الروائي قاسم توفيق لـ "ذوات": الكتابة حاجة بيولوجيّة
24 يناير 2017 | 0 تعليق

قاسم توفيق يوقع روايته "حانة فوق التراب" – (من موقع الكاتب على الفيسبوك)
حاوره: موسى برهومة *

يؤكد الروائي الأردني قاسم توفيق أن الكتابة واحدة من احتياجاته البيولوجية ليستمر في العيش، ويعتبرها مثل التنفس، والأكل، والنظر. ويقول في حواره مع "ذوات": "في الكتابة أدافع عن وجودي، وعن وجود الناس التي هي مثلي".

خاض توفيق معارك قاسية مع الرقابة التي كما يقول: "أعدمت" العديد من أعماله بذرائع اجتماعية وسياسية، لكنّ رواياته رغم ذلك وصلت إلى القارئ، رغم تعدّد الرقباء والحرّاس. وقد عزم أخيراً على إطلاق موقعه الإلكتروني الذي نشر من خلاله كل كتاباته، وجعل تحميلها متاحاً مجاناً للقراء. وعلّل هذه الخطوة باستغلال الناشرين للكتّاب "بوحشية ودهاء".

أصدر إحدى عشرة رواية، وخمس مجموعات قصصية تتصف جميعها بالجرأة في طرح ومعالجة عدد من الموضوعات التي تعتبر من التابوهات في الثقافة العربية. ويتملك القدرة على مزج الأسطورة بالواقع بصياغة لافتة تتمثل في راويته "ماري روز"، وكذلك الواقعية الحادة في روايات مثل "أرض أكثر جمالاً"، و"عمّان ورد أخير" وكذلك معالجة موضوعة الاغتراب العربي في رواية "الشندغة".وبحسب ما أفاد موقع قاسم توفيق، (www.qasemtawfiq.com)،فهو روائي وقاص، أردني الجنسية ينحدر من أصول فلسطينية. قضى طفولته وشبابه وما زال يقيم في "عمان". عمل في القطاع المصرفي منذ تخرجه من الجامعة الأردنية في عدد من الدول العربية والعالم، إلى أن تقاعد للتفرغ لمشروعه الأدبي في الرواية في العام 2013.

وتضمّنت رواياته الأخيرة موضوعات وقضايا بعضها لم يتم التطرق لها في الأدب الأردني والعربي، وهي رواية "حكاية اسمها الحب"، "البوكس"، "رائحة اللوز المر"، "صخب"، "حانة فوق التراب"، و"فرودمال" وهي آخر منشوراته في العام 2016، وتحكي عن موضوع الفساد في أبعاده الاجتماعية، والنفسية وتأثيراته في الثقافة والوجدان العربي، على مسار المئة سنة الأخيرة.

هنا تفاصيل الحوار:

*أنتَ من جيل ساهم في تأسيس الرواية في الأردن ومنحها زخمها الكبير. كيف تنظر إلى المسار العام لتطوّر الرواية الأردنية. لماذا لدينا روايات جيدة وليس لدينا روائيون لامعون يزاحمون نظراءهم العرب؟

- لا يمكن لنا أن نناقش أي فعل إنساني دون أن نفهم الوقائع الذي تنتجه، فن الرواية حالة متشابهة إنسانياً في عناصرها بعيداً عن جغرافيتها. ما جعل الرواية في الأردن تبدو قاصرة، وغير مُزاحمة مسألة مردّها للواقع الثقافي الأردني، فهو واقع متردٍ وحزين، لا يبيح للفنون والإبداع في كل صورهما أن تتقدما في المشهد الثقافي العربي ولا حتى المحليّ.

 لا ألقي باللوم، وبهذا الحمل الذي أثقله السؤال على المبررالموضوعي وأهرب من الذاتي، لذا يفترض بي أن أوضح، بأنّ التردي الثقافي الذي أحكي عنه لا يقف عند تشويه ذائقة الناس غير المبدعة فقط، بل هو أكثر تشويهاً للمبدع وللفنان ذاته.

إن إنجاز أعمال روائية جيدة عندنا في الأردن هو نتاج وجود مبدعين حقيقيين لهذا الفن، آفتهم، أنهم يضلون بإرادتهم عن استكمال مشروعاتهم الأدبية عندما يُشغلون بالمؤثرات غير الإبداعية التي تحطُ من قيمة الإبداع، أعني الجوائز الأدبية الحكومية، وفوبيا الانتشار.

 

*منذ البداية قرّرت الخوض في المناطق المحرّمة، فانتهكت حواجز الدين والجنس والسياسة. وهدّمت سدوداً عالية. من أين أتتك الشجاعة على فعل ذلك؟

 - ومنذ البداية لم أكن أسعى لافتعال معارك دنكشوطية مع أية جهة، أو جماعة، سعياً إلى الشهرة أو الانتشار، أو لأبدو مختلفاً، كل ما في الأمر أني أكتب بوجداني الإنساني، وأحاول أن أحتفظ بحقي في الكلام، مثلما أناضل من أجل حقي في الحياة. ما أفهمه أنني أنتمي إلى فئة كبيرة من البشر مغلوب على أمرها، وما أؤمن به أنه قد تم الزجّ بنا في حروب لم نكن نريدها، ولم نكن نعلم بها، حتى نُدفع للتخلي عن هذه الحقوق، لقد وُضعنا رغماً عن أنوفنا في مواجهة مع الإمبريالية، الرأسمالية، والتكفيرية دون أن نعلم بذلك ودون أن نسعى لهذه المواجهة إلا عندما انتبهنا إلى أنّ جلودنا تُسلخ، وعقولنا تُغسل، وعندما وعينا أن تعبنا وشقاءنا، وشقاء آبائنا، لم ينجح في تخفيف وطأة الفقر والجوع والمرض والجهل الذي صنعوه لنا، كل من ينظر إلى ما أوصلونا إليه سوف يحس ويعرف بأنه يعيش في حالة حرب مع هذا الثالوث غير المقدس. أنا ممن قرروا أن يدافعوا عن وجودهم.

 في الكتابة أدافع عن وجودي، وعن وجود الناس التي هي مثلي.

 لست شجاعاً، ولكني مقاتلاً صعباً عندما أدفع لأية معركة، الكتابة هي متراسي الأخير، قلعتي وحصني، من ورائها أدافع عن نفسيّ، وعن الناس الذين هم مثلي، لم أنتهك في الكتابة حرية  الآخر، ولم أعتدِ على حق أحد، بل قاومت الذين يعتدون عليّ لأحمي ما هو حق لي.

 

*تنتسب فكرياً، أو كنتَ، إلى أيديولوجيا ترى الأدب مسخّراً لخدمة الجماهير. أي أنّ للأدب وظيفة. هل تعتقد بذلك؟ وما وظيفة الأدب إذاً؟

- إن كان للأدب وظيفة، فهي بالتأكيد تتبع المرحلة والزمان اللذين يُخلق فيهما هذا الأدب، ما يحدث الآن أنّ ماهية هذه الوظيفة قد تغيرت مع تغيير ظروفها وزمانها، المرحلة التي أُطلق عليها شعار الأدب لخدمة الجماهير كانت مرتبطة بحركات التحرر الوطني، وطرد الاستعمار، وكانت صحيحة وفاعلة، ولا تزال صحيحة وفاعلة حتى وقتنا الحاضر لكن بتغير شكل هذه الخدمة، لا يزال الأدب مسخراً لخدمة الناس "الجماهير"، تغير شكل هذه السُخرة تبعاً للتغير والتطور الحضاري، وانفتاح العالم. إنّ الفنون جميعها لا تزال هي المعادل الإنساني لتواصل الأجناس، ولتعليمهم، وإمتاعهم بالضرورة.  

عندما تكلمت عن الجنس كشفت عما يعشش في دواخلنا منه، ونخاف أن نصرح به علناً، وهو سيّد الموقف في حياتنا

 

*قرّرتَ أخيراً إنشاء موقع إلكتروني، وحمّلت عليه أعمالك المسموحة والممنوعة. ما الذي حفزك على مثل هذه الخطوة؟

- الناشرون، لا يوجد إهانة أقسى على الإنسان من أن يدفع ثمن ما هو له، عندما تجد نفسك مضطراً لشراء نسخة من كتابك، تصيبك هزة تكاد أن تدقّ عنقك. أعترف بأنه لا يجوز لنا أن نحرم الناشر من حقوقه، مثلما لا يجوز له أن يحرمنا هو من حقوقنا أيضاً، أصبح الناشر هو صاحب الأمر في أن يكون المبدع أو لا يكون، ولكن ليس على أسس فنيّة أو إبداعية، هل يوجد كارثة أعظم من ذلك؟

لنأخذ المسألة بهذه الصورة، إذا كان الناشر يرى أنّ ما يقدمه الكاتب ليس ذا قيمة، فمن العدالة،  والذوق أن يمتنع عن نشر هذا الكتاب، وهذا حق طبيعي له، أما إن كان يرى أن طباعة عمل ما يعود بالمنفعة المادية عليه، وهو لا يزيد عن كونه عاملاً حرفياً مهنته الطباعة والنشر للأعمال الإبداعية، فإنّ من حق من خلق هذا الإبداع حصة يجب أن تكون الأكبر، أما أن يبدع المؤلف، ويتحمل كلفة نشر إبداعه، وعندما يرغب باقتنائه يتوجب عليه أن يدفع ثمناً إضافياً، في مثل هكذا معادلة، يعود بنا الناشرون إلى عصور العبيد، بل أشد ضراوة من تلك الحقبة، وزادوا في استعبادهم للكتّاب عندما وضعوهم أمام مأزق، وحالة عجائبية، وهي حاجتهم للتعامل معهم.

  في تجربتي مع النشر، وأستطيع أن أجزم بأنها تشبه تجربة الغالبية العظمى من الكتاب العرب، نضطر للدفع للناشر مقابل أن يطبع لنا، وعلينا أن نقوم هم بالترويج للعمل، وأن نحشد القُّراء لحفلات التوقيع لكي يعود ريعها للسيد الناشر.

  يتقن الناشرون استغلال الكاتب بوحشية ودهاء، حتى إنهم يتفوقون على البرجوازيات التي تسرق تعب الفقراء وعؤقهم، هم يعرفون أنّ حلم الكاتب الأحلى هو أن يرى كتابه مطبوعاً، ويعرفون بأنه لا مفر أمام هذا الكاتب غير أن يسلم نفسه للناشر، ليتحكم به بالصورة التي تعود عليه بالربح.

لقد حسمت أمري، وقررت أن أعطي كتبي لمن يرغبون بالقراءة. قصّرت المسافات بيني وبين القارئ، وأبقيت على مذهبي في الدفاع عما هو لي.

 

*وما هي رواياتك وأعمالك الممنوعة. وفي أي البلدان هي ممنوعة، ولماذا؟

- قصتي مع المنع قديمة، عندما أصدرت روايتي الثانية في العام 1987 وكانت بعنوان "أرض أكثر جمالاً" تم منع توزيعها من قبل ما كان يُعرف عندنا باسم دائرة المطبوعات والنشر. كنت قد نشرت هذه الرواية في بيروت، المحزن في حيثيات قرار المنع التي لا تعدو غير رفض الرقيب لمقطع في الرواية يسرد تجربة مراهق للعادة السريّة للمرة الأولى في حياته. أتذكر بأنّي بسذاجتي، في ذلك الوقت، استعملت دفاعاً عن النص كان هو ما عجّل في إعدام الرواية،  عندما قلت للرقيب إنّ البشر كلهم يعيشون هذه التجربة في سن البلوغ، وتماديت بالقول موجهاً الكلام  له شخصياً، ولا أتخيل أنك لم تمارس أنت أيضاً هذه العادة!

 ما جرى بعد ذلك، بأنّ الرقيب لم يصدر أمراً بمنع التداول وإعادتها إلى مصدرها لبنان، بل قرر أن يتم إعدامها أمامي، وبحضوري، ولم تجد محاولاتي في أن يُسمح لي أن أشهد هذه الواقعة، وأن لا أحضر هذه المراسم. صمم الرقيب أن يتلف كل النسخ أمامي، وكان له ما أراد رغماً عن أنفي.

   أحب أن أذكر بأنّ من أسباب المنع التي كانت سائدة هو أن يتطرق الكاتب لذكر اسم "عمان"، لقد كان ذكر اسم "عمان" مدينة عمري واحداً من التابوهات، وكان كفيلاً بمنع نشر أي كتاب يشهر اسمها باللعن ويبرز الصورة الحقيقية لها. كان الكاتب الأردني يلجأ للرمز، أو لذكر اسم عاصمة عربية غير الأردن تجنباً للمنع. ما لا يعرفه القارئ أنني أول كاتب أردني ذكر اسم "عمان" علناً، ورسم حياتها وناسها بواقعية.

 بعد إعدام "الأرض الأكثر جمالاً"، قامت دار الريس في لندن آنذاك بنشر أجزاء كبيرة من هذه الرواية في المجلة الأدبية العظيمة التي تعود لهم "الناقد"، تحت عنوان ممنوع من النشر.

في العام 1992 تم منع رواية "عمان وِرد أخير" لأنها تتعرض لمعارك 1970. لا أعرف تفاصيل المنع لكن هذا ما أعلمني فيه صديقي الذي اوكلت له مهمة طباعتها فقد كنت آنذاك أعمل في خارج الأردن.

المنع الآخير كان لرواية "رائحة اللوز المرّ" في العام 2014 وهذه مُنعت من قبل الناشرين، على الرغم من تمجيدهم لها ولقيمتها الفنيّة العالية. عذرهم بعدم النشر كان أنها لن تجد مكاناً لها في سوق توزيعهم في معارض دول الخليج.

 

*هذه الحركة الدؤوبة في "المنع" هل هي دائماً ذات أثر سلبي؟ بمعنى هل تتقصّد أن تكتب في مواضيع تنتمي إلى "التابو" العام، كي تُمنع رواياتك وتنتشر ويملأ صيتها الآفاق. أم أنك تكتب الحياة بكل أحوالها ونتوءاتها؟

 - لو أنك سألتني لماذا تكتب؟ لعرفت إجابتي عن هذا السؤال. يا عزيزي أنا أكتب لنفسي، ولأدافع عن وجودي، وحقي في الحياة، الكتابة واحدة من احتياجاتي البيولوجية لأستمر في العيش، مثل التنفس، والأكل، والنظر. لست معنياً إلا بأن أحمي وجودي وكياني، لا أحلم بجائزة، ولا بشهرة، ولا بثروة، كل ما أفعله أني أمارس حقي في العيش.

 

*بالتأكيد. من حقك أن تعيش وأن تعبّر بحرية. ولكن ثمة من يقيم تطابقاً بين الكاتب والراوي. ألا تخشى من ذلك. هل يحرجك هذا الأمر اجتماعياً. وما الحيلة كي يتجنّب الكتاّب هذا المأزق، إذا كان حقاً مأزقاً؟!

  - لا يستطيع الراوي أن يكون خارج نصه، فهو إن لم يسقط ذاته في كتاباته بوعي وإرادة، فأنه فاعل ذلك فرضاً من لا وعيه، من مخزونه المتخفي في خلايا عقله. أنا لا أخجل من شيء، لأنني لا أحاول أن أفعل ما يُخجل، أعي تماماً ما أريد، وأملك القدرة على أن أدافع عما أعيه وأومن به، ألا يكفينا من يقفون ضدنا ويتربصون بنا، حتى نزيد حملنا ونقف إلى جانبهم ضد أنفسنا؟

 في كل ما أكتب وما كتبت، كنت أنا، أعرف بأنني عندما كتبت عن معارك سنة 70 ، فإنني كنت أقول إنها لم تكن حرباً أهلية، وعندما تكلمت عن الجنس كشفت عما يعشش في دواخلنا منه، ونخاف أن نصرح به علناً، وهو سيد الموقف في حياتنا لكنّهم أخفوه في أماكن مغلقة،

الشعر الذي كتبته طوال حياتي كان للنساء اللواتي عشقتهن. أنا أعشق اللغة، وجمال اللفظة، تسحرني الكلمات، وتستلبني

 

* ولكن، ألا ترى أنّ التسامح الفكري قبل عقود كان أكثر رحابة منه الآن. هذا إذن يعقّد مهمة الروائي، إذا أراد أن يبوح بحرية وطلاقة. كيف تتمكن من التنقل بين حقول الألغام. أمّ أن الرقيب في داخلك صار أكثر حذراً؟

- لا أتذكر أنه كان للرقيب مكان في داخلي، لم أفكر في أن أوئدَ فكرة، إرضاءّ للنشر، أو للسلطة بكل أشكالها، أكتب ما أرى فيه حريتي، وللصحيفة أو للناشر أن يرفض هذه الحرية، وأن يمنعني من النشر.

هناك قضية يلزم الحديث عنها، وهي أن أثر المنع الصادر من الجهات الرقابية أقل وقعاً على نفسي من أن أُصدر أنا هذا القرار بالمنع، كوني لست متلهفاً لنشر ما أكتب بصورة مَرضية، ولن أكون قلقاً أو مُتعباً إن مُنع عمل لي، تعبي وألمي يكونان عندما أرى أنّ ما أكتبه قد مُسخ بين يدي الرقيب.

  من الممكنأني كنت أفكر بتطرف حين أقدمت على كتابة ونشر روايتي الأولى "ماري روز تعبر مدينة الشمس"، قبل أربعين سنة من اليوم، بكل ما فيها من مواجهات ضد التابوهات، هذا التطرف كان بأنني كنت أتحدى رقيب السلطة وحسب، لكن ما يحدث اليوم أنّ الرقباء قد ازدادوا، وصاروا أكثر قسوة. الظلامية، والتخلف، وكبت الحريات صار اليوم أكثر شراسة مما كان عليه، فمن كان يقيد حريتنا سابقاً كانت السلطة، أما اليوم فإن من  يقيدون حريتنا اليوم هم التكفيريون، والرجعيون، بالتحالف مع السلطة التي يُفرحها كثيراً هذا الحليف الذي يناصرها في حربها ضد الشعب.

 

*في ظل هكذا وضع، وأمام تعدّد الرقباء والحّراس، هل تلجأ أثناء الكتابة إلى المراوغة، والاختباء خلف اللغة والتشابيه والرموز والتورية. هل يضطر الكاتب أحياناً أن يكتب على طريقة ابن المقفع؟

- قد يضطر الكاتب لفعل هذا، لكني لست مضطراً لذلك. لا أميل للعودة إلى الوراء في نهج الكتابة، وأعود للمذهب الرمزي، العالم اليوم صار أكثر انكشافاً، فما نخاف أن نحكيه، صرنا نسمعه في كل مكان، الإنترنت لم يعد يخفي لا شاردة ولا واردة، والفضائيات سلطت الضوء على كل بقعة في الكون. لم يعد الشاب اليوم معنياً بسؤال الأكبر سناً عن القضايا التي تشتغل في ذهنه، لم تعد ثقافة هذا الجيل الجديد ثقافة أحادية المصدر، ومتوارثة جاهلية. لا أستطيع  أن أفهم كيف لكاتب حقيقي أن يلجأ للرمز وللمراوغة، لأنه إن فعل فإنه سوف يقع في فخها قبل القارئ.

 

*ثمة لدى كل كاتب كتّاب ملهمون. من ملهموك في الرواية؟

- عندما تقرأ كتاباتي سوف تلاحظ بسهولة أنني كاتب يمتلك  نفَسَه الخاص، ليس في اللغة وحسب، بل وفي كل عناصر العمل، حتى في الموضوعات التي أكتب عنها، ليس من باب التباهي بل من أجل توصيف نفسي بصورتها الحقيقية.

  عندما كتبت روايتي "البوكس" التي تتحدث عن الفئة التي استجدت في مجتمعاتنا العربية "البلطجة"، قرأت رأي الأديبة العراقية الكبيرة "لطفية الدليمي" في هذه الرواية، الذي أرسلته لشاعر أردني، وهو من قام بإرساله لي، كتبت إن هذا "البوكس البلطجي" الذي لقاسم توفيق لا يشبه أحداً من البلطجية الذين كُتب عنهم في الرواية العربية، ولا حتى عند نجيب محفوظ.

أنا قارئ نهم للرواية، تسحرني روايات عديدة، ويسطو عليّ روائيون أمثال "إيزابيل اليندي، وبارغاس، وموراكامي" وعشقت "ساق البامبو" للكويتي سعود السنعوسي، و"ترمي بشرر" للسعودي عبده خال، وغيرها الكثير، لكن لاشيء من كل هذا يلهمني.

ما يلهمني هو الناس في عمان، والعلاقات التي بين البشر، والعشق.

 

*قلت، ذات حوار، إنك تصطحب أثناء الكتابة قيثارة الشاعر وفأس الروائي. هل في داخلك شاعر متوارٍ. هل لك كتابات شعرية منشورة. هل بدأت شاعراً كأغلب الكتّاب؟

- الشعر الذي كتبته طوال حياتي كان للنساء اللواتي عشقتهن. أنا أعشق اللغة، وجمال اللفظة، تسحرني الكلمات، تستلبني وتزرع فيّ موسيقى مدهشة، عندما أكتب أحاول أن أحافظ على هذه الصيغة، فلطالما أُرهقت في البحث عن عبارات تقدر أن تكسر جفاف فكرة أكتبها.

 في آخر رواياتي "فرودمال" التي تحكي عن الفساد، كنت مضطراً للكتابة في موضوعات تتعلق بفساد المصارف "البنوك". أصعب ما واجهته في كتابة هذه الرواية، كان في أن أصوغ لغة وصورة جميلة لعمليات احتيال وفساد قبيحة. لقد أعدت كتابة بعض النصوص عشرات المرات حتى أجعلها قريبة لذوق القارئ.

 

*كتبت عن عمّان منذ زمن بعيد، قبل أن تصبح الكتابة عن المكان والاحتفاء به "موضة". هل يمكن الكتابة بقرار سياسي؟!

- من ينتظر قراراً سياسياً للكتابة لا يمكن أن يكتب، الصنعة التي اشتُغل عليها في الأدب العربي القديم لم تخلد إلا لكي يضرب فيها المثل في الأدب الرديء، وأدب المناسبات يستعمله الناس للنفاق اليوم، لا شيء يعادل صدق الفنان، هذا الصدق هو الذي يبعث فناً عظيماً وراقياً. لا أقدر أن أفكر ماذا سأكتب لو طُلب منيً أن أمجّد حاكماً دكتاتوراً، أو لصاً سارقاً للشعب. المُحزن أنّ الكثيرين اليوم يكتبون من أجل الجوائز. لا أدري، أي إبداع هذا؟ حتى وإن نال هذه الجائزة.

 

*ما الحلم الذي يشعّ في روحك على المستوى الإبداعي، وتودّ لو تحققه. ما الكتابة المشتهاة التي لم تكتبها بعد؟

- هي أحلام كثيرة يا صديقي. إنني أرى الكلمات تحوم فوق رأسي تنتظر أن أرفع يدي قليلاً لألتقطها.، أكتب في اليوم أكثر من ست ساعات، وعندما أنام أستمر بالكتابة حتى أعود للكرسي أمام الكومبيوتر لأكتب.

ألم أقل لك إن الكتابة فعل بيولوجي يبقيني على قيد الحياة؟

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق