الدائرة الهرمنيوطيقية
12 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

* كاتب وباحث أردني في فلسفة الدين
رامي نفاع *

الهرمنيوطيقا هي المبحث الخاص بدراسة عمليات الفهم، وبخاصة فهم النصوص. ومن الجلّي أن النصوص تحتل مكانة كبيرة جداً في مجتمعنا اليوم -وأقصد هنا المجتمعات العربية- كما احتلت النصوص وخاصة الدينية منها هذه المكانة في الغرب أيضاً على امتداد قرونٍ عدة. ولهذا فإنه من الضروري ردع الصدع القائم بين النص في أبعاده التاريخية ومكوناته الثقافية، وما يحمله من جوانب شخصية ترتبط بكاتبه، وبين قارئ النص في زمان مغاير لزمن كتابته، وما ينبثق عن ذلك من فهم يُقارب أو يُباعد الصواب. وكذلك ما يرتبط به من إشكاليات تتعلق بالمنهج والتفسير والتحليل وما يتشكل بعد ذلك من موقف لدى القارئ قد يُترجم إلى فعل حضاري أو ثقافي ولربما ثوري وتقدمي أو فوضوي ورجعي.

وبما أن لفهم النص هذه الأهمية، إذاً لا بد من التعاطي الجاد مع إمكانية فهمه بالشكل الذي يضمن إلى أقصى درجة عدم تشويهه وإخراجه عما أراد له مؤلفه. وتتحقق القصوى منه في فهم التاريخ والتراث وتراكم المعارف الإنسانية، كون هذه الأبعاد تُشكل جزء مهم جداً من تاريخ البشرية وخطواطها على سلم التقدم والفهم.

بالطبع لا يمكن تحقق ذلك دون اللجوء للدراسات الهرمنوطيقية، آخذين بعين الإعتبار أختلاف المدارس والمناهج المتبعة في الدراسات والبحث والتحليل والنقد. ومع هذه الاختلافات داخل الهرمينوطيقا إلا أنه يوجد قواعد مشتركة بنيت على الفهم الأكيد والوعي السديد بضرورة فهم الواقع وتشكله في ضوء فهم النصوص التي كونته ونتجت فيه وساهمت في تشكل مفرداته، خاصة أن العلاقات والمعاملات بين الذوات العاقلة تمر من خلال "رُموز" أو "علاقات مشتركة"، ولا يمكن مشاركة أي حدث أو واقعة إلا من خلال "وساطة" قد تكون هذه الوساطة نص وكل نص يُقدم من خلال سياق أو عدة سياقات.

ويعبر جادمر عن ذلك في كتابه الحقيقة والمنهج بقوله: "بفضل الطبيعة اللغوية لكل تفسير "تأويل" فإن كل تفسير ينطوي على إمكان نشوء علاقة مع ألأخرين. فما من قول أو حديث إلا وهو يربط المُخاطِب والمُخاطَب" وللدلالة على مدى أهمية هذه الرموز فإننا نقرأ ما ذهب إليه هيدجر بأن اللغة تقول الإنسان، ويذهب أخر إلى أننا لسنا موجودات تستخدم الرموز بل موجودات مشيدة بهذا الإستخدام ومجبولة فيه.

تجدر الإشارة هنا إلى أن مفهوم الهرمينوطيقا يرتبط ويتقاطع مع العديد من المفاهيم وذلك تبعا للمدرسة أو المذهب الهرمينوطيقي الذي نكون بصدده مثل مفهوم المؤلف والنص، الفهم والتفسير، اللغة والرموز، القصدية والفعل الذاتي والفعل الثقافي وتطول القائمة. وبالتأكيد لن نقوم بتناول كل هذه المصطلحات مسترسلين في توضيحها وبيان بنيتها والداعي لوجودها، وإنما سنكتفي بتسليط الضوء على مفهوم مهم جداً وهو "الدائرة التأويلية" معاينين تجلى هذه المفهوم عند كل من فريدريك شلايرماخر وفيلهم دلتاي.

يُعد شلايرماخر مؤسس الهرمينوطيقا العامة بوصفها فن الفهم وهو أبو الدراسات الثيولوجية، ويُعد اسهامه نقطة تحول في تاريخ الهرمينوطيقا بحيث خرجت عن كونها فن ينحصر أستخدامه بالهرمينوطيقا الفيلولوجية (فقه اللغة) واللاهوتية والقانونية.

يذهب شلايرماخر إلى أنه وبغض النظر عن أختلاف النصوص، إلا أن هناك وحدة أصيلة تكمن في الجسد اللغوي، حيث لا يمكن فهم أي نص خارج سياق اللغة فاللغة وسيط وهي بيت الوجود فلا يمكن تقديم أي نص خارج نطاق اللغة. ولهذا لا بد من استخدام النحو لكشف معنى النص، فالأفكار المتضمنة في النص تتفاعل مع البنية اللغوية لتكون المعنى. وفي كل حوار تُعد عملية صياغة قول وإصداره شيء وعملية تلقيه وفهمه شيء أخر. وهذا يقودنا للسؤال الأهم، كيف يمكن فهم أي عبارة أو قول سواء أكان مكتوبا أو منطوقا؟

الهرمينوطيقا هي فن الإصغاء، وعند شلايرماخر هي عملية إعادة معايشة للعمليات الذهنية لمؤلف النص، أي عكس التأليف إذ يحاول من خلال هذاالأسلوب معايشة الظروف والعمليات التي وجهت المؤلف لكتابة ما كتبه. والتأويل عنده يتكون من تفاعل لحظتين متقاطعتين، هما اللحظة اللغوية واللحظة السيكلوجية. وهذا التقاطع هو ما يُشكل الدائرة التأويلية. فالجانب اللغوي يتم من خلاله تحديد المعنى وفقاً لقوانين موضوعية وعامة وهو يُشكل الإطار الذي يعمل فيه المؤلف. في مقابل الجانب السيكلوجي المرتبط بالمؤلف ويركز على ما هو ذاتي وفردي ويساعد في قراءة المؤلف والكشف عن عبقريته الخاصة، فالمؤلف يضع بصمته الخاصة على اللغة وبهذا الفهم نستطيع التميز بين العام (اللغة) والخاص (المؤلف) وبهذا يمكن التميز بين العام والخاص، فلا يمكن فهم أي منهما بمعزل عن الآخر. ففهم الكلمة من خلال الجملة وفهم الجملة من خلال فهم مفرداتها، فالجملة وحدة كلية والتفاعل الديالكتيكي بين الكل والجزء يمنح كل منهما معناه.

فالفهم عملية دائرية، لكن ألا يلاحظ أننا أمام مفارقة أ, تناقض منطقي بسبب هذه العلاقة الديالكتيكية، فكيف نفهم الجزء من الكل والكل من الجزء؟ أي من أين نبدأ؟ وكيف ندخل هذه الدائرة الهرمينوطقية؟

يعالج شلايرماخر هذه المعضلة من خلال فكرة القفز إلى داخل الدائرة الهرمينوطقية، ويكون هذا بواسطة عملية إحالية (حدسية، استشفافية) تفترض بالضرورة وجود معنى مشترك بين المتحدث والمستمع حيث يتعين على المرء أن يكون على معرفة مبدئية في الموضوع الذي يريد أن يتعلمه. وبدون هذه المعرفة يتعذر عليه القفز داخل الدائرة الهرمينوطقية.

هدف شلايرماخر إلى تحويل الفهم إلى علم مُنظم، وذلك بتنظيم الملاحظات المتفرقة في وحدة متماسكة منهجياً. وتجدر الإشارة هنا إلى أن شلايرماخر في المرحلة المبكرة من فكره كانت هرمينوطقيته متمركزة على اللغة، والمطلع على أوراقه غير المنشورة في جامعة برلين، يرى تحولاً في المرحلة المتأخرة من فكره حيث صب اهتمامه على الجانب السيكلوجي للمؤلف، الأمر الذي عده الباحثون تخلى عن مشروعه الذي كان أقرب إلى التصور الحديث للهرمينوطيقا، بوصفها فهما منبثقا من الحياة ونابعا من علاقة المؤول بالحياة. وهذا التصور المبدئي كان ملهما لدلتاي وهيدجر في مرحلة لاحقة، حيث جعل دلتاي الفهم النابع من الحياة هدفا يسعى لتحقيقه وإرساء دعائمه، وذلك بتشيد مناهج للوصول إلى تأويلات صائبة موضوعيا، وهذه الموضوعية خاصة بالعلوم الروحية (أي الدراسات الانسانية والاجتماعية) وليست موضوعية العلوم الطبيعية، حيث رفض دلتاي ميل العلوم الروحية لتبني طرق تفكير العلوم الطبيعية ومن ثم محاولة تطبيقها في دراسة الإنسان. ولها نراه يناضل ضد النزعة التاريخية والسيكلوجية في سبيل الانطلاق من الخبرة المعاشة. إنه يحاول صياغة اساسا ابستملوجيا للعلوم الروحية. وصياغة منهج ملائم لفهم التعبير الانساني مع وعيه بعجز المنظور الردي المتبع في العلوم الطبيعية. ولذلك لا بد من تعميق تصورنا للوعي التاريخي، وقد يظن البعض أ،ه وقع هنا في تناقض، فكيف يناضل ضد النزعة التاريخية، والأن يطالب بتعميق تصورنا للوعي التاريخي؟ لكنه يريدنا هنا أن نعمق تصورنا للوعي التاريخي، بعتبار التاريخ مشكلة ابستملوجية وبتالي النظر إليه ينبع من الحاجة لفهم التغيرات التي تنتج من الحياة ذاتها. وقد وضع دلتاي في كتابه "نقد العقل التاريخي" الأسس الايبستملوجية للدراسات الإنسانية. وأسس فلسفة الحياة أي الحضور الحي للوعي الانساني في مقابل التأملات المجردة وغير المفهومة. فالحياة الانسانية مركبة من المعرفة والشعور والإرادة، وهذه أمور لا يمكن اخضاعها لمعايير التفكير الكمي الآلي. ناهيك عن أن موضوع العلوم الانسانية هو الحياة الانسانية وفهم الحياة لا ينبغي أن يقوم على مقولات خارجة عن الحياة بل على مقولات من صميم الحياة. لذلك فهو يرى في التاريخ تعبير عن الحياة ونظر إليه نظرة فينمينولجية وليست نظرة مثالية أو ميتافيزقية.

انطلاقا من هذه النظرة، وجب على الدراسات الانسانية أن تقوم على نماذج مستمدة من الخبرة الداخلية لشخص ما، أي على مقولات المعنى، فوظيفة العلوم الطبيعية التفسير أما العلوم الانسانية فالفهم، وفي التفسير كما قلنا يكمن المعنى ومن المعنى يمكن فهم الخبرة الداخلية لشخص ما وانطلاقا من هذا الفهم يمكن النتقال بواسطة عملية ذهنية لفهم شخص آخر وما كان لهذا الانتقال أن يحدث لولا وجود تشابه بين وقائع خبراتنا الذهنية الخالصة وتلك الحقائق الخاصة بشخص آخر.

اننا مدعون لفهم الإنسان وخبرته المعاشة، والخبرة هنا فعل للوعي وليست موضوعا للاوعي ذلك أن الخبرة هي الفعل ذاته وليس انعكاسه إننا نحيا في الفعل (فعل الخبرة) وخلاله، إنها الموقف الذي نتخذه تجاه الحياة والتاريخية هي إثبات زمانية الخبرة البشرية فنحن لا نفهم الحاضر إلا في أفق الماضي، وهذا من خلال التعبير الانساني في هذه الافاق، فالتعبير عند دلتاي هو تعبير عن الحياة وانعكاس لبصمة الحياة الداخلية للانسان وتعبير عن واقع اجتماعي تاريخي اي تعبير عن الحياة، فكذلك الفهم هو فهم عقل  لعقل شخص آخرفالحياة تفهم الحياة، فالمرء يعيد اكتشاف نفسه في الشخص الآخر والفهم هنا يُراد لذاته وليس بوصفه تمهيداً لشيء اخر.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق