التيارات السياسية الدينية محور حلقة نقاش في معرض تونس الدولي للكتاب
31 مارس 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

نظمت مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث"، بالتعاون مع معرض تونس الدولي للكتاب، حلقة نقاش عن موضوع "التيارات السياسية الدينية: مسألة تأويل أم قضية حكم" أدارها الأستاذ نادر الحمامي بمشاركة الأستاذ عز الدين عناية والأستاذة زهية جويرو والأستاذ سامي براهم، وذلك ضمن أنشطتها الثقافية والفكرية على هامش فعاليات المعرض.

وقال الأستاذ عناية، خلال حلقة النقاش التي دارت يوم 29 مارس 2017، بقاعة "منور صمادح" بمعرض تونس الدولي للكتاب، إن "الإسلام السياسي قد مر بتحولات كثيرة في تونس وفي العالم العربي؛ لأننا منذ أن طرحت المسألة مع عبد القادر عودة إلى راشد الغنوشي في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" نرى أن هناك مسار تحولات كبير، ويشير رضوان السيد إلى مسألة مهمة جداً من ناحية الأطوار التي تحكم الإسلام السياسي في البلاد العربية الذي مر بمرحلة أولى بدئية، وهي الإسلام الإحيائي إلى مرحلة ثانية، وهي الإسلام النضالي ثم إلى الإسلام الاندماجي الذي نعيشه اليوم".

وتابع الأستاذ عناية: "منذ ثلاثين سنة كان مصطلح الديمقراطية يمثل نفوراً كبيراً لدى الحركات الإسلامية. هناك تحول كبير عند راشد الغنوشي منذ أن نشر كتابه الأول "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" إذ أقدم على تبيئة الفكرة الديمقراطية داخل فكر الحركات الإسلامية مما جرها إلى القبول بالآخر والتعايش معه. وقد كان لهذا تأثير قوي في تونس".

من جهته، رأى الأستاذ العليبي أن "التحقيب الذي ذكره عناية هو تحقيب من الداخل أما بالنسبة إلي، فينبغي أن نعيد الإسلام السياسي إلى جذوره الأولى التي تعود إلى الإصلاح الذي بدأه محمد عبده جمال الدين الأفغاني، ثم كانت هناك "ردة" مع رشيد رضا الذي ينتهي إلى السلفية، وهذا ما سيتم التقاطه فيما بعد مع سيد قطب وحسن البنا. ويمكن أن أميز بين لحظتين في علاقة بالإسلام السياسي منظوراً إليه في صلته بالحالة التونسية من خلال الدعوة إلى ما هو طقوسي في بدايات راشد الغنوشي وحدوث جملة من الاختلافات في تأدية الطقوس والشعائر الدينية مع ما تقره الدولة في تأدية الطقوس، ثم شيئاً فشيئاً صار الإسلام السياسي يستظل بالدولة، حيث كانت مجلة "المعرفة" – لسان حال الإسلام السياسي - كانت توزع في دار الحزب الدستوري التونسي، ورأينا أن الإسلام السياسي يتقرب إلى بن علي. وعليه أرى أن راشد الغنوشي لا يتحول فكرياً، وإنما يخاتل سياسياً".

أما الأستاذ سامي براهم، فقال: "أحب أن أؤكد على أن دراستنا لتيار الإسلام السياسي هي دراسة لظاهرة سوسيو ثقافية، وهي ليست ظواهر جامدة إنما تتفاعل مع الواقع. ومظاهر الأزمة داخل تيار الإسلام السياسي هي مظاهر مشتركة مع بقية التيارات الفكرية والسياسية مع خصوصيات بعض مفردات الأزمة الخاصة بهذا التيار لأنه مشدود إلى مرجعية هي في حد ذاتها مشدودة إلى نص تعتقد أنه مقدس واعتباري وسماوي، إذن هناك أعباء تأويلية خاصة بهذا التيار الذي اختار أن يصدر عن مرجعية دينية بالإضافة إلى المرجعيات الأخرى التي اختارها في سياق تفاعله مع معطيات الحداثة كرهاً أو طوعاً، اقتناعاً أو مجاراة للموجة. إذن ما يشهده تيار الإسلام السياسي هو من طبيعة الظاهرة السوسيولوجية التي يشترك فيها مع كل العائلات الفكرية والسياسية".

وأضاف: "أريد أن أتفاعل مع الأستاذ عناية إذ لا يمكن لكتاب أن يعيد تشكيل ظاهرة سوسيو-ثقافية مهما كانت قيمته إذ يمكن أن يؤثر في نخب وقد أثر في نخب خارج تونس بالفعل، حتى من العلمانيين لا من الإسلاميين بالضرورة. ففي تقديري أن ما يعيد تشكيل هذه الظاهرة معطيان: الأول هو خروجها من السرية إلى العلنية لأن جلها كانت تيارات منغلقة على ذاتها تحلم بإعادة مجد الإسلام بحلم استعادة مجد الخلافة؛ لأن ظهور الإسلام السياسي هو من استتباعات سقوط الخلافة، بالإضافة إلى فشل الدولة في مشروع التحديث وفي إيجاد مواءمة بين الهوية والحداثة التي جسدتها الحركة الإصلاحية في مصر وفي تونس من خلال تيارين: الأول تنويري داخل الزيتونة وتيار سوربوني (نسبة إلى جامعة السوربون الفرنسية) نقل إلينا فلسفة الأنوار وميز بين فرنسا الأنوار وفرنسا الاستعمار. أما المعطى الثاني الذي ساهم في إعادة تشكيل الظاهرة، فهو التنوع الذي صارت يتوفر عليه التيار الإسلامي، وقد أثر هذا العامل أكثر في دفع هذا التيار إلى أن يشهد نوعاً من "الصحوة"، صحوة النقد".

وخلص إلى أننا "أمام ظاهرة حية تتفاعل مع الواقع ويجب أن يفخر خصوم هذا التيار بأنهم أثّروا فيه، ودفعوه إلى المراجعة والنقد".

وأما الأستاذة زهية جويرو، فقد رأت أن "المسألة تطرح وجهين: وجهاً معرفياً تأويلياً، ووجهاً سياسياً؛ ونحن نحتاج إلى تدقيق المصطلحات والمفاهيم. عندما نتحدث عن تيارات، فنحن إنما نتحدث عن فكر وعن رؤية وقد تشكلا تنظيمياً في هيئة أحزاب، فنحن أمام ظاهرة أحزاب دينية تبني مرجعيتها للنظام الاجتماعي والسياسي بناء على قراءتها لمصادر مرجعيتها تلك. وهي من ناحية أخرى، بما أنها أحزاب، هي مرتبطة بقضية الحكم، ولكن من جهة أخرى هي ظاهرة تأويلية، لأنني أرى أن وجود هذه التيارات السياسية الدينية راجع إلى سبب أساسي هو أننا مازلنا بدرجات متفاوتة لم ننجز بعد التأويل التاريخي للدين الذي يمكننا من أن نوجد حلولاً للكثير من الإشكاليات التي تجمع بين وجه ديني وآخر سياسي، مازلنا لم نقرأ الإسلام ومراجعه وأصوله ومصادره القراءة التي تمكننا من جسر الهوة بين فهمنا نحن وتحولات واقعنا من جهة وبين ما جاء في ما نعتبره مصادر".

ولاحظت الأستاذة جويرو أن الإشكالية متأتية من تعامل تيارات الإسلام السياسي بتأويلية جامدة ثابتة مع قضية الحكم المتحولة لارتباطه بالواقع.

أما الأستاذ عناية، فقد اعتبر أن "إشكالية الإسلام السياسي تتوزع على مسألتين: الأولى: تتعلق بالتعامل مع النص والثانية بالتعامل مع الواقع. ومن لهم اطلاع على التجربة الشيعية يلاحظون أن المسألة تطرح على الفكر الشيعي الحديث بعد الثورة الإيرانية لخصت في قولتين كلاهما من "نهج البلاغة" لعلي بن أبي طالب: "القرآن كتاب مسطور لا ينطق، وإنما ينطق به رجال". ومن له القدرة على فهم النص اليوم وطرح أفكار حديثة. ويطرحون في جانب إشكالية الإسلام السياسي مع الواقع قولة ثانية مستوحاة من الكتاب نفسه: "الناس صنفان: أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق"؛ وهما مسألتان عويصتان أمام الإسلام السياسي اليوم: هل له جرأة أو قدرة على التعامل مع الواقع؟".

ثم أضاف أن "الإسلام السياسي في البلاد العربية هو تعبير عن قلق بنيوي، إذ إن الأمراض المتواجدة في المجتمع تصيب الإسلام السياسي والعكس صحيح. وما ألاحظه من خلال تجربتي أن الإسلام السياسي لم ينتج إلى الآن فكراً عقلانياً بمعنى أنه ليس هناك اعتماد على المدونة العقلية المستمدة من تاريخنا أو على العلوم الحديثة من علوم إنسانية واجتماعية وغيرها".

من ناحيته عقب الأستاذ العليبي قائلاً: "دعنا نقم مقارنة بين تعامل النهضة الأوروبية مع التيارات المسيحية وماذا نشأ بعد ذلك، فلم ينظروا إليها من خلال عقائدها مثلما نفعل نحن، وإنما نظروا إليها من حيث القوة الاجتماعية التي تمثلها، بمعنى أن الإسلام السياسي ينبغي أن ينظر إليه من خلال محركاته وديناميته الاجتماعية والاقتصادية. وعندما أسمع أن الإسلام السياسي مر من السرية إلى العلنية أعتبر ذلك خاطئاً لأن العكس هو الصحيح، إذن إن إضفاء طابع نضالي كفاحي على التيارات الدينية إنما هو من الزاوية المعرفية مخاتل ومن الزاوية السياسية له آثار عكسية. إذن لا ينبغي النظر إلى التيارات الدينية عقدياً، لأنها تزعم لنفسها القداسة وتخاتل من هذه الزاوية، وإذا أردنا فهم حقيقتها فلا بد من النظر في برنامجها السياسي في علاقة بقوى محلية وإقليمية وعالمية تدعمها. ثم إن الإسلام السياسي قديم قدم هذا الدين نفسه، ويمكن أن نعود به إلى سقيفة بني ساعدة. وما حصل أن هناك تناقضاً بين تيارين: التيار العقلي التأويلي ويمثله المعتزلة وصولاً إلى ابن رشد في محنته؛ وهناك تيار نقلي إظلامي".

وقد أثار النقاش تفاعلات مع الحضور حول هذا الموضوع الذي يتطلب النقاش فيه حذراً أشار إليه بعض المتدخلين يتعلق بزاوية النظر إليه وتجنب الإيديولوجيا والاكتفاء بالتناول المعرفي وما يقتضيه من موضوعية وترو في مقاربة موضوع خطر.

يذكر أن مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث تنظم حلقة ثانية للنقاش تدور عن موضوع "الفن والاحتجاج" يديرها الأستاذ نادر الحمامي بمشاركة الأستاذة أم الزين بن شيخة وعبد الحليم المسعودي وسيف الدين الجلاصي يوم 1 أبريل (نيسان) بجناح وزارة الشؤون الثقافية بالمعرض.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق