الجابري يفكك تبرير الفقهاء فرض الحجاب على المرأة "خشية الفتنة"
25 يونيو 2014 | 4 تعليق

محمد عابد الجابري - (أرشيفية)
ذوات

مع أن "غض البصر" مطلوب من الرجل والمرأة بنفس الدرجة على صعيد العبارة، مع البدء بـ"المؤمنين" قبل "المؤمنات" (الرجال قبل النساء) فإن جل ما كتبه الفقهاء والمفسرون -إن لم نقل كله- يجعل سبب هذا الطلب أو مبرره هو أن "المرأة" مصدر الفتنة للرجل، ساكتين عن إمكانية العكس وهو أن الرجل قد يكون هو الآخر "فتنة للمرأة".

لنستعرض بعض أقوالهم في الموضوع:

منهم من يرجع في "تأصيل" الفتنة في المرأة دون الرجل إلى قصة آدم وحواء، منساقين مع ما في الإسرائيليات من أن المرأة هي التي أغوت آدم وجرّته إلى الأكل من الشجرة التي نهاهما الله من الاقتراب منها. ففي تفسير لقرطبي: "يقال إن أوّل مَن أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إياها... وأوّل كلامه كان معها لأنها وسواس المخدّة، وهي أوّلِ فتنة دخلت على الرجال من النساء". وهذا الكلام لا يستقيم إلا إذا أخذنا بما ورد في التوراة وفي الإسرائيليات عموماً، من أن "الله خلق حواء من ضلع آدم"، وهذا مذكور في التوراة، ولا أثر له البتة في القرآن: ففي الذكر الحكيم "وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ (ماء رحم المرأة) وَمُسْتَوْدَعٌ (مني الرجل مستودع فيها)" (الأنعام 98)، وأيضاً: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً" (النساء 1)، فالأمر يتعلق هنا بـ "النفس" وليس بالبدن، ولا باللحم ولا بالضلع. والمعنى واضح وهو أن الله يخلق النفس في رحم المرأة من اجتماع مني الرجل و"ماء المرأة" (ما ينزل من مبيضها). أما الخلْق أول مرة فواضح من الذكر الحكيم أن الله خلق آدم من طين بث فيه نفس آدم.

هذا من جهة ومن جهة أخرى فليست حواء هي التي دفعت آدم وأغوته بالأكل من الشجرة، فليس في القرآن ما يدل على هذا، وفي التوراة جعلت "الأفعى" هي التي أغرت آدم، وقد يفهم من هذا أنه كناية عن المرأة. أما في القرآن فالنص صريح في أن الشيطان هو الذي أزلّ كلا من آدم وحواء. قال تعالى: "وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ" (البقرة 35-36)، ومعنى الشيطان هنا كما في مواضع كثيرة هو "ما يوسوس في النفس"، هو "الهوى"، هو التصرف بدافع الشهوة والاشتهاء.

ليس في القرآن، إذن، ما ينص على أن المرأة "فتنة" ولا أنها تفتن الرجل بل الرجل هو الذي يُفتتن بها، وإذا كانت تجذب الرجل ليفتتن بها فالمسؤولية أولاً على الرجل لأن المطلوب منه "غض البصر"، أما القول بضرورة فرض نوع من الحجاب على المرأة حتى لا يفتتن بها فهذا يخالف نص القرآن "ولا تزر وازرة وزر أخرى". فلماذا نحمل المرأة وزر الرجل لكونه لا يستجيب للآية التي تدعوه إلى غض البصر؟ أما إذا فرضنا أن امرأة استثارت عمداً أحد الرجال وأنه استجاب لإغرائها فالذنب ذنبه تماماً كما إذا استثارت قنينة خمر شهوة الرجل فشرب منها فالذنب ليس ذنب القنينة...

كثير من المفسرين - حتى الكبار منهم- ينساقون أحياناً مع "الأفكار المتلقاة" من دون إعمال العقل، ودون طرح المسألة على ما يفيده استقراء الذكر الحكيم. من ذلك مثلاً ما أورده القرطبي بصدد قوله تعالى: "زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ" (آل عمران 14)، قال: "قوله تعالى "من النساء": بدأ بهن لكثرة تشوُّف النفوس إليهن؛ لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء" أخرجه البخاري ومسلم. ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء. ويضيف القرطبي: "يقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة قد تأمر زوجها بقطع الرحم مع الأمهات والأخوات. والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام. وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم". ونحن نرى أن قوله قبل الحديث "لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال" قول لا يناسب مضمون الحديث الشريف حتى يقدم كتمهيد لتفسيره. دليل ذلك أن القرطبي نفسه فسر هنا "فتنة النساء" بعيداً عن المعنى الذي قدم به للحديث المذكور، إذ حصر فتنة النساء في كون الزوجة قد تفتن زوجها وتطلب منه أن يقطع علاقته بأمه وأخواته... إلخ، أو تدفعه إلى كسب المال من طريق غير مشروع، وواضح أن هذا وذاك لا علاقة لهما هنا البتة بالفتنة التي يجعلها المفسرون والفقهاء موجبة لفرض الحجاب على المرأة.

ومن ذلك أيضاً ما ذكره القرطبي من أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "ليس للنساء خيرٌ لهنّ من ألا يراهنّ الرجال، ولا يرين الرجال". وذلك أنها خُلقت من الرجل، فنهْمتُها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشهوة، وجُعلت سكناً له، فغير مأمون كل واحد منهما في صاحبه".

يبقى أن نقول إني بحثت عن هذا الحديث في كتب الحديث المعتمدة فلم أجد له أثراً.

 

* مقال للمفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري نشره أول مرة في صحيفة "الاتحاد" الإماراتية بتاريخ 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2009، كجزء من سلسلة مقالات حول مفهوم "الفتنة" لافتاً واعتماداً على "لسان العرب" أن للفظ معنيين أحدهما يخص الفرد من الناس، والثاني يخص الجماعة، وعندما يربط هذا اللفظ بالفرد من الناس يكون معناه: الاختبار، والـمِـحْنة، وحين توصف به الجماعة، فمعناه: "اختلافُ الناس بالآراء، وما يقع بـين الناس من القتال".

 

التعليقات السابقة

الأفكار النيرة

قيس
02 يوليو 2014‎

الحمد لله أن الأمة الإسلامية لا يزال فيها رجال لهم أفكار نبرةومتفتحة يحببون الناس في دين الإسلام ولا ينفرونهم منه كما يفعل المتطرفون من سلفية ووهابيون وغيرهم من المرتدين عن دين الله الحق.

راي الجابري في الناسخ والمنسوخ في القران .

محمد بوعجيلة
05 يوليو 2014‎

في تفسيره -- فهم القران حسب ترتيب النزول -- تعرض الجابري الى مفهوم الفتنة كما نفى مسالة الناسخ والمنسوخ في القران . واود مزيد التوضيح لهذا الراي .

وسواس المخدّة

سامي عبد العال
04 ديسمبر 2014‎

العنوان بالطبع يرجع إلى القرطبي عندما أطلق على النساء وسواس المخدة.. والفضل في كشف القضية التي يطرحها الجابري أنَّ المخدة مشتركة بين الرجل والمرأة. لماذا يرى الفقهاءالمرأة فقط ولا يرون رجلاً بجوارها. ربما لم يتعمق الجابري كثيراً في المعاني الثقافية للكلمات وعلاقتها بالتراث. فالمخدة هي موضع استقبال الخد، الوجه، وهم(أي الفقهاء) يرون وجه المرأة عورة بالأساس. إذن انصرفت عباراتهم إلى المرأة دون الرجل. كما أن وسواس المخدة نتيجة العنف الحاصل على ما هو أنثوي. عنف تأويلي بالطبع كأنه انتقام تاريخي من النساء(حواء قديماً). وبدلاً من جعل العلاقة بين الطرفين علاقة حرة لا ينالها تغطية أصروا، أي الفقهاء،على تغطية الوجه وتغطية كل ارتباط به. وأصروا على ملاحقةالمرأة حتى في خدرِّها. لأنَّ كلمة وسواس المخدّة مازالت تُطلق على الزوجة- في أريافنا العربية-وهي تلقي بالأسرار على أذن الرجل(زوجها) وتؤلبه على أخوته وباقي العائلة. حتى أن الأمهات يشتكين من الزوجة مخافة الوسوسة ليلاً للزوج وتشكيل عقلة. ويحاذر الآباء من الزوجة لكيلا تبث الفرقة بين الأبناء. هذاالمعنى يحمل ليس تدنياً للمرأة فحسب إنما يصف الرجل ضمنا"بألعوبة المرأة".
ووسواس المخدة تعبير يستحضر الشيطان في التفاصيل. فنحن نقول إبحث عن المرأة وراء أي جريمة عائلية. ويكاد المعنى يلصق شيطاناً بكل إمرأة، فهي نعجة الشيطان إلى الرجال، وبها -كما يقال- نزل آدم من الجنة وحُرم الجنس البشري قاطبة من النعيم المقيم. كأنها بذرة الدنيا وثمرة المعاصي والذنوب. أليس هذا ترجمة ثقافية لتخريج الفقهاء للآيات والأحادث الشريفة؟ّ
على أن القرآن كان واضحاً تمام الوضوح. حين أشار إلى أن الله خلقنا من"نفس واحدة". فالنفس الواحدة ليست فقط اشتراك الخلق بل وجود ذات التكوين النفسي للرجل والمرأة. فالغرائز واحدة والحياة واحدة. ما يحدث بين الرجل والمرأة ليس لطرف فيه أولوية بقدر ما له نفس الإستجابة إن حصل. والفتنة لا تتم إلا بطرفين لا طرف واحد وإن كان مصدر الوسوسة.

استقراء الذكر الحكيم

سامي عبد العال
08 ديسمبر 2014‎

ما قدمه الجابري ليس تفكيكاً. إنَّه قراءة مستنيرةٌ، تقارن وتعرض فقط. أطلق عليها الجابري(استقراء الذكر الحكيم). لماذا إذن تخطفنا مصطلحات براقة كـ"التفكيك" دون سند؟! هل كل نقد تفكيك؟ بالطبع لا. لعدة أسباب. أولاً: التفكيك أكثر جذريةً من التحليل والمقارنة، لأنَّه يأتي على الآراء من جذُورها. ذلك بواسطة نسف كل أساسٍ منطقي لها. وهو ما لم يطرحه الجابري ابتداءً، ففي تفاصيل المقال نحن نعلم طوال العرض وجود مرجعية لا تُمس، مرجعية القرآن. وإن أفلت الكلام من مرجعية القرآن لن يخرج عن نطاق الدين الإسلامي. حيث يقف الجابري في دائرته محركاً الكاميرا باتجاه النصوص والآيات. وكأنه سيرجح رأياً أخيراً بخلاف أقوال القرطبي. وقد فعل ذلك حقاً بطريقة الفقهاء ذاتهم. ثانياً: كشف التناقض بين ما يقوله تعليق القرطبي وما يقوله القرآن خطوة أولى من خطوات التفكيك إنْ وجد. ولعلَّ تلك الخطوة استغرقت جميع مقال الجابري ولم يكمل ما بعدها. ثالثاً: التفكيك لا يقارن الرأي بغيره دون إظهار ازدواجته وتناقضه مع نفسه. أي أنَّه رأي يلغي، يؤجل، يدمر نفسه بنفسه. رابعاً: هناك استعمال للغة لا يغلِّب طرفاً على حساب طرف مقابل له. وهذا بديل تفكيكي إذ صح ايراد الكلمة. وبصدد عبارات الجابري لم تستطع الإفلات من موضعة المعاني المقصودة. خامساً: يشتغل التفكيك أيضاًعلى منطق المُتلقي، فلا يضع مفاهيم في عقله، ولا يحشو قناعته ولا يطفئ شكوكه، إنما يحاول أنْ يقول له ليس صحيحاً ما تفكر فيه. كأنّه يقرأ أفق القارئ ويضعه على درب طويلٍ من توليد الأفكار. التفكيك مران شاق على التفلسف ونبش تُربة العقل التي هي الحقائق المستقرة.

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق