الرواية الأردنية وسؤالا الدين والسياسة
06 يناير 2017 | 0 تعليق

*كاتب وروائي أردني
عاصف الخالدي*

في الرابع من هذا الشهر، عقدت مؤسسة مؤمنون بلا حدود ومركز شرفات لدراسات العولمة والإرهاب ندوة بعنوان: "الرواية الأردنية، سؤالا الدين والسياسة". وقد تحدث فيها كل من الروائيين جمال ناجي وسميحة خريس، إضافة إلى د.خولة شخاترة، أستاذة النقد والأدب في جامعة جدارا.

 وبدأت الأستاذة شخاترة حديثها بأن اختارت مجموعة من الروائيين الأردنيين، واستعرضت نتاجهم الروائي من حيث تناوله للسياسة والدين، فتحدثت عن رواية تيسير سبول: أنت منذ اليوم، ورواية القط الذي علمني الطيران للكاتب هاشم غرايبة، ثم تناولت روايتين لزياد محافظة هما: نزلاء العتمة، ويوم خذلتني الفراشات، وأخيراً، روايتي جلال برجس: مقصلة الحالم وأفاعي النار، حيث ركزت على مضامين هذه الروايات وطريقة تناولها للسياسي والديني. ورغم أن الأستاذة شخاترة دللت بأمثلة سردية من قلب النصوص، إلا أنها لم تتطرق إلى العلاقة النقدية المباشرة بين العمل الروائي وبين الواقع السياسي والديني المعيش. ذلك أن توظيف الديني والسياسي في النص الروائي قد يحمل طابعاً توثيقياً بكل بساطة، فيقوم الروائي بتحميل شخوص روايته هموماً وأسئلة ووجهات نظر سياسية ودينية، لا تكاد تنفصل عن الواقع، لكنها وبالمقابل، تنفصل ربما عن المهمة الروائية كسردية، لأنها لا تقفز عن أسوار الواقع، ولا تستشرف أو تتجاوز أو تخلق عالماً موازياً. وإن أقررنا بأن الرواية كجنس أدبي، لابد أن تحمل سؤالاً في طياتها، فلا بد أنها إذن، لن تكتفي بإعادة استعراض الواقع، والتخبط فيه، ولن تقوم بنعيه أو التوهان فيه فقط، كما في أعمال مؤنس الرزاز وتيسير سبول، إنما هي سردية تعيد إنتاج هذا الواقع، بناء على طرح حالات بديلة أو أسئلة مؤشرة، أو نماذج إنسانية أو أحداث، تفوق الواقع وحالته السياسية والدينية المعيشة، والتي يتم التعبير عنها بصيغة روائية جمالية وعميقة لا أكثر.

 من باب آخر، قامت الروائية سميحة خريس بعرض تجربتها الخاصة مع الرواية التي تحمل بعداً اجتماعياً، يمثل واقعاً سياسياً بالتحديد، حيث قالت إنها تحاول دوماً الحفاظ على الجمالي في السرد الروائي، ولا تستسلم لفكرة مؤطرة أو أيديولوجية مثلاً، على حساب القيمة الفنية في النص الروائي. ثم تناولت خريس روايتها "يحيى" كنموذج، حيث أعلنت أنها في هذه الرواية ودعت قناعتها واتجهت مباشرة "إلى عين الشمس" فبينت نموذجاً متمرداً على المفروض السياسي المتذرع بالدين في هذه الرواية، والتي تدور أحداثها توثيقياً في مدينة الكرك في القرن الخامس عشر. ثم تابعت كلامها عن القالب الجمالي في العمل الروائي، والذي يعد أصلاً محاولة لمجابهة القبح، أي الشر من زاوية أخرى وربما في إشارة إلى القمع السياسي والديني.

  في النهاية، تحدث الروائي جمال ناجي، عن علاقة سؤالي السياسة والدين بالنص الروائي بشكل عام، حيث أعاد تعريف مصطلح "التابو" ثم تطرق إلى أنماط الرقابة الرسمية القانونية منها وتلك الفردية: التي يمارسها الروائي والجماعية "المجتمع"، وتأثيرها على النص الروائي وعلى المؤلف. ثم تطرق إلى تعامل الروائي مع محتوى السرد؛ حيث أشار إلى استخدام الترميز والعلاقات اللغوية والفنية حتى يتمكن من تجاوز هذه الرقابات وإيصال مضمون إشاراته وأسئلته إلى القارئ. ثم أكد على شراكة قديمة عقدها الفن الروائي مع السياسي كهمّ عام محلي وعربي، فيما ظلت هذه الشراكة مفقودة على حد تعبيره، بين الروائي والديني؛ بسبب المزالق المعقدة لطبيعة النص الديني وتوظيفه السلبي في المجتمع.

 وقد تطرقت الأستاذة خولة والروائية سميحة خريس، إلى أن النقد مقصر بشكل عام بالتقاط هذين السؤالين بعمق، من خلال تقصيره العام في اللحاق بزخم الأعمال الروائية، وتفكيكها. كما إنه لا يركز إلا على مضامين معينة تتعلق بأعمال محددة لكتاب معروفين بعيداً عن تحليل الديني والسياسي بصورة واضحة.

 في الواقع، لم يتم أبداً، التطرق إلى مشكلة النقد الأهم، محلياً وعربياً، والتي تكمن في عدم إلحاق الروائي بالمعرفي؛ إذ إن الرواية العربية، بدأت في إنجاز سردياتها متأخرة، ولم تبدأ بالتشكل قبل مطلع القرن العشرين، ومنذ ذلك الحين، لم يتم النظر نقدياً إلى الرواية العربية أصلاً، على أنها أحد الدوافع النهضوية العربية. ولم يتم إلحاقها بالفكري والمعرفي، رغم أن الأمثلة على علاقة الرواية بالنهضة كثيرة وعالمية، ولا بأس في ذكر بؤساء فيكتور هوغو أو مائة عام من العزلة لماركيز، وغيرهما الكثير. وعلى العكس، إن الميل إلى الكتابة الروائية في العقود الأخيرة، وتنوع التجارب الروائية، كان يفترض به أن يمنح النقد فرصة لمحاولة تفكيك هذه الأعمال أو السرديات، ومنحها مكانتها في وجود الإنسان العربي، وهذا ما لم يحصل إلى الآن بشكل واضح.

من جانب آخر، الرواية كفن، والتي كما يمكن القول، هي سردية تقف وجهاً لوجه أمام التاريخ، معطية الكاتب والقارئ والإنسان بالمحصلة، فرصة لتشكيل زمنه وتاريخه الشخصي، وفرصة لتحليل الواقع والمستقبل حتى (يكون المستقبل مضمناً بالخيال)، مقابل واقعية تاريخية تراكمية، سياسية كانت أم دينية، ظلت تفرض نفسها من خلال توظيف متكرر ومتصلب، تعطي الإنسان فرصة مقابل هذه الواقعية، لأفق أوسع، ورؤية معرفية وثقافية تمكنه من التأويل، والتجريب والجدل ربما. مما يشكل حركة معرفية تعني التقدم، لا الثبات أو الموات. وفي الواقع لم يتم التطرق إلى الوظيفة الروائية هذه في عمقها، لا في شكليتها والتزامها. ولم يتم مقارنة أي عمل روائي محلي مع هذه الفكرة. ربما وكما يقول الباحث الأردني معاذ بني عامر مثلاً: "إن الرواية العربية أرض منسية، لا بد للمعول الفكري أن يعمل فيها".

  لا بد في النهاية، أن نتذكر أن العمل الروائي كمنتج إنساني، يحمل في جوفه كل هذا العالم، ولطالما كان وعاء فكرياً وجمالياً واجتماعياً زاخراً بالأسئلة والإشارات، إنه يحطم ويبني ويقوم بتخليق وظيفة جديدة، جدلية ومستشرفة، سواء في سؤالين كالدين والسياسة، أو في علاقة الإنسان بكل ما يعيه من وجوده، فيبقى السؤال مطروحاً: هل نجحت الرواية الأردنية في هذا الطرح؟ أم إنها اكتفت بمحاولات لتجاوز المحظور واستعراض الواقع، ووضع الأسئلة العميقة أمام صفحة البحيرة، حتى تتراءى الإجابات. يبقى أن أعيد ما قاله إدواردو غاليانو، الكاتب والفيلسوف الأوروغوياني ذات مرة: "ماذا أفعل إن قلت لي إن الروايات لا تنهض بالبشر؟، وهل نهضت القوانين فمنعت القمع والقتل؟، ما فائدة ما نكتبه  من روايات وقصص وقصائد، إن لم تصبح هذه النصوص قوانين حتى الآن" .

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق