الدكتور عامر خياط لمجلة "ذوات": لا طريق للإصلاح في دولنا في غياب مفهوم "العدالة"
23 اغسطس 2016 | 0 تعليق

حاوره: نبيل علي صالح *

أكد الدكتور عامر خياط، أمين عام المنظمة العربية لمكافحة الفساد، أنه لا طريق للإصلاح في دولنا في غياب مفهوم "العدالة" في العلاقة الناظمة بين الحاكم والمحكوم، أو ما يعرف بالعقد الاجتماعي، ولا وسيلة لتحقيق العدالة دون التحول الديمقراطي وآلياته، موضحا أن هذه المفاهيم غائبة فكراً وممارسة عن ذهن الحاكم، بل وحتى عن ذهن "النخب" المثقفة في الأقطار العربية.

وأشار الدكتور والباحث العراقي عامر خياط، في حواره مع مجلة "ذوات"، أن "الخطيئة الكبرى هي ليس في غياب الإدراك بمخاطر العنف والفساد عن ذهن هذه النخب، ولكن في القيود المُحْكمَة على عقولها، والتي تجعلها أسيرة، وأحياناً متفاعلة معها، ومفلسفة لعنف الاستبداد والعنف الديني والطائفي"، معتبراً أن مكافحة الفساد بكل أشكاله، ومنه التطرف الديني والأصولي، يتطلب وجود سقف عال من الحرية يتيح ممارسة الديمقراطية، ويوصّل إلى الحكم الرشيد بما يسمح لمكافحة الإرهاب والعنف والاستبداد.

لا زالت بعض الدول العربية تفتقر لسلطات تشريعية منتخبة، وعدد منها يمنع تشكيل الأحزاب السياسية، وآخر يُقيد عملها بحكم التشريع السلطوي

ولاحظ خياط، أنّ نظم الاستبداد في بلداننا اعتمدت على الفساد والإفساد في تعزيز وجودها وضمان استمرارها، واعتمدت على وسائل الترغيب والترهيب على شعوبها، واستخدمت الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية بعنف من أجل تحقيق مآربها، مؤكداً أنه ليس صحيحاً أن الإصلاح قد يأتي عن طريق "دكتاتور صالح".

وخلص الدكتور عامر خياط إلى أن الأسلوب الوحيد والناجع لإحداث التغيير في دولنا هو باتباع خطط إنمائية مستدامة، خاصة أن الدول العربية جربت عدة وسائل لإحداث التغيير (عن طريق الانقلاب العسكري أو تدخل أجنبي أو الاحتلال، وهي بجملتها تسعى للاستيلاء على السلطة) وفشلت جميعها، معتبرا أن الحل يكمن في وضع خارطة طريق للتحول باتجاه الديمقراطية في جميع هذه البلدان، وهذا الحل، برأيه، يتطلب شجاعة الإرادة السياسية للحاكم، وتضحيته من أجل فتح الآفاق المسدودة، وإدراك الجميع بأن لا بديل عن التفاني من أجل الحفاظ على أمن الوطن والمواطن.

والدكتور عامر خياط، متحصل على دكتوراه فلسفة في العلوم الهندسية من المملكة المتحدة، أمين عام المنظمة العربية لمكافحة الفساد منذ سنة 2005، وهي منظمة مدنية مستقلة ومسجلة في المملكة المتحدة كهيئة خيرية، ومقرها بيروت/لبنان، وهو رئيس مجموعة العمل لـ "برنامج التخطيط الإنمائي بعيد المدى" في العراق، وعضو لجنة وضع السياسات لخطة التنمية الخمسية الخامسة في العراق.

أولى الدكتور خياط اهتماماً خاصاً للمشاكل المتعلقة بتفشي الفساد في الإدارات العامة والشركات التي تعنى بالقطاعات الإنشائية، وتخطيط وإنماء المشاريع، وبحث بشكل خاص في موضوع "تأثير الفساد في إعاقة التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في الأقطار العربية". وله عدة منشورات علمية ومقالات منشورة باللغتين العربية والإنجليزية في عدد من المطبوعات البريطانية والأمريكية والكندية.

 

* تقدّم تقارير التنمية العربيّة، وكثير من مراكز الدراسات العلمية التخصصية، أرقاماً مرعبة حول تفشي الفساد في عالمنا العربي، كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة الخطيرة في ظل فشل العرب في تكوين دول حديثة بالمعنى السياسي والاقتصادي؟ وما هو تحليلكم النقدي لتلك الأرقام والمعطيات الرقمية؟

هذا سؤال مركب وله أبعاد وإسقاطات على غاية الأهمية، سأحاول تناولها بشكل منهجي.

بداية، أود أن أوضح بأن تقارير التنمية الإنسانية التي بدأ إصدارها في بداية هذا القرن عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وبالرغم من الانتقادات التي وجهت إليها؛ فهي دراسات نقدية تقويمية للواقع العربي، وتشكّل نقلة نوعية في هذا المجال، ولكن من الضروري توضيح أن هذه التقارير لم تتناول، تحديداً، موضوع الفساد في الأقطار العربية، ولم تدرج مؤشرات عن حجمه ومواطنه، إلا أنّ المواضيع التي تناولتها، والتي تُركزُ على عوائق مجتمعية تكبل مسار التنمية (الفقر، قصور الثقافة، النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وغيرها)، نجد للفساد دوراً مؤثراً في تفعيلها واستمرار ديمومتها، وهنا تكمن أهميتها.

إن بناء الدولة لا يتم إلا عن طريق حركة تحريرية، ولا معنى للتحرير في غياب الديمقراطية

ولقد انتبهت المنظمة العربية لمكافحة الفساد لهذا الأمر، فعملت من خلال ندواتها السنوية وأبحاثها على ربط مفاعيل الفساد القائمة في الأقطار العربية مع العناوين الرئيسة لهذه التقارير، مبينة حال الفساد فيها، ووضعت المقترحات الناجعة إن على مستوى التشريع أو في تقويم سلوك الإدارات لتلافي هذا القصور، ولكن يبقى التوصيف الوارد في تقارير التنمية العربية وغيرها من مراكز الدراسات دقيقاً، والأرقام المرافقة لها هي فعلاً مرعبة.

المنطقة العربية، والتي كثيرا ما توصف بأنها من "أغنى" مناطق العالم، هي في الواقع ليست كذلك؛ فما يقرب من ربع سكان هذه المنطقة يعيشون في (أو تحت) خط الفقر (أي بدخل 2$ يومياً) وبتواتر متصاعد نتيجة مصائب الحروب والتهجير والعنف التي تعصف بمنطقتنا، كما أن ربع القوى العاملة في البلدان العربية عاطلة عن العمل، وخاصة بين فئة الشباب وخريجي الجامعات. كما يشير تقرير التنمية الإنسانية في مطلع هذا القرن إلى أن أكثر من نصف المراهقين العرب صرّحوا عن رغبتهم في الهجرة إلى الخارج. يضاف إلى ذلك الانتقاص الكبير والمعطل لدور المرأة في بلداننا وغياب الديمقراطية و"الحوكمة"، حيث لا زالت بعض الدول العربية تفتقر لسلطات تشريعية منتخبة، وعدد منها يمنع تشكيل الأحزاب السياسية، وآخر يُقيد عملها بحكم التشريع السلطوي. هنالك دول عربية تفتقر لوجود دستور يحدد العلاقة بين السلطة والمواطن، وفي بعضها الآخر نجد نصوصاً دستورية تشرّع العصبيات المذهبية والطائفية، ناهيك عن (وجود) نظم تعليمية متخلفة، وبعيدة كلياً عن تمكين الثقافة وتراكمها، وتوطين العلم والتقانة في المجتمع.

هذه مشاهد تؤكد على الحالة البائسة المخيمة على مجتمعاتنا، وتفسر هذا النزوع للهجرة عند شبابنا، والذين هم ثروتنا الأساسية. هذا الكلام إذن عن "ثراء" الدول العربية هو حديث غير دقيق؛ فثروة الأمم تقاس بخزينها التراثي وتراكم المعرفة وبنهضتها العلمية والصناعية وبمواردها البشرية. أما المال، فهو ما يميز بعض الدول العربية بما تحمله في بطون أرضها ولا قيمة له، إن لم يوظف في مشاريع إنمائية تطور الموطن والمجتمع. حالتنا هي "كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ / والماء فوق ظهورها محمول" على نحو ما ذهب إليه الشاعر طرفة بن العبد.

وعن الجزء الآخر من السؤال، والمتعلّق بفشل العرب في إقامة دولة الحداثة؛ فقناعتي أنّ التخلّف الذي ذكرتُ بعض مظاهره آنفاً، وبحثته التقارير والأبحاث العديدة، ليس هو السبب في هذا الفشل، ولربما العكس هو الصحيح. الكيانات العربية عموما، وفي المشرق العربي تحديداً، تم تركيبها مع بدايات القرن الماضي، وبغض النظر عن الظروف السياسية والجغرافية والتاريخية، وأيضاً المصالح والأطماع الاستعمارية التي كانت وراء قيام هذه الكيانات (والتي، بالمناسبة، هي اليوم تتعرض إلى "إعادة ترتيب")، أعتقد أنه كانت هنالك فرصة لبناء الدولة الحديثة، على الأقل في بعضها. لا حاجة للعودة إلى مشاهد تاريخية لما حصل في دول أوروبية، واليابان إبّان الحرب الكونية الأخيرة، وكيف أعادت بناء (وتوحيد) كياناتها بعدها. هذا الأمر يرتبط أولا بوجود إرادة سياسية لدى النخب، مصحوبة بحزمة كبيرة جداً من الوعي السياسي والمعرفة والانفتاح على المحيط والاستلهام بالتراث دون التزمت له، والاعتبار بالنص دون الانكفاء بقيوده. وثانياً الالتزام بعملية التحرير بمفهومها الأشمل المتجاوز للاستقلال والسيادة الوطنية إلى تحرير العقل والضمير والفكر.

إن بناء الدولة لا يتم إلا عن طريق حركة تحريرية، ولا معنى للتحرير في غياب الديمقراطية. غياب هذا المسار عند بداية تأسيس "الكيانات" العربية أدى إلى الفشل في بناء الدولة الحديثة، والذي بدوره أدى إلى قيام مظاهر الإعاقة المقيتة التي تشكو منها بلداننا.

* ما هو الدور الذي تلعبه "نخب الفساد" العربي في الركود الاقتصادي والتخلف العلمي والسياسي، وافتقار الرؤية المستقبلية للتنمية، فضلاً عن تهميش قيم الإنجاز والعمل؟

الأساس في التعامل مع مفهوم "العمل" و"الإنتاج" في السيرورة (process) الاقتصادية هو اعتماد مبدأ ربط العمل بقيمة الإنجاز الذي يحققه؛ فإذا فشل جهد معين في تحقيق أهداف اقتصادية وتنموية، فمن الطبيعي أن يُنظر إلى طريقة العمل وأسلوبه وجدواه، ومن ثم إلى السياسات والنظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المطروحة، ومدى جدواها في تحقيق التغيير المنشود. فإذا كان الخلل فيها، يصار إلى تغيير هذه النظم والسياسات بما يؤدي إلى انسياب العمل وتدفقه لتحقيق النتيجة المرجوة.

العلة الرئيسة، جواباً عن السؤال، تكمن في نظام الريع المهيمن على الاقتصاديات العربية بدون استثناء، هذا النظام (الريعي) لا يشجع على الإنتاج ولا على ثقافة "العمل" باعتبار أن ناتج الريع يتحقق دون قيام المستفيد منه بأي عمل يذكر في إنتاجه. هذه الصورة ليست ولا يجب أن تكون حتمية.

الموارد المتأتية عن الريع يتوجب استثمارها في مشاريع محلية تؤدي إلى خلق فرص عمالة وتشغيل للمواطنين، والإنجاز فيها يؤدي إلى حصول مردود مالي يضيف إلى الدخل القومي موارد توازي مداخيل الريع، إنما مبنية على ثقافة العمل والإنتاج. العمل يحرر الإنسان والإنتاج يبني المجتمع. نظام الريع يحول مجتمع المواطنة إلى مجتمع الرعايا.

فشلت النخب العربية بشكل عام في هذا المجال؛ فالنُخب الاقتصادية سلكت الطريق الأسهل باعتماد أنماط ونماذج هيكلية للاقتصاد مُنتَجَة في الخارج، وحاولت تطبيقها في بلداننا، ولم يتوجه بناء المنظومة الاقتصادية بالاعتماد على رؤى اقتصادية سياسية اجتماعية مبنية على حاجات وظروف المنطقة. وقد ساهمت في ذلك المنظمات الدولية بنماذج مُصاغة ومعلبة في أروقتها لدول أحياناً "متخلفة" وأحياناً "نامية" بغب الطلب والتعريف، وهنا كان قصور النخبة. أما نخب الفساد في بلداننا؛ فهي متصلة بشكل أو بآخر بعقلية "الريع". الفساد المالي والسياسي يجد مرتعا خصبا في اقتصاد الريع.

* للعنف المستشري في بلداننا ومجتمعاتنا العربية (عنف النظم وعنف الجماعات الدينية) دور مهم وكبير في إعاقة النمو، نتيجة هيمنة مناخات الاستبداد والفساد.. وحتى اللحظة لا يبدو أنّ ثمة إدراكاً حقيقياً موجوداً لدى المسؤولين وكثير من النخب المثقفة لمجمل المخاطر والأضرار التي يلحقها كل من العنف والفساد بالمجتمع والدولة ككل.. كيف تنظرون للعلاقة بين ظاهرتي العنف والفساد في العالم العربي؟

الفساد هو: "الاستغلال غير المشروع -أو بدون وجه حق- لعنصريْ القوة في المجتمع: المال والسلطة السياسية"، وممارسته تقترن بأمرين؛ أولهما الاستغلال، والثاني مجافاة الحق والشرعية، باستخدام التسلط المالي أو السياسي، لذا نجد ممارسته ترتبط حكما بالترهيب والتهديد من صاحب السلطة، وقد تصل إلى العنف والقتل والتصفية. وفي هذا التوصيف هنالك ارتباط بين الاستبداد والفساد.

مكافحة الفساد بكل أشكاله (ومنه التطرف الديني والأصولي) يتطلب وجود سقف عال من الحرية يتيح ممارسة الديمقراطية، ويوصّل إلى الحكم الرشيد بما يسمح لمكافحة الإرهاب والعنف والاستبداد

اعتمدت نظم الاستبداد في بلداننا، على الفساد والإفساد في تعزيز وجودها وضمان استمرارها، وعلى وسائل الترغيب والترهيب على شعوبها، واستخدمت الطائفية والمذهبية والقبلية والعشائرية بعنف من أجل تحقيق مآربها، وليس صحيحاً أن الإصلاح قد يأتي عن طريق "دكتاتور صالح"، لم أرَ لحد الآن صحيفة أعمال مشرفة "لدكتاتور صالح" في بلداننا. لا طريق للإصلاح في دولنا في غياب مفهوم "العدالة" في العلاقة الناظمة بين الحاكم والمحكوم أو ما يعرف بالعقد الاجتماعي، ولا وسيلة لتحقيق العدالة دون التحول الديمقراطي وآلياته. هذه المفاهيم غائبة فكراً وممارسة عن ذهن الحاكم، وأكاد أقول حتى عن ذهن "النخب" المثقفة في أقطارنا. الخطيئة الكبرى هي ليس في غياب الإدراك بمخاطر العنف والفساد عن ذهن هذه النخب، ولكن في القيود المُحْكمَة على عقولها، والتي تجعلها أسيرة، وأحياناً متفاعلة معها، ومفلسفة لعنف الاستبداد والعنف الديني والطائفي.

مكافحة الفساد بكل أشكاله (ومنه التطرف الديني والأصولي) يتطلب وجود سقف عال من الحرية يتيح ممارسة الديمقراطية، ويوصّل إلى الحكم الرشيد بما يسمح لمكافحة الإرهاب والعنف والاستبداد.

* ألا تعتقدون بوجود علاقة ما بين "شيوع الفقر" و"انتشار الفساد" في مجتمعاتنا وبلداننا العربية.. بمعنى: أن الفقر أو "سياسات التفقير العام" المتبعة كانت نتيجةً طبيعيةً جداً ومتوقعة لتفشي واستشراء الفساد المالي والسياسي بصورة مقصودة من قبل نخب سلطوية جائرة غير شرعية هيمنت على مقدرات البلاد والعباد، وتحكمت بالثروات والموارد، ومنعت توزيعها على أسس صحيحة ومتوازنة وعادلة، على مجتمعاتها، مما قوّض (ويقوّض) جهود التنمية، وربما نَسْفها من جذورها؟

أبدأ بالإجابة من حيث انتهى السؤال، لدي قناعة كاملة بأن الأسلوب الوحيد والناجع لإحداث التغيير في دولنا هو باتباع خطط إنمائية مستدامة. لقد جرّبنا عدة وسائل لإحداث التغيير (عن طريق الانقلاب العسكري أو تدخل أجنبي، أو الاحتلال، وهي بجملتها تسعى للاستيلاء على السلطة) وفشلت جميعها.

أول متطلبات الخطة التنموية أن يُجتزأ الفساد من دروبها؛ فبعض الدراسات تشير إلى أن مجمل الدخل القومي خلال النصف الأخير من القرن الماضي للدول العربية (1950-2000) بلغ ما يقرب (3000 مليار دولار) ثلاثة ترليونات من الدولارات. تم إنفاق ثلثها على التسليح والتجهيز العسكري، والثلث الآخر على مشاريع البنى التحتية والصحة والتعليم وما إلى ذلك. أما الثلث الأخير(أي ألف مليار دولار) فتم إنفاقه كعمولات لتيسير (فساد) مشاريع الثلثين الأولين. هذا الثلث الأخير كان كافياً، لو صرف بأمانة وترشيد، لتحقيق ما يلي:

1-  تحقيق اكتفاء ذاتي في توفير الثروة الحيوانية والزراعية في المنطقة العربية عن طريق الاستثمار في الدول العربية الأكثر فقرا، وتمتلك القاعدة الإنتاجية لذلك (السودان مثلاً، ولا نتركه للتقسيم لاحقاً).

2-  استثمار هذه المبالغ في مشاريع مشتركة للسيطرة على المياه وتخزينها وتوزيعها كان ليؤدي إلى توفير المياه، ونقلها إلى الأقطار العربية المهدد أمنها القومي نتيجة شح المياه.

3-    كان بالإمكان استثمار هذه الأموال من أجل محو الأمية الكامل في المنطقة العربية.

يُشكل اجتزاء الفساد شرطا مسبقا لتحقيق التغيير في أقطارنا العربية، والطريق الوحيد لذلك هو رفع سقف المطالبة (أي الحرية)، والالتزام بالشفافية والنزاهة

4-  الاستثمار في نظام تعليمي متطور كان ليؤدي إلى توفير مقعد جامعي أو تأهيل تقني في المنطقة، مع توفير فرص عمل لكل مواطن عربي.

5-  لو وزعت هذه المبالغ على المواطنين، لأدى ذلك إلى زيادة الدخل الفردي بما يعادل 200$ لكل سنة من سنوات النصف الثاني من القرن الماضي.

والحالة اليوم أسوأ بكثير؛ فزيادة أسعار النفط قبل عقدين ونيف، اختزل الفترة الزمنية لتراكم الريع النفطي، حيث قاربت إيراداته خلال هذه الفترة لما تم الحصول عليه خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وتم إنفاقه بحصص مقاربة لما سبق، وكان للفساد فيها حصة كبيرة.

لهذا يُشكل اجتزاء الفساد شرطا مسبقا لتحقيق التغيير في أقطارنا العربية، والطريق الوحيد لذلك هو رفع سقف المطالبة (أي الحرية)، والالتزام بالشفافية والنزاهة، والتي تتحقق عن طريق إقامة حكم صالح ورشيد يلتزم بالديمقراطية والعدالة فكراً وممارسة.

أول ما تسعى إليه التنمية هو إحداث توازن مناطقي وقطاعي في الدولة يتيح تحقيق فرص عمل في البلاد، ويؤسس لثقافة إنتاجية تتيح توزيع المداخيل والثروات بشكل عادل، بمعنى إزالة الفقر وخلق نظام اجتماعي يرعى الشيخوخة والطفولة والمرأة وحقوق المواطن، وأمنه الشخصي، وأمن وطنه.

بطبيعة الحال؛ فالقوى السياسية المناهضة للتغيير لا مصلحة لها في تيسير عملية الإنماء، وبالتالي نجد مجتمعاتنا واقعة تحت مطرقة الفقر، وما يتبعه من جهل، وما يلحقه من انتشار "بدائل" النزعات الدينية الأصولية والقبلية والعشائرية.

* من موقعكم كمنظمة "مدنية" مستقلة، تنتمي إلى فضاء المجتمع المدني العربي، ما هو الدور الذي لعبتموه والإجراءات العملية التي اتخذتموها للمساهمة في حلّ ومعالجة ظاهرة الفساد العربي؟ وما هي إنجازاتكم على هذا الصعيد؟ وما هي الصعوبات والضغوطات التي واجهتكم وما زلتم تتعرضون لها في سياق عملكم؟

تأسّستْ "المنظّمة العربية لمكافحة الفساد" قبل نحو عشر سنوات كمنظمة إقليمية مستقلة إدارياً ومالياً وتنظيمياً عن أيّة جهة حكومية عربية أو أية مؤسّسة خارجية، يحكمها مجلس أمناء مكوّن من عدد من الشخصيات العربية المشهود بنزاهتها ومناقبيّتها السياسية والمهنية. اتخذت من بيروت مقراً إقليمياً لها، وجاء تأسيسها لملء فراغ غياب مؤسسة عربية مستقلة ترصد وتناهض الفساد في الأقطار العربية، حيث ترك الأمر للمنظمات والهيئات الدولية في تحديد معالم الفساد وقواعد الشفافية والنزاهة في الأقطار العربية؛ ملافاة هذا النقص كان أولى غاياتنا.

في البداية، ولا يزال الأمر لحد ما، كان التعامل مع الحكومات العربية، وأيضاً مع المؤسسات والشركات العربية ورجال الأعمال بنحو خاص، في هذا الشأن صعباً، لذا توجب علينا التوجه نحو الناس، كما للمسؤولين، لتوسيع إدراكهم بمخاطر هذه الآفة، وخطورة تأثيرها على حياتهم الشخصية وأمنهم وأمن أوطانهم، وذلك عن طريق عقد الندوات والمؤتمرات، ونشر الكتب والمقالات، وعقد ورش عمل مع الناشطين في مجتمعاتنا.

أصدرتْ المنظمة العربية خلال هذه الفترة العديد من الكتب والأبحاث المُحكمة وبعناوين منها: المساءلة والمحاسبة- تشريعاتها وآلياتها في الأقطار العربية؛ النزاهة في الانتخابات البرلمانية؛ البنية الاقتصادية في الأقطار العربية وأخلاقيات المجتمع؛ الرقابة المالية في الأقطار العربية؛ إصلاح صناعة الإنشاءات في الدول العربية؛ الخصخصة وتحديات التنمية المستدامة؛ الإعلام ومسيرة الإصلاح في الأقطار العربية؛ ودور القطاع الخاص في مسار التنمية المستدامة. كما تم تناول "تأثير الفساد في إعاقة التقدم والتطور في البلدان العربية"، في آخر ندوة لنا، وقبل أسابيع قليلة بحثت في موضوع "تعارض المصالح في الدولة والمجتمع". أملنا أن تستفيد الأنظمة العربية من هذه الأبحاث والدراسات، وهذا الأمر يرتبط بمدى قدرتها على الاستيعاب، وتدارك الأوضاع السيئة بهدف إحداث التغيير.

نحن نعاني من أزمة تمويل خانقة، فقلة فقط من الجهات والشخصيات العربية الأهلية، هي التي تدعمنا مالياً بدون شروط أو قيود

أحرزنا بعض التقدم على الصعد كافة، ولعل أبلغ وسيلة للتعبير عن ذلك أننا في بداية عملنا لاقينا ممانعة وعدم تجاوب من مختلف الأطراف، ولكن بعد سنوات حصل تحرك شعبي واسع في عدة أقطار عربية وتحت شعار مكافحة الفساد وتعزيز كرامة الإنسان، وهما ما نلتزم به في عملنا. نحن لا ندعي أن عملنا أدى إلى هذا الحراك، إنما يحلو لنا أن نعتبر أنفسنا جزءاً منه. هنالك بدون شك تغيير إيجابي لدى الناس، وهنالك رفض حقيقي جامع لما نسميه "ثقافة الفساد" السائدة في بلداننا.

لاقينا صعوبات جمًة في عملنا، ولا نزال، أولاً أصحاب السلطة ومن تُمثِل من مصالح هم أساساً ضد التغيير، وبالتالي هم ضد مكافحة الفساد. هنالك أزمة حقيقية في مجتمعاتنا العربية تنامتْ خلال الخمسة أو الستة عقود الماضية، حيث أصبح المواطن يعيش في دول محتلّة، وأخرى معتلّة، وفي ظل نظم سياسية واقتصادية ظالمة أفقدته الثقة والأمل في الإصلاح وحتى الشعور والإحساس والممارسة في "مواطنيته"، فاختار قسم منهم الاستكانة، والقسم الأكبر والقادر الهجرة، بمآسيها المفجعة والمقترنة بالموت في أديم البحار. شعبٌ بالكامل (الشعب الفلسطيني) مُهجًر بالقسر والعنف منذ سبعين عاماً، وحوًلَ من مواطني دولة إلى مواطني مخيمات. وملايين العراقيين هُجروا من بلادهم بفعل الاحتلال، ومن بقوا تم تهجير جزء مهم منهم مؤخراً بفعل الاستبداد الديني والعنف الأصولي، والأمر يسري على مأساة التهجير السوري. وما يحصل في اليمن وليبيا، وما سيلحق بها من أقطار عربية أخرى، هي مجريات في المسار نفسه. هذا الواقع يشكل عائقاً كبيراً أمام نشر دعوتنا، خاصة مع غياب النخب السياسية والثقافية والإعلامية، والتي هي بدورها ولأسباب مختلفة استكانتْ لهذا الواقع المرير.

وفي الجانب العملي، نحن نعاني من أزمة تمويل خانقة، فقلة فقط من الجهات والشخصيات العربية الأهلية، هي التي تدعمنا مالياً بدون شروط أو قيود، ولا نتلقى الدعم من الحكومات العربية أو أية جهة أجنبية، وهذا عائق كبير يهدد استدامتنا ووجودنا دائماً.

* لا أحد يشك (باعتقادي) بوجود "هوّة" كبرى تتسع باستمرار بين الشرق والغرب، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ولا أحد يشك بأهمية وضرورة جسر هذه الهوة، وتقليص الفوارق بين شرقنا المتخلف وغربهم المتقدم، برأيكم: ما هي أسباب اتساع (واستمرار اتساع) هذه الفجوة (أو الهوّة) بيننا وبينهم؟ وهل يعزى هذا التخلف إلى عدم تمكّن المشرق من تطوير نظمه وتشريعاته وقوانينه لمكافحة الفساد المستشري في ظل مجتمعات تقليدية مرهونة لفضاء تاريخي متخلف، أو إلى غياب العدالة والديمقراطية في الممارسة السياسية في ظل هيمنة وطغيان نظم ديكتاتورية وسلطوية عربية ممانعة للتطور، فسادُها أساس وجوهر بقائها؟

هذا سؤال بالغ الأهمية، وأرى في شقه الثاني ملامح الجواب عليه.

نعم، هنالك هوة شاسعة بين بلدان المشرق (أي Levant"" وهو تعبير أدق من "الشرق الأوسط") والغرب الأوروبي. هذه المسألة شغلت المفكرين العرب والمسلمين منذ نهاية القرن التاسع عشر ولعدة عقود، ثم ظهرت في السنوات الأخيرة عدة دراسات وأبحاث في جامعات أجنبية، تحاول تفسير ما حصل، والعوامل التي أدت لقيام هذه الهوة. وكان السؤال المحوري لماذا تقدم الآخرون (في الغرب) وتخلف العرب والمسلمون في هذا المشرق؟! وفي أواسط سنة 2014، تناولت المنظمة العربية في ندوتها السنوية هذا الموضوع بالتفصيل، وبمشاركة متميزة من مفكرين وباحثين من مختلف الأقطار العربية، وصدر عن وقائعها كتاب مرجعي بعنوان "الفساد وإعاقة التغيير والتطور في العالم العربي".

الفساد ظاهرة بتوصيف واحد، بمعنى ليس هنالك فساد "عربي" يختلف عن غيره؛ فالاختلاف هو في انتشاره ومدى القبول به بين مجتمع وآخر

في السياق التاريخي، تشير الدراسات المعاصرة إلى أن دول المشرق مع بداية الألفية الثانية (أي سنة 1000م) لم تكن تتسم بالفقر والتخلف الاقتصادي والقصور التنظيمي والتشريعي، بل كانت نظيرة للدول المحيطة بها شمالاً وغرباً (أي أوروبا) أو شرقاً (الصين)، وكانت تتميز بعلاقات تجارية متقدمة مع دول جوارها. الدولة الإسلامية في تلك الفترة كانت تعيش واقعاً اجتماعياً وسياسياً متقدماً جاء مع الدعوة الإسلامية، وما طرحته من نظم اقتصادية ومالية متطورة اعتمدتها الدولة في بناء هياكلها، وطورت ذلك بما اجتهد به العلماء العرب والمسلمون في مواضيع الإدارة والاقتصاد والجباية الضريبية وقواعد التعامل المالي، كما في القانون والحقوق والفلسفة. كان ذلك في وقت تعيش أوروبا فيه مرحلة ظلامية متخلفة استمرت لما يقرب من منتصف الألفية الثانية (أي بحدود سنة 1500 م). نهل الغرب خلالها الكثير من أطروحات ابن رشد والغزالي وابن سينا وغيرهم، واستفاد منها للخروج من حقبة الظلام، حيث بدأت تبرز معالم النهضة الأوروبية، وانعكس ذلك على قواعد إعادة تكوين السلطة بإبعادها عن تأثير السلطة الدينية الرومانية، وطورت نظمها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أسس مدنية لا دور لسلطة الكنيسة فيها.

مع هذا التحول المهم في الغرب، بدأ التقهقر في المشرق العربي عندما خضع لسلطة عثمانية التزمت بخلافة دينية مركزية محتكرة لعلاقات المجتمع الدينية والدنيوية، وممانعة للتطور الاقتصادي والمالي والمجتمعي، والذي فرضته أحداث جسيمة في محيطها ليس أقلها الثورة الصناعية، ومن بعدها الثورة الفرنسية بما جاءت به من أفكار ليبرالية، حددت قواعد التعامل بين الحاكم والمحكوم بموجب عقد اجتماعي يحميه دستور، ويراقب فاعليته ممثلين منتخبين من الشعب. هذه التطورات، حصلت عبر نضال وصراع طويلين بين الناس وبين أصحاب السلطة الدينية والدنيوية، وهذا الأمر لم يحصل في المشرق، حيث استمر حكم الاستبداد والممانعة العثماني لحد سقوطه منهكاً بعد الحرب الكونية الأولى. ولم تستطع الكيانات القطرية العربية التي نتجت عن ذلك من بناء دولة قطرية حديثة وعصرية لأسباب ذكرناها آنفا.

هكذا ولدت هذه الهوة، وأصبحت بعمق فالق عندما بدأت الثّورة التكنولوجية والاتصالات في القرن العشرين، واستمرت حيث أصبح العالم اليوم بفعل التواصل، قرية إلكترونية لا علاقة لنا بها سوى الاستخدام الهامشي لوسائلها ومفاعيلها.

الأساس في إحداث التغيير والتطور هو العقل، وقدرته على استيعاب العلاقات البشرية، والإنسانية التي تفرزها حركة التاريخ، والثابت الوحيد في هذه الحركة هو التغيير الذي يتطلب تطوير الأنظمة والتشريعات والقوانين والاجتهاد فيها بما يعزز التقدم، ويثبت العلاقات الحتمية اللازمة له. والجمود في ذلك لا يؤدي إلى قيام الدولة الفاشلة فقط، ولكن والأهم، يؤدي إلى قصور في تراكم المعرفة وبناء القاعدة المعرفية كما في إعاقته، لتكوين الثقافة وإحداثياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما ينعكس نتيجة ذلك من تخلف في مسار توطين العلم والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة. هذا ما يختزل دورنا اليوم إلى أن لا نكون أكثر من مشاهدين في مسرح الأحداث المصيرية الدائرة حولنا.

ما هو مطلوب اليوم هو تجييش الإرادة الذاتية باتجاه الاعتماد على النفس، واستعادة قدراتنا، لتكيّف أقدارنا بما يضمن استمرارنا في الحياة كفاعلين مبدعين في الفضاء الحضاري المحيط بنا.

في مثل هذه الحال ومن واقع الاستكانة له والممانعة للتغيير، تجد السلطة، بركنيها الديني والزمني، وللحفاظ على مصالحها الركون إلى العنف والاستبداد والتكفير والطغيان تجاه شعوبها، وهو ما يولد وينمي الفساد، وهو أحد آليات استمرار التخلف والتأخر.

* المعروف أن الفساد ظاهرة عالمية ولا تختص بها منطقة أو مجتمع أو أمة دون أخرى، وتختلف معدلاتها وطرق وآليات معالجتها ومكافحتها بين دولة وأخرى، وفي منطقتنا العربية، وبحسب دراساتكم ومعطياتكم والإحصائيات التي توافرت لديكم في المنظمة، حول مدى انتشار وتجذّر الفساد وعقلية الفساد العربي، هل توصلتم إلى وجود "مواصفات" أو "معايير" محددة خاصة بظاهرة الفساد تخص فقط البلاد العربية؟ ثم ما أكثر البلاد العربية التي تتفشى فيها ظواهر الفساد السياسي والمالي؟

الفساد ظاهرة بتوصيف واحد، بمعنى ليس هنالك فساد "عربي" يختلف عن غيره؛ فالاختلاف هو في انتشاره ومدى القبول به بين مجتمع وآخر. في المجتمعات الغربية - وما تتميز به من نظم ديمقراطية- تفرض قواعد وإجراءات واضحة للرقابة والمساءلة والمحاسبة، وقوانين عقابية يصونها قضاء مستقل محكوم بمبدأ فصل السلطات، نجد فيها ممارسة الفساد أقل مما هو موجود في بلداننا، خاصة الفساد السياسي، بفضل وجود البرلمانات والرقابة التشريعية، فضلاً عن وجود رقابة شعبية مصانة بحكم القانون. وهذا لا يعني أن الفساد قد اختفى عن هذه المجتمعات، لا بل يمارس على كافة الأصعدة طالما هنالك جشع، ونفس أمّارة بالسوء، ولكن يبقى حكم القانون هو الفيصل، وهذا ما نفتقده في بلداننا.

بنفس السياق، ليس هنالك مواصفات أو معايير معينة لفساد "عربي"، ولكن هنالك بيئات توفر الحضانة له، ولقد ذكرت آنفاً تأثير "الريع"، وغياب مفهوم "العمل والإنتاج" في تفشي الفساد في الأقطار العربية.

أما فيما يتعلق بالدول العربية "الأكثر فساداً"، ففي الواقع لا نرى أية أهمية لوضع تراتبية للدول العربية في هذا الشأن؛ فالمؤشر الأكثر انتشاراً في العالم هو "المؤشر الإدراكي" الذي تصدره مؤسسة الشفافية الدولية سنوياً، ولكن لدينا تحفظات على "تراتبية" الدول بحسب هذا المؤشر، وبالتالي لا نعول عليه كثيراً لغياب القياس الموضوعي في قواعد الوصول إليه.

تقتضي مكافحة الفساد توفير الإرادة السياسية للطبقة الحاكمة بمكافحة الفساد، وثانياً تأسيس حزمة من قوانين وإجراءات ناهية وعقابية تجاه من يقترف جرائم الفساد

المهم في عملنا أن نتوصل إلى طرق واضحة وشفافة تبين للحكومات العربية كيف تتفادى الفساد السياسي والمالي، والإلحاح عليها بتبني الإجراءات والقواعد المبنية عليها. وفي رأينا، فإن تبيان لماذا يوجد الفساد وينتشر في أقطارنا، أهم من التشهير بمن هو فاسد، إلا في حالة ثبوت الجناية، وعندها يصيح الإشهار عنها وعن فاعلها واجب.

* في ظل انسداد أفق التغيير السياسي العربي الحقيقي القائم على إشاعة مبدأ الحريات خاصة السياسية منها، و"دسترة" التداول السلمي للسلطة في بلداننا العربية، أي الأخذ بـ "المبدأ الديمقراطي" في الحكم، هل ثمة إمكانية حقيقية متاحة وممكنة للقيام بمكافحة جدّية للفساد خاصةً الرسمي منه؟ وهل لديكم أمل بالقضاء، أو على الأقل، بتقليص مساحة وحجم هذا الفساد العربي؟

ما يبدو من انسداد أفق التغيير العربي هو ظاهرة قائمة وحقيقية نعاني منها جميعاً، كما يعاني منها أصحاب الأنظمة أنفسهم، وهم يدركون أنهم وأنظمتهم في مأزق كبير، ولكن لست واثقاً من كونهم يدركون الحل للخروج من أزمتهم. إني أتكلم تحديداً عن إمكانية قيامهم بإعادة تكوين السلطة في بلادهم ومنظورهم للوصول إلى ذلك.

ولكن انسداد الأفق هذا يبقى ظاهرة، وبالتالي فهو عرضة للتغيير، وهكذا يجب أن يكون حكماً، وهذا ما يجعلني متفائلاً بإمكانية نجاح مهمتنا في تأليب "ثقافة مكافحة الفساد" والحد من تأثيره، وصولاً إلى إحداث التغيير الذي تكلمنا عنه سابقاً.

أعود إلى أزمة الحاكم وأفقه المسدود وما يجب أن يدركه حكامنا، هو أولاً، أن أية حلول خارجية هي مدمرة لهم وللبلاد، ومثال العراق وليبيا وسوريا وغيرها (ما يزال) قائم أمامنا، وثانياً، إن الابتعاد عن المسار الديمقراطي، لتبادل السلطة له أثر مدمر أيضاً، وخاصة على الآفاق والآمال؛ لنأخذ مصر مثلاً والتغيير الذي حصل إثر الحراك الشعبي الهائل سنة 2011، ومن بعده في يونيو (حزيران) 2012، لا نزال نجد هذا البلد أمام أفق مسدود، بالرغم من هذه الحركة الشعبية الرائعة والرائدة، والأمر نفسه في لبنان، فما حصل فيه في الأشهر الثلاثة الماضية ليس حركة عابرة تتعلق "بتراكم النفايات"، ومن المعيب على الدولة وعلى النخب أن تعتبرها كذلك. هذه إشكالية، في الأحوال الطبيعية، يمكن إيجاد الحلول لها عن طريق رئيس بلدية، وليس رئيس الدولة أو الحكومة. إنما تتعقد الحلول عند ربطها بمسارات مذهبية مرتبطة بمصالح مناطقية وعشائرية وقبلية. الإشكال في هذا المثال، (وبقية الأقطار العربية ليست بعيدة عن أزمات مماثلة)، تتعلق بإنتاج السلطة، وعدم قدرة أصحابها على تجاوز التناقض فيما بينهم. هذا ما تحاوله السلطات الحاكمة في بعض دولنا الفاشلة إزاء كل أزمة تمر بها، وفقط من أجل الحفاظ على مواقعها داخل السلطة. ما يجمعها هو الخطر الذي يهدد بقاءها في السلطة، وليس الخطر الذي يشكله فشلها على أمن الوطن وأمن مواطنيها.

الحل يكمن في وضع خارطة طريق للتحول باتجاه الديمقراطية في جميع هذه البلدان، ويتطلب هذا الحل شجاعة الإرادة السياسية للحاكم، وتضحيته من أجل فتح الآفاق المسدودة، وإدراك الجميع بأن لا بديل عن التفاني من أجل الحفاظ على أمن الوطن والمواطن.

* وفي ظل ما حدث في بلداننا من "تفشيل" لما سمي بـ: "ثورات الربيع العربي" من قبل النواة الصلبة للدولة العربية العميقة، هل من إمكانية قائمة ومتاحة اليوم لمكافحة جدية للفساد العربي؟ ثم إلى أي مدى استطاع هذا الفساد السياسي والمالي إعاقة التغيير والتطور في عالمنا العربي؟

هذا سؤال بالغ الأهمية، بدايةً، لا أعتقد بأن "الدولة العربية العميقة" هي المسؤولة عن "تفشيل" ما سمي بالربيع العربي؛ "فالدولة العميقة" لها حدود تشمل المؤسسة العسكرية (بعدّتها وعديدها ومصانعها)، وهيكلية الدولة الممثلة بأجهزتها البيروقراطية في قطاعات القضاء والسلطة التنفيذية والإدارات المحلية، والإعلام، وفي تنظيمات مكونة لثقافة داعمة لسلطة الدولة وأية سلطة رديفة أو مرتبطة بها.

لنأخذ مثال مصر، الدولة العربية الأهم، والتي شهدت الحركة الشعبية الأوسع، حصل ذلك في عهد الرئيس مبارك، والمرتبط مفهوما بتوصيف "الدولة العميقة". لم تستطع "الدولة العميقة" هناك "تفشيل" هذا الحراك، لا بل كان لأحد أبرز "حدود" هذه الدولة العميقة، أي المؤسسة العسكرية، الدور الحاسم في "ترتيب" إنهاء حكم مبارك. أما الذي أجهض الحراك الشعبي في مصر، فهو "المجتمع العميق"، والذي يمكن مقاربته مع ما تناوله المفكر المصري الراحل أنور عبد الملك في مفهومه "للخصوصية التاريخية" أي العمق التاريخي للمجتمع المصري. المجتمع المتجذّر في صعيد مصر وأمصارها عبر "شبكات ورموز راسخة وأصيلة"، حيث يدخل تأثير الدين، عندما يتم اعتباره دين "الجماعة"، وليس دين الفرد فيصبح له امتداد "للجماعة" خارج حدود الدولة؛ فإذا ما اقترن ذلك بالاقتناع بأن الدولة لا تخدم مصالح هذا المجتمع العميق يحصل التناقض معها والوقوف ضدها.

وفي تونس، كانت هناك محاولات أيضاً، من ركائز المجتمع العميق للتأثير على مسار التحرك الشعبي، لكن عمق مفهوم المواطنة هنالك كان "أعمق تأثيراً". في العراق أنهى الاحتلال هيكل "الدولة القطرية"، بالرغم من "عمق الدولة" إبان حكم الرئيس صدام حسين. إنما تبين أن المجتمع العميق فيه كان له عمق تاريخي مؤثر في ترتيب علاقات متميزة، وخاصة في جماعات تشترك بقيم معينة في محيط جغرافي ضيق (ريفي وقبلي ومذهبي) تشكل بحد ذاتها مجتمعاً عميقاً داخل الفضاء العراقي الحديث. هذه الروابط المجتمعية الخاصة تتجاوز بقرون عمر الدولة الوطنية العراقية. ولعالم الاجتماع العراقي الأبرز الراحل الدكتور علي الوردي دراسة مؤثرة وقيمة، أوضح فيها "اللمحات الاجتماعية" في تاريخ العراق الحديث. وهكذا برزت التناقضات القومية والإثنية والطائفية والمذهبية التي شدها عمق العادات الاجتماعية والتقاليد الموروثة تاريخياً، فتم رفض الهوية "القطرية العراقية" الموحدة للوطن، وغُيًبت الهوية "العربية" الموحدة لغالبية السكان، عندما صار لمناطق المجتمعات العميقة في العراق امتدادات لخارج حدود الوطن بسبب نزوع قومي ومذهبي واضح ومدمر.

الغاية من هذه المقدمة، هي الإجابة عن الشق الثاني من السؤال: هل من إمكانية قائمة ومتاحة اليوم لمكافحة جدية للفساد العربي؟

والجواب هو نعم، إنما المهمة أكثر صعوبة إزاء معوقات التعامل مع "المجتمع العميق"؛ ففي الدول السوية (وحتى إن كانت رخوة أو فاشلة) تتطلب مكافحة الفساد - إضافة إلى ما تطرقنا إليه في أجوبتنا السابقة - أمرين أساسين: أولاً توفير الإرادة السياسية للطبقة الحاكمة بمكافحة الفساد، وثانياً تأسيس حزمة من قوانين وإجراءات ناهية وعقابية تجاه من يقترف جرائم الفساد (مصحوبة بطبيعة الحال بقضاء نزيه ومستقل). ولكن كيف بالإمكان التصرف مع "المجتمع العميق" الذي ينهل إرثه التكويني والثقافي والحضاري من امتدادين: أحدهما تاريخي يتجاوز المرحلة التكوينية المعاصرة والحلول المناسبة لها (مكافحة الفساد وغيرها)، والآخر الامتداد الجغرافي، خارج الحدود السياسية، لينتظم مع مفهوم "الجماعة" الشامل لأبعد من الحدود، والمتأثر بأبعاد تاريخية تفوق الحدود القومية وأحياناً كانت وما تزال في صراع معها. هنا يقع الإشكال الكبير؟

 

* حوار منشور  ضمن  العدد السادس والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "  الفساد العربي ومتلازمات السلطة والثروة"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/EMCFzi

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق