الخوف وشهوة المعنى في ديوان "اكزيما"
22 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

عبد الواحد مفتاح *

في واقع الحال، يظل سؤال كيف تقرأ قصيدة، أحد الأسئلة القلقة التي طالما رافقتني، وهنا يمليها علي بقوة تفتيت الرؤية لتجربة محمد عواد، خاصة في ديوانه "اكزيما"، والذي أتلمس فيه منعطفا محوريا صدر عن نضج فني، واختمار أدبي، فما شكله هذا الديوان على سبيل تمثيل القصيدة المعاصرة، من تحول إبداعي برؤيوية متوقدة للكشف/الشطح الجمالي البكر، رافقه تطور معرفي ومنهجي للمدارس النقدية؛ فمع الاقتراب من الأدوات والمفاهيم التحليلية لهذه المدارس، نجدها لا تحضر نجاعتها في الوصول إلى حقيقة النص، من حيث تشابك مكوناته البلاغية والفكرية واللغوية، إلا بالمضي ضد تيار بعدها الواحد، حتى تلتحم بتعالق مع روافد من معطيات نفسية واجتماعية وخطابية، تلعب على تحريك دينامية الإبداع داخله. فوقوفنا أمام قصيدة محمود عواد كنموذج للقصيدة الكريستالية، هو وقوف أمام التماع يتعذر علينا الإمساك بدلالته الإرسالية، كما أن كل مقطع لديه مستقل ببعده التواصلي، بما لا يضرمه بمجرد إشباع، أو تأثير، أو إمتاع،

إن عملية القراءة التي تقوم على أساس اكتشاف تدريجي، ينقلني من مستوى عمومية غايتها الذي يشيد بنظام ومستوى بعينه، إلى مرتضى المرمى /الغرض / الهدف الذي يترجم بدوره عبر أدوات إجرائية، تنعم بغزارتها وطراوتها، وهي تسيح بفضاء الممارسة، وخيوط مكوناتها، في بدائيتها واختمارها، هكذا تماما كما أرسم لوحة بيدين عاريتين، ودونما فرشاة، لتصير الكتابة كما القول، تبليغ عن ذات صارت مرآة لفتنة أصابتها، وهو ما يجعل كل جهد قرائي أو تلمس خطة له /قرائية ملائمة أمام ديوان "أكزيما"  ما هو غير تصور شكلاني، فهذا العمل بما هو بنية مجردة "Structure abstraite "توسلنا كثير أدوات أثناء الاشتغال على متنه. تعددها كما تجانسها هو أبلغ من مجرد: تأويلinterprétation أو تفسير  explication أو تعليق commentaire  أو إيضاح  simplification أو قراءة lecture  أو تحليل analyse أو نقد critique

المنزلُ
طَحَنَتهُ الصواريخ
الخيمةُ كبسَلَها المطر ، تلكَ الطفلةُ النازحة لم يبقَ لديها سوى فقاعةِ العلكةِ
تجمعُ فيها أُسرَتَها من البردِ
ربما يُزعجُكُم
تجاهُلُها الأسئلةَ
أعذروها هي صامتةٌ طوالَ الوقتِ حفاظاً
على الفقاعةِ

فالمجاز الذي يوزع سيادته بنعومة، على كامل مضمار الكتابة السطرية بالجملة الشعرية، يحظر عبر جمالية الظلال كإرسالية ضاجة باللمعان، لتتأتى لنا مقولة شعرية بكر تكاد الرغبة تشطح بها، في امتلاء عرفاني، الحضرة إليه فيض كلها.فهذا الشاعر المشاكس، الذي استطاع فعلا أن يوقع انتباها نقديا كاملا لمنجزه، لما افتضه من اختراق أسلوبية قصيدة النثر، لينزع عن ثوبها رداء البلاغة، ومتعاليات الخطاب الواصف، حيت بلا كبير تنقيب يمكنا أن نلحظ تلك الندوب والأخاديد الأحفورية التي شغلها على مساحة قصيدته، هذه التي صدرت عن علبة التجريب، وهو ما يجعل ثبات النظرة النقدية لها تبقى بدون استحكام اطمئنانا وافرا، فالتوجس والريبة، هو مصير هكذا شكل يأخذ عن تكسير البنية كامل أدواتها، فمحمد عواد في ديوان "اكزيما" باجتثاثه لنسقية اللغة، وتخريب أوزان المتعاقد عليه فيها، يكون قد اجترأ على تدمير مساحة الحظر، والخوض بليغا في جماليات البتر، في بحث عن أسانيد جديدة غفيرة جلها، وهو ما يرفع من درجة المخاطرة، إلى حدود قد نعيد معها مسائلة التجربة، في محاورها الأولى، التي تستند عليها والمرسخة رؤيتها في كل من بيان "مسوَّدة الكتابة الوحشية"  وبيان  " مسوَّدة النغل الثقافي" الذي كان قد أطلقهما الشاعر، وهي بيانات إلى جانب ما تظم من أطروحات فكرية ورؤيوية، هي أيضا تذهب إلى حد تنظيري، وهو ما لا نجده لدى تجارب عديدة تكتفي بالارتهان بما تفصح عنه نصوصها لا غير.

الإنسان
دجاجةٌ منغوليةٌ
تقبلَتْ فكرةَ الموتِ
لتجمعَ
ريشَهَا
في مكان
لايُشعرُها بالنقصِ.

يمكن اعتبار مواقعة هذه القصيدة البياض، ضمن خط التحول الذي تنتهجه في دعوة صريحة لإعادة بناء هذا البياض، فيما هو لا يكف عن ترسيخ التماعات فريدة، بعدما انتهى منذ وقت مبكر لاعتبار القصيدة الناعمة/النائمة فوقه، استمرار لسفر كثير، ساد حوله وتفجر قبله. فما يفتح شهية القراءة بهذه القصيدة، هو ما توفره لك وتنمي فرحك بها، بربط علاقات جديدة بعوالم جديدة، قصد احتضانها وكسب صداقتها، فبنيتها محو لقانون العادة، والتكرار، وخلق متشوق إلى معانقة أغوار الدلالات والمعاني، كشفها لا يتحقق إلا في حدود تحويل القصيدة من هيئة خطية إلى مساحة عرفانية، تمنح حرية أكثر في الحركة والانتقال، داخل مفاصلها الجمالية البكر؛ فالمعنى عند محمود عواد، ليس غير شهوة تنتصب وراء حسن اللغة. أن تصاحبها معناه أن تبغي الأثر وأن ترغب في أن تكونه.

 

 يرتفعُ صوتُ الغارةِ
الطائرةُ قريبةٌ مِنّا

لدرجةِ أنَّ الطيّارَ

يُكرز عبّادَ الشمسِ

فتسقطُ القشورُ

رَطْبةً على رُؤُوسِنا
كلّما هبطَتْ الطائرةُ أكثرَ

جرى الماءُ من تحتِ ثيابِنا
بأدعيتِها الحامضةِ

تهرَعُ أُمّي منذهلةً

تُمسِكُ المصحفَ

وتقرَأُ سورةَ الدخانِ

فتكتشِفُ أنَّ الآياتَ مبللةٌ أيضاً

 

إن العمل الأدبي كلما انزاح عن المعايير والقوانين الجمالية، المشكلة لأفق انتظار القارئ، كلما حقق جودته الفنية وروعته الإبداعية، لهذا نجد هذا الشاعر في التحافه بفضيلة الاختلاف، لا يضمر إسراره على توليد بنى جديدة، يردف أسلوبية قصيدته عليها، في اختراق صارح لمتواضع عليه كثير، يريد البعض ترسيخه كنموذج أكيد لقصيدة النثر.

الأعمال التي تتسم بالمساحة الجمالية Distance Esthétique  هي التي تملك جذوة توقدها، أما تلك التي تلبي أفق انتظار القارئ ورغباته فأثار عادية جدا. فالآثار التي هي نقيض جمهورها تربك تطلعاته، هي القادرة على تطوير وتطويع وسائل التقويم والحاجة من الفن، وهذا ما يدهشني لدى هذا الشاعر، من قدرة على خلخلة السائد والمتداول من المعايير والأعراف الفنية، في سبيل تدشين أخرى جديدة، لها الحيوية وقابلية الامتداد السعيد.                



 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق