المجرّدات، وتعليم المهارات بدلاً من تلقين المعلومات، وتوفير الجاذبيّة في المنهاج على المستوى الحسيّ عموماً والبصريّ خصوصاً، وضرورة مراعاة المشاكل الصحيّة والنفسية التي قد يتعرّض لها بعض الطلبة في هذه المرحلة من أعمارهم. فعلى سبيل المثال، بعض الأطفال يعانون من ضعف في التركيز البصريّ، وهو ما يجعلهم عاجزين عن رؤية الكلمات والفواصل بينها في السطر دون كتابتها على خلفيّات ملوّنة بنسب معيّنة، وعدم توفر ذلك يعني عجزهم الكامل عن القراءة والكتابة.

إن الإصلاحات التي يحتاجها النظام التعليميّ في الأردن، على سبيل المثال، كثيرة ولم يُنجز منها إلا القليل

ومن اللازم التنويه إلى أنّ بعض الإجراءات اللازمة للتأليف تؤخذ في الاعتبار على المستوى الشكليّ، فقد يُستدعى مختصون غير أكفاء وتنقصهم الخبرة بالمعنى الفعليّ، وهذا متوقع في سياق الفساد في المؤسسات الرسميّة بما فيها التعليميّة. ومما لا شكّ فيه أن المناهج ليست العنصر الوحيد الذي تقوم عليه العملية التعليميّة، فهناك المعلم المؤهل وبيئة التعليم، ومما لا شكّ فيه أيضاً، أنّ الفشل في تحقيق أهداف المرحلة الأساسيّة في التعليم يعني بالضرورة فشل المراحل اللاحقة، وتحول الطالب الفاقد للمهارات الأساسيّة إلى معيق حقيقيّ في فضاء التعليم بدلاً من أن يكون اللبنة الأساسيّة فيه.

*عطفاً على ما سبق، على سبيل المثال لا الحصر، في عام 2013 فجر وزير التربية والتعليم الأردني الدكتور محمد الذنيبات قنبلة بتصريحه بوجود 100 ألف طالب وطالبة على مقاعد الدراسة لا يتقنون قراءة الحروف العربية أو الإنجليزية أو مهارات الحساب٬ وهم يشكلون ما نسبته 22 % من طلبة المدارس الأردنية في الصفوف الثلاثة الأولى، أين نحن من احتواء هذا الكارثة بعد مضيّ عامين على هذا التصريح؟

أولى خطوات الحل كانت الاعتراف بوجود المشكلة، الأمر الذي يعني طرح القضية للنقاش الجاد ومحاولة معالجة أسبابها. ومن المؤكّد أن مثل هذه القضية الخطيرة والمركّبة لا يمكن أن تُحلّ في غضون سنتين أو ثلاث سنوات، لكن على الأقل يمكن القول إنّ المجتمع الأردنيّ بدأ يتحوّل في نظرته إلى النظام التعليميّ في المدارس، ويتبنّى موقفاً جديداً تجاه عمل وزارة التربية والتعليم في ضبط النظام التعليميّ والتربويّ بجديّة وصرامة، وبرز هذا الأمر للعيان بشكل واضح في المرحلة الثانويّة، حيث كان إعلان الوزارة للنتائج الحقيقيّة صادماً، وبدأ يستقرّ في عقول المدرّسين والطلاب والأهالي أنّ الطالب غير الكفؤ لن ينجح في امتحان الثانويّة. هذا انعكس إيجابيّاً على مستويين: الأول التعامل مع مراحل التعليم التي تسبق الثانويّة على أنّها مراحل تأسيسيّة مهمّة لتأهيل الطالب للمرحلة الثانويّة، وأنّه لا سبيل للنجاح إلا بالتعلّم الصحيح المنضبط؛ والثاني: مستوى الطلبة المقبولين في الجامعات، فعلى الرغم من عدم وجود دراسة تقيس الأداء العام للطلبة المقبولين في الجامعات في السنتين الأخيرتين بالمقارنة مع السنوات السابقة، إلا أنني ألاحظ من خلال عملي أستاذاً جامعيّاً أنّ مستوى الطلبة المقبولين في الجامعة الأردنيّة في السنتين الأخيرتين أفضل مما سبق وبشكل ملحوظ، على الرغم من أنّ معدّلات القبول في الجامعة لم تتغيّر، الأمر الذي يعني أنّ العلامات أصبحت أكثر مصداقيّة وتعكس مستوى الطالب الحقيقيّ. وبالطبع، لا ننسى أنّ طلبة الثانويّة العامة هم ضحايا النظام التعليميّ جملة؛ بمناهجه ومعلميه وبيئته التعليميّة، غير أنّ شعور الطلاب الذي ساد لسنوات عديدة بأنّهم قادرون على النجاح دون امتلاك ما يلزم من معارف ومهارات أدّى إلى مفاقمة المشاكل في النظام التعليميّ، وصرنا نعاني من المشاكل التأسيسيّة في المراحل المتأخّرة من العملية التعليميّة.

الإصلاحات التي يحتاجها النظام التعليميّ في الأردن، على سبيل المثال، كثيرة ولم يُنجز منها إلا القليل، أوّلها إعادة النظر في رواتب المعلمين بشكل يوازي أعباء الحياة، وبعد ذلك تفعيل نظام مراقبة المعلمين وضبط أدائهم، حيث يشعرون بأنّهم سيخسرون عملاً مهمّاً إن قصّروا في عملهم. وبالطبع إعادة النظر في المناهج، لا سيّما التغييرات المتسرّعة وغير المدروسة التي حدثت عليها خلال العقدين الأخيرين، دون أن تُؤخذ ردّات فعل المعلمين والمختصّين بعين الاعتبار.

*التعليم الذي يتلقّاه الطلبة في المدارس والجامعات العربية، بمواصفاته الحالية، هل هو قادر على التعامل مع متغيرات الحياة ومستجداتها بمرونة والولوج لعالم المعرفة؟

الجواب القصير وبصيغة عامة: لا، فعلى الرغم من أنّ بعض من يتخرّج في المدراس والجامعات العربيّة يجد فرصاً في كبرى المؤسسات العالميّة، إلا أنّ هذه الفئة تعتمد أساساً على ظروف خاصة أو إمكانات توفّرت خارج مؤسسات التعليم العامة. وفي الآن ذاته، نسبة هذه الفئة من المتعلّمين قليلة مقارنة مع المجموع العام؛ كما أنّ الإحالة هنا إلى مؤسسات البحث والتعليم غير العربية، باعتبارها معيار النجاح ومواكبة مستجدات المعرفة. وهذا متّصل بالتعليم العالي بصورة خاصة، فما تقدّمه معظم الجامعات والأكاديميّات التعليميّة العربية جزء من تاريخ العلوم والمعارف، لا ما يُطبّق ويُعمل على تطويره عالميّا في هذا العصر، وهو أمر يشمل العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة على حدّ سواء. فمثلاً يتخرّج طالب الكيمياء، وهو يمتلك فقط المبادئ العامة في حقله، ويحتاج تدريباً وإعداداً لا توفره الجامعة كي يكون قادراً على العمل في مصانع الأدوية، لذلك يعاني الخريج في السنوات الأولى من عمله من تدني الأجر المقدّم له؛ لأنه متدرّب وليس مختصّاً، وبالتالي لا يحظى بميزات كاملة في العمل. ومع أنّ كليّات الطبّ في الجامعات العربية يُشار لها غالباً بإيجابيّة، غير أنّ معظم أساتذتها درسوا خارج العالم العربي، وأوائل هذه الكليّات يحصلون على منح لإكمال الدراسات العليا في جامعات أجنبيّة، ليعودوا أساتذة في كليّاتهم. الأمر نفسه ينطبق على الإنسانيّات، كدراسة الشعر والرواية في كليّات الآداب؛ فالجامعات تعلّم تاريخ هذه الفنون لا ما يُنتج اليوم منها. وكليّات الشريعة لا تعلّم اللاهوت، وإنما تركّز على صورة دعويّة مذهبيّة يتبنّاها القائمون على هذه الكليّات، فهل لنا أن نتخيّل أستاذاً يتبنّى الرؤية الصوفيّة في كليّة معظم أساتذتها أقرب إلى السلفيّة. وهذا يطرح أسئلة حول فلسفة التعليم والمناهج والقيمة الموضوعيّة لها، فكيف يُقبل مثلاً أن مقصد مادة أديان مقارنة إثبات صحّة دين الأستاذ ومذهبه وإثبات خطأ الأديان والمذاهب الأخرى.

*رغم "ازدهار" الدراسات التربوية العربية وانفتاحها على أحدث المدارس العالمية في هذا المجال، إلا أنها فشلت في كبح جماح ظاهرة التسرب من المدارس، هل نحن أمام فجوة بين النظرية والتطبيق؟

بالتأكيد نعم، فعلى الرغم من أنّ نظريّات التعليم إنسانيّة الطابع، إلا أنّها ناتجة من ظروف وسياقات تؤهل لتطبيقها، وبغياب هذه الظروف والسياقات لن تكون فاعلة أو قادرة على الوصول إلى النتائج المرجوة منها. كيف يمكن أن نعلّم القيم الفرديّة للطلبة الذين يصل عددهم أربعين طالباً، أو أكثر، في الصف ذي المساحة المحدودة، وأن نعلّم الحوار وقبول الرأي الآخر وإنتاج الأفكار في الوقت الذي لا يسمع فيه الأستاذ والأسرة رأي الطالب؟ وكيف نرجو تعليم الطلاب استخدام أدوات التكنولوجيا في المدراس التي تتوفّر فيها حواسيب متطوّرة ولا تتوفر فيها المرافق الصحيّة الصالحة للاستخدام البشري، أو دون وجود أساتذة مدرّبين على توظيفها وتعليم ذلك للطلبة؟ يمكن أن يُقال إن بعض ما يُتبنّى من نظريات تربويّة يُستخدم للدعاية وبشكل معزول عن واقع العملية التربويّة والتعليميّة التي تعاني من نقص البنى الأساسيّة على المستويين الماديّ والمعنويّ. وهذا طبعاً لا يعني أنّ الخلل في النظريات التربويّة بحدّ ذاتها، وإنما الخلل في السياق التعليميّ والتربويّ للمؤسسات التعليميّة.

على الرغم من أنّ نظريّات التعليم إنسانيّة الطابع، إلا أنّها ناتجة من ظروف وسياقات تؤهل لتطبيقها، وبغياب هذه الظروف والسياقات لن تكون فاعلة أو قادرة على الوصول إلى النتائج المرجوة منها

*لماذا تغيب آليات ضبط تطبيق إلزامية التعليم واتفاقيات حقوق الطفل التي تكفل حقه في التعلم في أغلب الدول العربية؟

بسبب اضطراب هذه الدول على كافة المستويات؛ فضبط التعليم واستقراره نتيجة للاستقرار العام، حقّ الأطفال بالتعليم والرعاية العامة جزء من حقوق عدّة غير متوفرة، تصل في الدول التي تشهد أزمات كبرى إلى فقدان الحقّ بالحياة أساساً للأطفال والبالغين معاً رجالاً ونساء. وحين يكون الأهل في ظروف اجتماعيّة واقتصاديّة سيئة، قد يدفعون أبناءهم إلى سوق العمل في مرحلة مبكرة من حياتهم دون توفير الحماية النفسية والجسديّة لهم، ودون مرورهم بالتعليم المهنيّ اللازم. وهذا يسلّط الضوء، من ناحية أخرى، على ضرورة توفير فرص التعليم المهنيّ الذي يؤهّل المتعلمين للعمل مباشرة وفق حاجات السوق، وتوظيفهم في مؤسسات رسميّة تقدّم لهم ولأسرهم العون والحماية، وبالتالي تحويلهم إلى عناصر اجتماعيّة تملك بعض المهارات المفيدة لأنفسهم وللمجتمع، الأمر الذي يعني حمايتهم وحماية المجتمع من آفات خطيرة.

*في كثير من الدول العربية ثمة تساهل في التعامل مع تقييم الطلبة، واعتماد الترفيع التلقائي، ما مدى إسهام هذا الترحيل للمشكلة في تعميق الأمية؟

في الحقيقة هذا أمر في غاية الخطورة والتعقيد؛ لأنّ مؤسسات التعليم ستكون مضطرة في النهاية إلى ممارسة التزوير ونقل هؤلاء الطلبة إلى المراحل الأعلى من التعليم المدرسيّ والجامعيّ دون امتلاكهم المتطلّبات اللازمة، وستتحول أهداف جميع المراحل إلى معالجة المهارات الأساسيّة، وبالتالي ستكون مراكز محو أميّة فاشلة. وللأسف، هذا ما يشهده التعليم العالي في كثير من الجامعات العربيّة، فبدلاً من أن تكون مشاكل القراءة والكتابة مثلاً مشاكل تُعالج في المراحل التعليميّة الأولى في المدارس، صارت مشاكل المراحل المتأخرة في برامج البكالوريوس وأحياناً الدراسات العليا. وهذا يعني أنّ الجامعات في النهاية، تقدّم خريجين يعانون من مشاكل كبيرة في المهارات الأساسيّة، وسيصبحون معلمين فاقدين لما يُفترض أنّهم يعلّمون، وبالطبع "فاقد الشيء لا يعطيه".

*نوعية التعليم باعتباره ضاغطاً على الحكومات العربية فتح الباب للخصخصة، كيف تقيمون تجربة خصخصة التعليم في جميع المراحل بدءاً من المدرسة إلى الجامعة؟ في هذا السياق، هل أصبحنا أمام "طبقية تعليمية" مرتبطة بالعامل الاقتصادي، بتعبير آخر من يملك يحصل على تعليم أفضل ممن لا يملك؟

في ظل تردّي التعليم العام يكون المجتمع مضطراً إلى البحث عن بدائل في المدارس والجامعات الخاصة والأجنبيّة، وهذا بالطبع يصبح مجالاً واسعاً للاستثمار وتحقيق الأرباح مقابل سدّ العجز وعدم التعرض لمشاكل خدمات التعليم المُقدّمة من الدولة، الأمر الذي يعني أنّ من يملك المال يحصل أبناؤه على خدمات التعليم المناسبة وأحياناً الخاصة، ومن لا يملك فأبناؤه عرضة للمآسي الموجودة في المؤسسات العامة، فتنتفي الفرص المتكافئة بين أبناء المجتمع وتزيد الفجوات بين طبقاته، وهو ما يجعل فرص أبناء الفقراء ضئيلة للغاية مقابل أبناء الأغنياء.

*وفق تقرير اليونيسف، فإن 13 مليون طفل في الشرق الأوسط لا يرتادون المدارس، ما المستقبل الذي ينتظر هؤلاء الأطفال؟ علماً أن التلاميذ العرب في مخيمات اللاجئين رصيد إضافي جديد ينضاف إلى الأرقام السابقة!

لا ينتظرهم إلا المجهول، وهم يشكّلون عقبة حقيقيّة أمام التنميّة، فلا خطر أمام المجتمعات والأفراد أكبر من الجهل ونقص المعرفة، فكيف بنا ونحن نتكلّم عن الأميّة وبأعداد هائلة؟ ولنا أن نتخيّل كم هو حجم خسارة المجتمعات والدول العربيّة بتحويل هؤلاء الأطفال من إمكانيات للتطوير والتنمية إلى عقبات! وكم من هؤلاء الأطفال منهم أصحاب عقول متميّزة تضيع، ولا تتوفر الفرص للكشف عنها واستثمارها، وحين نتحدّث عن الأطفال، فإننا نعني جزءاً كبيراً من المستقبل، وهم سيصبحون أرباب أسر غير قادرين على مساعدة أبنائهم في التعلّم، وهو ما سيرسّخ ثقافة وقيماً اجتماعيّة تتعايش مع الأميّة وتآلفها. وهذه الفئة من الأطفال هي الأكثر عرضة للانحراف والاستغلال، وبالتالي زيادة العبء على مجتمعاتهم ودولهم. وإذا كانت الدول العربية لا تنفق الحدّ الأدنى على البحث العلميّ ومشاريع إنتاج المعرفة المتطورة، فعلى الأقل يجب عليها أن تقيم مشاريع محو الأميّة وتوفير استراتيجيّات وطنيّة لحماية نفسها من آفات مجهولة لا تُعرف طبيعتها أو مصدرها.

في ظل تردّي التعليم العام يكون المجتمع مضطراً إلى البحث عن بدائل في المدارس والجامعات الخاصة والأجنبيّة

*على الرغم من كل الجهود المبذولة في السنوات الماضية للمساواة في التعليم بين الجنسين، إلا أنه ما تزال هناك فوارق بينهما تبلغ أعلى مستوياتها في الدول العربية، إذ تبلغ نسبة الأمية بين النساء العربيات نحو 80 %، وبحسب أطلس اليونسكو، فإن الفتيات أكثر عرضة للحرمان من حقهن في التعليم، ما سبب فشلنا على هذا الصعيد؟ وما الأسباب وراء ارتفاع نسبة أمية النساء في الوطن العربي؟ وما تأثير إغفال هذه المشكلة على الأجيال القادمة؟

للأسف، ما زال جزء غير قليل من المجتمعات العربية يعاني من بعض القيم التي تميّز بين الرجل والمرأة في الكثير من قطاعات الحياة، بما في ذلك منع المرأة من ممارسة حقها في التعلّم، وبالتالي فإنّ هذه المجتمعات تخسر نصف إمكانيّاتها العقليّة والعمليّة، وتتحول المرأة فيها إلى عناصر استهلاكيّة غير منتِجة أو مُستَثمرة. ويغلب هذا الأمر في الفضاء القرويّ، حيث تتغير القيم ببطء شديد، وتُواجه الأسر في الآن ذاته مشاكل اقتصاديّة كبيرة، الأمر الذي يؤدي إلى التضحية بتعليم جزء من الأبناء، وفي الغالب يكون ذلك واقعاً على البنات اللائي يُوجّهن للأعمال البيتيّة والعناية بالأبناء، وفي أحسن الأحوال للعمل في الحقول. وهنا، يتوجب على الدول إنشاء البرامج التوعويّة في المناطق الريفيّة، وتوفير المنح التعليميّة الخاصة بالإناث. وعلى مستوى آخر، لا بدّ من الاستعانة بالمجتمع المحليّ للمساعدة في القضاء على هذه المشكلة، فلا بدّ من توجيه المجتمعات لتقديم المبادرات وتسهيل عملها ومساندتها في ما تحتاجه، لا سيّما أنّ هذا العمل يحمل بعداً أخلاقيّاً، ويبرز الدور الذي يمكن أن يلعبه المجتمع المدنيّ في حلّ مشاكله والتفاعل الإيجابيّ معها.

*مخرجات المدرسة مدخلات الجامعة والعكس، ما السبيل لكسر هذه الحلقة المفرغة؟ خصوصاً أننا أمام أجيال جُلّها "لا يقرأ" ما يحيلنا إلى الأمية الثقافية؟

هذا ما أعنيه بأنّ ترحيل المشاكل في مراحل التعليم المختلفة سينتج لنا معلمين غير أكفاء، وهو أمر لا يبدو غريباً عندما تترهل مؤسسات التعليم، وتغيب المساءلة، ويكون النجاح مضموناً بغض النظر على مستوى التحصيل المعرفي. وحين يستفحل الفساد ليصل إلى تعيينات الأساتذة في الجامعات، التي يُفترض أن تكون مصنع العقول للمجتمع، فهذا من ناحية يختصر صور الفساد التي وصل إليها المجتمع بأسره، ومن ناحية أخرى يعني أنّ الجامعات تتخلى عن دورها في إنتاج العقول وتطويرها لتصير مفسدة لها. لا بدّ من مواجهة الفساد على أكثر من مستوى، في التعيينات في مؤسسات التعليم، والترقيات، ومراقبة العمل وضبطه، وإتاحة الفرصة لإقامة المشاريع الثقافيّة والتنويريّة داخل الجامعات وانطلاقاً منها، وهذا بالضرورة سيحرج من تمّ تعيينهم دون امتلاكهم الكفاءة ومن لا يأخذون أمر التعليم بالجديّة اللازمة.

 لا بدّ من مواجهة الفساد على أكثر من مستوى، في التعيينات في مؤسسات التعليم، والترقيات، ومراقبة العمل وضبطه، وإتاحة الفرصة لإقامة المشاريع الثقافيّة والتنويريّة داخل الجامعات

الأجيال التي لا تقرأ نتيجة طبيعيّة للمؤسسات التي لا تعلّم، وللأساتذة الذين لا تختلف معارفهم عن المعارف العامة المتاحة في المجتمع، لذلك مؤسسات التعليم العربية لا تقود المجتمعات، وإنما هي منقادة لها ومتأثّرة بها، إلى الحدّ الذي يجعل جلّ القضايا ذات الحساسيّة في المجتمع ذات حساسيّة في الجامعات، فيتم تجاهلها كما يفعل المجتمع تماماً. فلنا أن نشير في هذا الإطار إلى الثالوث المعروف: الدين، الجنس، السياسة. هذا الخلل في دور مؤسسات التعليم يؤدّي إلى البحث عن فضاء بديل عن المؤسسات الرسميّة، فانتشرت أندية القراءة الخاصة في عدد من الدول العربية خارج الأطر الرسميّة، وهي تلعب دوراً فاعلاً وتسبب حراكاً ثقافيّاً يحرج الجامعات ويظهر عورتها. انتشار هذه الأندية إلى المستوى الذي يشكّل ظاهرة لافتة دليل قوي على أنّ المشكلة ليست في الأجيال الجديدة، وإنما في الفرص المتوفرة لها، وفي أنظمة التعليم المتاحة.

*مع وجود 48 مليون أمي في الدول العربية ممن هم فوق سنة 15 عاماً، بحسب تقرير منظمة اليونسكو لعام 2015، كيف يمكن للمواطن العربي أن يكون شريكاً فاعلاً في الحياة العامة، ليبادر بشكل فردي وجماعي في حل أزمة الأمية والارتقاء بالوعي عامة؟

على الرغم من ضخامة هذا العدد، إلا أنّ جزءاً مهمّاً يصل إلى سبعين بالمئة من المجتمع يحصل على فرص جيّدة في التعليم والرعاية، وهذه الفئة الكبرى من المجتمع تستطيع إذا لعبت دوراً إيجابيّاً وآمنت بأهميّة هذا الدور، أن تقدّم مبادرات فاعلة تساعد في التعليم والتنوير، وتسهم في رفع الكفاية الثقافية العامة. وقد أشرت توّاً إلى ما بات يعرف بأندية القراءة، وهي ظاهرة تستحق النظر حقاً، لا سيّما أنّها تمتلك حرية لا تتوفر في المؤسسات الرسميّة، وتتيح فرصاً للتفاعل الإيجابي وللنقاش حول مساحة كبيرة من الموضوعات والقضايا بغض النظر عن حساسيّتها الاجتماعية والدينيّة.

ومن اللازم توجيه الانتباه لمؤسسات المجتمع المدني والمراكز الاقتصادية المحليّة، لتقديم المشاريع الثقافية كجزء من الدعاية لها، وهو ما يعني الدخول في منافسة في هذا الميدان، والأثر الناتج هو نفع عام لكل المجتمع.

*ثمة غياب لإرادة سياسية حقيقية في مكافحة شبح الأمية وتراجع مستوى التعليم عربياً؛ إذ تخصص البلدان العربية نسبة ضئيلة من الناتج القومي الإجمالي للإنفاق الحكومي على التعليم، مقارنة بالدول المتقدمة، متى سيتم تعديل هذا الخلل في ميزان الأولويات؟

معظم الأنظمة العربية توجّه اهتمامها لقضايا أمنية أو خدميّة ليس للتعليم أولويّة فيها، وفي أحيان كثيرة للحفاظ على مصالح المسؤولين ونفوذهم، بعيداً عن وضع المصالح الوطنيّة والاستراتيجيات الضروريّة للتطوير والتنمية ضمن الأهداف الرئيسة. لذلك، بدلاً من العمل على إصلاح منظومات التعليم وتطوير برامجه، نرى أن الوضع عموماً يتجه للأسوأ. ومن الضروري هنا التأكيد على أنّ جلّ محاولات الإصلاح في أنظمة التعليم العربية هي محاولات فرديّة مؤقتة تزول بزوال الأفراد الذين كانوا سبباً فيها، ولا ترقى غالباً إلى مستوى استراتيجيّات وطنيّة تغيّر في أولويّات النظام السياسي غير المعني أساساً بالقضايا الجوهريّة في عملية التنمية والتطوير. لا تنمية ممكنة دون دفع الثمن، ودون امتلاك البنية التحتية اللازمة ودون الدخول في ميدان البحث والاكتشافات العلميّة والتنافس في ذلك. هذا الكلام متداول ومعروف في كلّ الميادين الشعبية والرسمية، وصانعو القرار في الدول العربية يدركون ذلك ويتجاهلونه! أقصر الطرق للإصلاح والتنمية اتخاذ القرار السياسي لذلك، والعمل على تطبيقه، بعيداً عن دوّامات الفساد والمصالح الضيّقة.

لا تنمية ممكنة دون دفع الثمن، ودون امتلاك البنية التحتية اللازمة ودون الدخول في ميدان البحث والاكتشافات العلميّة والتنافس في ذلك

*ما رأيك بإلقاء اللوم على الانفجار السكاني في تعميق ظاهرة الأمية في المجتمع العربي؟

لا شك أنّ عدد أفراد الأسرة الكبير يشكّل عائقاً أمام تحسّن أوضاعها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبالتالي ضعف فرص التعليم والتثقيف للأبناء. ولا يقلّ الأمر سوءاً وخطورة على المستوى المجتمعي، حيث يقلل عدد السكان المتزايد قدرة الدولة والمجتمع على تقديم الخدمات المناسبة، ويزيد التكلفة والضغط على الخدمات الرئيسة التي يحتاجها المجتمع بما فيها خدمات التعليم؛ فالعلاقة بين عدد السكان ونوعية الخدمات المتوفرة في المجتمع علاقة عكسية، وهذا يوجب على الدول ومؤسسات المجتمع المدني العمل الجاد على نشر الوعي بهذه المسألة بالطرق المناسبة. وأقول بالطرق المناسبة، لأن بعض المجتمعات الريفيّة تتوجس خيفة من دعوات تنظيم النسل وضبط نمو الأسرة، وتربط ذلك بالدعوات اللادينيّة أو إلى تبني المفاهيم الاجتماعيّة والأخلاقيّة الغربيّة، وهذا قد يؤدي إلى ردّة فعل عكسيّة.

*نبهت "الألكسو" إلى تفاقم مسألة الأمية في المنطقة العربية وتفريخها للتطرف والإرهاب، فضلاً عن العلاقة الوثيقة بين الأمية ومختلف المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها أغلب الدول العربية مثل؛ التخلف والفقر والمرض والبطالة..، هل نحن أمام غياب للوعي تجاه هذه المسألة أم عجز عن معالجتها؟

نحن أمام الأمرين معاً؛ فعلى المستوى الرسميّ لا يغيب عن أنظمة الدول العربية معرفة العلاقة بين الأميّة والمشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة وغياب الوعي الذي يحمي من الفكر المتشدد والتطرف، إلا أنّ ما تتخذه من إجراءات غير كافٍ لمعالجة هذه المشاكل من جذورها. وعلى المستوى الشعبي، يغيب الوعي بالعلاقة بين الأميّة (سواء أكانت أميّة الحرف أم الأميّة الثقافيّة) وقبول الفكر المتطرف عن قطاعات واسعة من الشعب في الأرياف والبوادي. وبالطبع هذا ناتج عن ضعف الدور الذي تلعبه مؤسسات الدولة في معالجة كثير من المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتوعويّة. وهذا العجز بمحوريه (العجز عن معالجة المشاكل وعن نشر الوعي بآثارها وخطورتها) ناتج عن أنّ الإجراءات الرسميّة تركّز غالباً على أعراض المشكل دون أسبابها؛ فالفقر والجهل وغياب العدالة والخلل في أنظمة التعليم هو السبب الفعليّ في العجز عن معالجة مشاكل الأميّة وتبني الأفكار المتشددة والمنحرفة وعن رفع مستوى الوعي بخطورتها.

*فاقم "الربيع العربي" من مشكلة الأمية، حيث زادت أعداد الأميين وتردى مستوى ونوعية التعليم بسبب ما تشهده تجارب البلدان العربية من ليبيا ومصر وصولاً إلى سورية والعراق واليمن والسودان..، كيف يمكن أن ننتقل لمناخ ديمقراطي ومشاركة سياسية فاعلة دون التسلح بالوعي والمعرفة والتعليم والتراكم الثقافي؟

كيف يمكن أن نتحدّث عن تطوير أنظمة التعليم ونشر الثقافة والوعي في دول معظم مؤسساتها مفككة ومدمّرة، والهمّ الأكبر لأبنائها أن يسلموا بأرواحهم، وأن يملكوا الحدّ الأدنى من الغذاء والدواء؟ وعند غياب حماية الدولة لمواطنيها، فإنّ الناس لا خيار لهم سوى الالتجاء إلى مرجعيّات قبليّة وطائفيّة عنصريّة ومتشددة، ومع مرور الوقت وتراكم الجهل والمشاكل تتحوّل هذه العنصريّات إلى عقائد يؤمن بها الناس. تطوّر الوعي والثقافة والمعرفة يحتاج إلى استقرار على مستويات عدّة، ويحتاج إلى الحريّة والعدالة والتنافس الإيجابيّ، وفي ظلّ الغياب الكامل لكلّ ذلك وفي ظلّ الدمار الرهيب الذي تتعرض له بعض الدول العربيّة، تبدو فرص التنميّة المعرفيّة والثقافيّة شحيحة للغاية.

رغم كلّ الدمار والخراب في دولة مثل سوريا، هناك مبادرات يقودها أفراد ومنظمات لإنشاء مدارس في المخيمات وبين الأنقاض

*ما زلنا نتحدث عن "أمية أبجدية" في الوطن العربي وننفق المبالغ لمحو "أمية الكبار"، في ظل ثورة رقمية وانفجار معرفي هائل عالمياً ولدت "أمية جديدة" تضاف إلى "الأمية التقليدية"، أليس الأمر مخيباً للآمال؟

هذا مؤسف للغاية؛ فالفجوة بين المستوى العام للمعرفة ومؤسساتها في العالم العربي، ومستواها العالميّ هائل حقا؛ فمقابل الثورات المعرفيّة الكبرى والتطوّرات في التكنولوجيا وغزو الفضاء وفي المجالات الإنسانيّة والفلسفيّة ما زال ما يعرف بأميّة الحرف أو الأميّة الأبجديّة قضيّة كبرى تحتاج إلى جهد حثيث وخطط واستراتيجيّات في العالم العربي. وعلى الرغم من ذلك، لا بدّ من التمسّك بالأمل في الأجيال الشابّة وفي قدراتها على التحدّي والعمل الدؤوب على التطوير والتنمية؛ فمع كلّ الدمار والخراب في دولة مثل سوريا، هناك مبادرات يقودها أفراد ومنظمات لإنشاء مدارس في المخيمات وبين الأنقاض. هذه الروح المتمسكة بالمعرفة والواثقة بها قادرة على التحدّي وعلى إحداث الفرق، مع الحرص الشديد على أخذ الصورة الواقعيّة بعين الاعتبار وإدراك التحديّات.

لثورة الفكر تأريخ يحدّثنا     بأنّ ألف مسيح دونها صلبا

إعلامية أردنية

* حوار منشور لملف العدد الثامن والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " واقع الأمية في الوطن العربي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/Aghj0R

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

 

التعليقات السابقة

ان تشعل شمعه خير من ان تلعن الظلام

عماد عياصره
31 اكتوبر 2016‎

تشخيص دقيق وتحليل منطقي لواقع اليم
نسأل الله ان ييسر للامه من الخيرين والعلماء الغيورين
المدركين لحجم هذا التحدي افضالكم دكتورنا الحبيب
نفع الله بكم وبعلمكم

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق