الرواية الحديثة: من الأنساق المُعولمة إلى تحطيم الهويات المحلية
05 ابريل 2017 | 0 تعليق

*باحث وأكاديمي أردني
سعود شرفات*

في مفهوم العولمة

- التعريف بالشيء متعسف ومخيف جهة أنك عندما تعرف شيئاً مجهولا ًترسم له حدوداً ضمن ما تسعك اللغة، وأنت هندسياً تضع له مخطط موقع وترسيم. لكنك تتركه نهبا ًلمزيد من البهمة من أنه هو وليس غيره.

لكن لغايات الإيجاز يمكن القول إن العولمة هي العملية الكلانّية المستمرة التي تكتسب من خلالها العلاقات السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية، والتكنولوجية، سمات مجردة عن المسافات، والحدود الطبيعية أو المصطنعة؛ إذ أصبح البشر يعيشون في هذا العالم، باعتباره مكاناً منفرداً وواحداً شديد الترابط، حيث يكون تأثير الأحداث والظواهر، أو مكان حدوث هذه العلاقات والظواهر في العالم مهما كانت نوعيتها، متزايداً بشكل متسارع جداً.                         

 - إنّ الزمان والمكان في طور الانهيار، وإعادة التشكل.  وأفكارنا القديمة عن المكان الجغرافي والتاريخ الزمني والبِنى الاجتماعية المختلفة تنسفها الآن سرعة الاتصالات الحديثة ووسائل الإعلام، ونشهد اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بروز أمشاج من أنساق وثقافة وهوية عالمية، تتشابه فيها المناطق المدنية تقريباً وتجمع عالمنا المعاصر، وينبثق معظمها من الانشغالات والهموم والمخاوف العامة المتخطية للحدود الوطنية للبشر.

- والعولمة؛ سيرورة لها أبعاد وآليات ومؤشرات مختلفة وتفسيرات كثيرة وتعريفات أكثر، وهذا ما يجعل منها مجالاً خصبا للمقاربات المتضاربة والمختلفة، غير أن أبعادها وآلياتها (التكنولوجية) هي العنصر الأكثر تأثيراً والقاسم المشترك في كافة الأبعاد وقوة الدفع النفاثة المتخطية للحدود القومية  للظاهرة. وهناك عدد من المفاهيم   الملتبسة مع العولمة ينظر لها كمترادفات مثل: الكوكبة، الدولنة، اللبرلة، الأمركة.

- هناك ثلاثة تفسيرات رئيسة في مقاربة سيرورة العولمة هي:

أولاً: تفسير يرى أن الظاهرة ليست أكثر من مجرد مرحلة عابرة من مراحل التاريخ البشري، ومن ثم فلا ضرورة لإعادة النظر في مفاهيمنا للسياسة أو الثقافة العالمية.

ثانياً: تفسير يرى أنها أحدث مظهر من مظاهر تنامي الرأسمالية، والليبرالية الجديدة والعنصريّة الغربية، وأنها أدت إلى زيادة الهّوة اقتصادياً واجتماعياً بين الدول الغنية والدول الأخرى الفقيرة في الأطراف.

ثالثاً: تفسير يرى أنها مثال لتحول جوهري واسع وعميق في كافة مناحي وميادين الحياة اليوم يتطلب إيجاد مقاربات جديدة لفهمه وإدراكه، بعيداً عن التحيز والتفكير الرغائبي والغائي.

وأنا أكثر ميلاً للأخذ بهذا التفسير؛ لأنه يبدو أكثر قدرة على دراسة الظاهرة، وتحليلها وعرضها. ولا أظن أني أجازف بالقول، إن الجدل حول الرواية الحديثة لا يتشتت كثيراً عن الإطار الجامع لهذه المناظرات الثلاث أعلاه.

-  الأمر الثابت هو أن سيرورة العولمة بنت نشاطاً وحراكاً تحكمه قواعد، ونظم، وأطر جديدة ضمن النظام العالميّ لم تكن مدركة بوضوح قبل القرن العشرين، وهذه الأطر ترتكز على الترابط الشديد، والتشابك والتعقيد، ونسيج من الشبكات المتعددة والأهم من ذلك تخطي الزمكان، وإذابة صمغ الزمان الطبيعي والبشري الذي لا يزال يلصق بين الحدود الجغرافية أو يفصلها، وبين البشر والبنى الاجتماعية المختلفة.

- العولمة لا تعني الترابط والتشابك المتسارع فقط؛ بل تنطوي أيضا على قضايا ثقافية وذاتية، بمعنى مدى وعمق الوعي بأن العالم مجال واحد 

هذا الوعي يؤسس لذات جديدة وهوية ناشئة كما يقول (بول ريكور)، وهو ما ميز الحداثة الأوروبية نفسها منذ القرن الخامس عشر (حسب تصنيف روبرتسون) كإرهاصات تأسيسية لسيرورة العولمة المعاصرة، هذا إذا نظرنا إلى انهيارات العالم القديم وانزياحات اللوغوس (وهنا أنا استخدم فهم هيراقليطس صاحب فلسفة الجدل والتغيرات، بمعنى أن اللوغوس هو القانون الكوني الذي تجري على أساسه أنواع التغيرات في الوجود) المستمر من دائرة الوجود إلى دائرة الموجودات مفتوحة ورخوة وقابلة للتشكل ولا تنتهي بنهايات تذكرنا بـ (نهاية التاريخ) كما عند فرنسيس فوكوياما.

 

أين موقع الهوية والخصوصية في سيرورة العولمة؟

الزمن الفارغ المتجانس

- بداية؛ إنّ فرضيّتي الرئيسة هي أن سيرورة العولمة تدمج على مستوى البِنى الاقتصادية لكنها في نفس الوقت تفتت على مستوى البِنى الاجتماعية والثقافية، وتعيد تشكيل هذه البنى بشكل مستمر؛ لكن هذا التفتيت والتشظي ليس بالضرورة أن يفضي إلى المثالية بالمعنى الهيجلي.  

- أعتقد أن الخصوصية والهوية أو القومية مرتبطة بالذهن وبحدود اللغة الوعرة القاسية حتى لا أشتط وأقول بأنها متخيلة بالمعنى الذي ذكره بندكت أندرسن في "الجماعات المتخيلة" خاصة عند حديثه عن منظومة إدراك الزمن، وهو مفهوم رئيس في فهم سيرورة العولمة.

فمثلا؛ يرى أندرسن أن انهيار الجماعات واللغات والسلالات المقدسة كان يُخفِي تحته ما كان يعتري طرائق إدراك العالم من تغيّر جوهري عمِلَ، أكثر من أي شيء آخر، على جعل “التفكير” في الأمة ممكنًا، حيث نشأ مفهوم جديد للزمن، يفصل زمن التكوين والخطيئة والخلاص الديني عن الزمن اليومي المُعاش. زمن تاريخي جديد في الأذهان. وهو زمن فارغ متجانس، ويقصد بـ ”فارغ” أي إنه حيز مكاني يمكن ملؤه بالمعنى، حيث يمكن خلاله تخيّل ما يجري في الحاضر أفقيًا، مثل تخيّل أفراد جماعة يعيشون وتخيّل ما يقومون به في الوقت ذاته، أو تخيّلهم يفعلون الفعل نفسه في الوقت ذاته.

وما من نشاط ثقافي يكرّس وينتج مثل هذا الشعور في منشئه التاريخي أكثر من تحرير الجريدة وقراءتها بلغة محلية أو كتابة قصيدة وطنية أو رواية محلية؛ فهي وحّدَت وتوحّد الزمن والأجندات والحوادث وتملؤه بنفس المضمون لأفراد الجماعة جميعًا.

أما أدبيًا، فانعكس مفهوم الزمن الفارغ المتجانس هذا أكثر ما انعكس في الرواية الحديثة الذي تطور في هذه المرحلة نفسها، والذي صوّر ويصوّر تزامنًا حاضرًا أفقيًا بين فاعلين عدة في الفضاء اللغوي ذاته.

ثم  تبعه تشارلز تايلر في كتابه "المتخيلات الاجتماعية الحديثة". وهنا يقارب تايلر الأمر من خلال فكرة "المتخيّل الاجتماعي" التي تشير إلى الطرائق التي يتخيّل بها شعب معيّن وجوده الاجتماعي الجمعيّ.

فمثلا ً؛ يتمّيز "المتخيّل الاجتماعي الغربي الحديث" بأشكال ثقافية أساسية ثلاثة، هي: الاقتصاد والمجال العام والحكم الذاتي، وهي تقدّم إطارًا شاملًا وجليًّا لفهم بنية الحياة الغربية الحديثة وأشكال الحداثة المختلفة التي اتّخذتها. خاصة إن استطعنا التوصّل إلى تعريف أكثر وضوحًا لفهم الذات الذي هو مكوِّنٌ أساس منها. والحداثة الغربية، من وجهة النظر هذه غير قابلة للانفصال عن نوع بعينه من المُتَخَيَّل الاجتماعي؛ كما أنّ من الواجب فهم الفوارق القائمة بين حداثات زماننا المتعددة من حيث المُتَخَيَّلات الاجتماعية المتباعدة ذات الصلة بالأمر. وهنا أرى أن مجال هذا المخيال الاجتماعي المفروز على شكل حقب زمانية هو أساس مهم في فهم التراكم العالم لبناء الهوية والخصوصية.

- ولذلك يبدو أن الكثير من منظري العولمة الثقافية مثل عالم الاجتماع البريطاني رونالد روبرتسون ذهب إلى عملية تحقيب تاريخي وتقسيم مراحل نشوء العولمة تاريخيا حسب تطور الحداثة الأوروبية تحديدا دون أن يؤكد على عملية الدمج واستيعاب وإسهامات لأية حضارات أو ثقافة أخرى في الحداثة الأوروبية، وهو اتجاه لحسن الحظ بدأ يلقي الكثير من النقد خاصة ضمن أدبيات والسرديات لمدرسة " تعدد الثقافات".

- ولتبيان النشأة التاريخية يمكن الاعتماد على النموذج الذي صاغه عام (1992م) (رولاند روبرتسون)، حيث حصر المراحل المختلفة المتتابعة لتطورها عبر الزمان، ويرى أن نقطة البداية كانت بظهور الدولة القومية الموحدة التي يعتبرها نقطة تاريخية فاصلة في تاريخ المجتمعات المعاصرة، وقد وصلت العولمة إلى الوضع الحالي الذي يتسم بدرجة عالية من التعقيد والكثافة بعد مرورها بخمس مراحل هي:

  1. المرحلة الجنينية:

مرحلة سادت (أوروبا) منذ بداية القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر، وتميزت بسيادة نظرية العالم على حساب نمو المجتمعات القومية. وفي هذه المرحلة، بدأت الإرهاصات الأولى لتشكل الرواية الحديثة في أوروبا تحديدا.

  1. مرحلة النشوء:

تلت المرحلة الجنينيّة، واستمرت حتى عام (1870م)، فقد شهدت تبلوراً أكبر للعلاقات الدولية وزادت الاتفاقيات الدولية، ورغم أنها سادت في (أوروبا) إلا أنها واجهت مشكلة قبول المجتمعات غير (الأوروبية) في المجتمع الدولي.

  1. مرحلة الانطلاق:

بدأت من عام (1870م) حتى العشرينيات من القرن الماضي، وتم فيها دمج المجتمعات غير (الأوروبية) في المجتمع الدولي، وكذلك صياغة الأفكار الخاصة بالإنسانية التي ترافقت مع حدوث تطور هائل في عدد وسرعة الأشكال الكونية للاتصال، وخلال هذه المرحلة حدثت الحرب العالمية الأولى، ونشأت عصبة الأمم المتحدة.

  1. الصراع من أجل الهيمنة:

استمرت هذه المرحلة من العشرينيات حتى منتصف الستينيات، ونشأت خلالها خلافات وحروب كونية برز خلالها دور الأمم المتحدة بشكل جلي وبذات إرهاصات البحث عن نظام عالمي جديد بعيد عن التكتلات والتحالفات. وفي هذه المرحلة على سبيل المثال برز صوت الشاعر الهندي العظيم طاغور الذي حصل على نوبل عام 1913م. وكان طاغور من رواد حركة النهضة البنغالية  لكنه سعى هو وعائلته إلى الربط بين الهوية الثقافة الهندية التقليدية والأفكار والمفاهيم الغربية.

  1. مرحلة عدم اليقين:

بدأت منذ الستينيات للآن، تم خلالها إدماج العالم الثالث بالمجتمع العالمي، والتطور (التكنولوجي) الكبير في العالم، وتعقدت المفاهيم الخاصة بالأفراد والهويات لاعتبارات؛ الجنس والسلالة وزاد فيها الاهتمام بالمجتمع المدني العالمي والمواطنية العالمية.

ويمكن القول إنه في هذه المرحلة دخلت الرواية اللاتينية والأسيوية والأفريقية قلب الرواية العالمية، ولذلك بدأت تظهر أسماء أدباء في قائمة جائزة نوبل للآداب بدأ من تاريخ 1945م من خلال غبريالا مسترال من تشيلي، وميغيل انخل أستور باس من غواتيمالا، وياسو ناري كواباتا من اليابان 1968م، وبابلو نيرودا من تشيلي ونجيب محفوظ 1988م، واورهان باموق 2006م من تركيا، ومو يان 2012م من الصين.

- يلاحظ مما سبق أن مسألة فهم مصطلح العولمة بشكل كلانّي يتطلب التركيز على مضمونها التاريخي؛ فقد قلت الأهمية النسبية للدولة القومية والتمحور الفردي عبر العصور لصالح عالمية الفكر والاقتصاد الدوليين، والذين ترافقا بشكل كبير مع التطور التقني الذي شهده العالم وخاصة (أوروبا) و(الولايات المتحدة الأمريكية)، فيما بعد وكذلك مع تطور أنماط الاتصال والمواصلات بين أجزاء العالم كلها، وكان هناك جانب آخر في غاية الأهمية ترافق في تطوره مع ما سبق، وهو الجانب الإنساني، غير أن تلك المجهودات اصطدمت في معظم الأحيان بالنزاعات والحروب التي عصفت بالعالم، فكانت الحربان العالميتان الأولى والثانية في القرن الماضي، ومئات النزاعات الإقليمية الأخرى، التي كان للاختلافات العرقية والعقائدية وصراع الهويات  ولاعتبارات التاريخ والجغرافيا الدور الأساسي في ظهورها.

- ولقد ارتبطت سيرورة العولمة بكثير من المعاني السلبّية في الذهن، كما تلتبس بقضايا سلبية أخرى خاصةً حين تقرن تعسفاً بنظرية المؤامرة الكونية ولتكون (أيديولوجيا) اقتصادية؛ سياسية - حربية خالصة (كما يرى ناعوم تشومسكي مثلا) لتوصف أحيانا ً(بالأمركة) خاصة في المنطقة العربية ودول العالم الثالث أو الأطراف والجزء الفرانكفوني من الثقافة العالمية.

ولقد عبر عن هذا الموقف، الكاتب والأديب المعروف الفرنسي من أصل لبناني أمين معلوف عندما تساءل في رواية القرن الأول بعد بياتريس التي نشرت باللغة الفرنسية 1992 وترجمت إلى الإنجليزية 1993م  قائلا "هل العولمة شيء آخر غير الأمركة؟ ألن تكون إحدى عواقبها فرض لغة واحده، ونظام سياسي واقتصادي واجتماعي واحد؟ وأسلوب عيش واحد، وسلم معايير واحد، أي تلك التي تخص الولايات المتحدة (الأمريكية) وإذا سلمنا بما يقوله البعض، فظاهرة العولمة لا تغدو عن كونها قناعاً وتمويها وحصان طروادة تخفي وراءها محاولة للسيطرة على العالم".

لكن هذه المقاربة الأدبية النقدية لسيرورة العولمة من قبل معلوف يدحرها كم هائل من الأدبيات في كافة الحقول العلمية والمعرفية خاصة في المنظومة المعرفية الغربية.

 

- يأتي الحديث عن الرواية الحديثة ضمن الموجة الواسعة المعاصرة من نقد السرديات والانساق المسيطرة لشكل عالمنا المعاصر، ومن ضمنها نقد العولمة. وأرى أن الرواية تنتصب هنا في اللب من سرديات ما يسمى "عالم متعدد الثقافات" وهو عالم يتميز بالتعقيد والتنوع ويتميز بأنه مكون من أنظمة شبهه إقليمية، معولمة  ومحلية متنوعة. وصعوبة تتبع هذه السرديات تأتي من اتساع نطاقها وحساسيتها اتجاه التاريخ والخصوصيات الثقافية التي ترى أنهما وحدتّا التحليل للنظام المعاصر  وأهم ما يميز هذه السرديات هو تأكيدها على أهمية الهويات الثقافية المحددة.

ومن أبرز ما يمثلها حاليا تشارلز كوبتشانز في كتابه ( عالم لا أحد ) ومقاربته باختصار شديد هي أن "العالم الغربي يفقد ليس فقط تفوقه المادي كقوة صاعدة بل   سيطرته الأيديولوجية أيضا . "

وهو يرى أنّ (عالم لا أحد) هذا سيتشكل ويأخذ مكانه عبر الخطوط المقسمة للثقافات وفي القلب من الثقافات يأخذ الأدب والرواية معجزة العصر الحيز الأكبر في الجدل والتحليل والنقد. ما الذي فعله إدوارد سعيد غير انه أكد أن عالمنا اليوم معولم.

و بنفس الاتجاه طوّر اميتاب اشواريا مفهوم " المحلية " والعلاقات الدولية العالمية " ومقاربته هي أن الهوية المحلية والإقليمية ممكن أن تكون دعامات مهمة في بناء النظام العالمي الحديث . وقريب من ذلك طرح باري بوزان ولوسن مقاربة تدعى " العولمة غير المركزية" من حيث التأكيد على  محايثة العولمة للإقليمية .

ورغم أن جل هذه المناظرات حول السرديات الكبرى التي تقارب العالم تحاول الدفاع عن خصوصية وهوية  متخيلة ؛  تنتصب الرواية الحديثة  وحتى في أعمق بؤرها المحلية أو الإقليمية أو القومية وتنتفض لتكون لوحة عالمية وملكا مشاعا للعالم.

- مقاربة توفيقية : عولمة - محلية 

كيف نستطيع أن نفصل في الحقبة الحالية من العولمة - بما هي فهم لتخطي الزمكان – بين تشابك وتعقيد الأنساق الخاصة والعامة . وهل هناك عمل أدبي أو رواية ذات نسق أو صوت أو هوية خاصة ؟

هل النسق الخاص، أو أحادية الصوت، وحدانية الذات قادرة على الاحتفاظ برائحته وألوانه الخاصة من أن تفوح وتنتشر من كهف الخاص المظلم إلى فضاء العام؟

أعتقد ؛ أنه ليس هناك فصل بين الخاص العام والفصل بينهما خط وهمي يتموضع في الذهن فقط . هو خط نرسمه على رمل الشاطئ يعبث به ويمحوه الموج في كل لحظة.

- ولعله من هنا ظهر مفهوم (عولمة – محلية )(بالإنجليزية: Glocalization) وهو مفهوم ذُكر لأول مرة أواخر عام 1980 في مجلة (مراجعات هارفرد للأعمال ) .

ثم وفي مؤتمر" العولمة والثقافات المحلية عام 1997م " عُرف المفهوم من قبل المنظر الاجتماعي رولاند روبرتسون وعمّم هذا المصطلح المُركّب من : العالمية والمحلية ، ودمج  ومزج ما بين الهوية القومية المحلية مع العالمية.

وهنا يدّعي روبرتسون أن وجود (العولمة محلية) ليس بالضرورة  أن تلغي أو تقلل من ميزة الثقافة المحلية، إنّما هي حالة مكملة لطرفين. ومن الأمثلة على ذلك كما

يقول عالم الاجتماع الإعلامي الكرواتي باسكو  بيلك  أن كتابة المقالات في موسوعة  الويكيبيديا الحرة هو جانب مهم يعكس حالة (العولمة – محلية)، وذلك لتعدد اللغات ومشاركة نفس المواضيع باللغات المحلية.

ومثال أخر على هذه الهوية الجديدة ، أو المفهوم الجديد هو تطوّر فكرته في  الثقافة اليابانية بمعنى تذويب العالمي في المحلي.

ولذلك فأن التجربة اليابانية ؛ أو الثقافة المحلية اليابانية كنموذج مغرق في تقديس  الخصوصية والهوية  يمكن أن تزودنا بمفتاح هنا وهو : تحول مقولة  فكر عالميا وتصرف محليا إلى مقولة اكثر عملية وهي تذويب العالمي بالمحلي . ويمكن النظر إلى تجربة  الروائي الياباني هاروكي موراكامي كمثال على ذلك .

الرواية ملحمة العصر الحديث

- أعتقد أن الرواية وسيلة مهمة جدا ً لفهم عالمنا المعاصر الذي يتغير بتسارع يفوق قدرتنا على الإدراك.

- هناك شبه إجماع أن الرواية  لم تظهر على اعتبارها عملا لم يسبق له مثيل من قبل ، إلا في نهاية عصر النهضة (المرحلة الجنينية للعولمة )  في القرنين السادس والسابع عشر عصر تكون الدول القومية الموحدة في عصر ازدهار نظام الدولة ونضجه وتقهقر الأدب الملحمي البطولي إلى شكل أخر اكثر تطورا في التاريخ إلى الدراما والرواية . في هذه المرحلة من نشوء العولمة خرجت انشغالات الفرد من الذاتي الخاص إلى فضاءات العام الذي توسع بفعل تسارع التطور التكنولوجي  

- وفي الواقع يشكل تطور الرواية التاريخي من النوفيلات الإيطالية والفابلو الفرنسية والشفانك الألمانية مثالا على التحولات والتطورات ودخول  أشكال وصور و اتجاهات وظواهر جديدة . مثل تحرر البشر من ضغوط المكان والزمان "وخرجت القوقعة من صدفتها" وبدأ يظهر نوع من الأدب والقصص يتحدث عن التجارب الذاتية في العمل والسفر والتجوال متحرر من ضغوط المركز الزمان والمكان و والهوية والخصوصية.

- إن فهم سيرورة العولمة كعملية متسارعة  لتخطي الزمكان و مغادرة المركز المحيط دائرة الشخص يعني  أشياء كثيرة منها قيم جديدة ومعارف وصور جديدة  وحفر حماسي غير مقيد بمخططات هندسية بإزميل التاريخ في جدران المكان والزمان وهي تذكر بإرهاصات الرواية الحديثة في أوروبا بعد اختراع الطباعة الحديثة على يد جوتنبيرج 1439م من خلال نماذج رحلات البطل الشعبي تيل إيلينشبيكل الألماني طبع في المانيا 1515م تحت اسم (قراءة مسلية حول تيل إيلينشبيكل المولود في براونشفيغ)  ، وبيرتولدو الإيطالي ، وبيدرو دي أورديمالس ، ولاساريلو في إسبانيا ،  وفي عام 1554م  ظهر كتاب لمؤلف إسباني مجهول بعنوان ( حياة لاساريلو من توميس ) حول تطواف الفتى لاساريلو الذي كان يقود رجل اعمى .وهذه نماذج بسيطة لتكون وتشكل الأقاصيص في الوعي الشعبي ، وهو ما أدى في النهاية إلى تشتت  الصور، و الأصوات الخاصة ،  والذوات،  والهويات وانفتاحها وتطور الخطاب وانساقه واتساعه لفهم تغيرات العالم .

ولذلك ظهرت نظرية " تعدد الأصوات " التي دحض بها المنظر اللغوي  الفرنسي أزوالد ديكرو 1930- م  التصور الذي كان سائد حول وحدانية الذات المتكلمّة .

ثم جاء المنظر اللغوي الروسي ميخائيل باختين 1895-1975م  ورفض مبدأ "أحادية الصوت " الذي بين أن ابرز ما يميز الرواية الحديثة هو تلك الأساليب المختلفة واللغات والأصوات المتعددة التي يسعى الروائي إلى التأليف بينها وان الرواية يمكن أن يتخللها أجناس أخرى كالشعر والأمثال الشعبية .  

- ولذلك يمكن القول بأن  ملاحم الفردوس المفقود 1667م (جون ملتون) والكوميديا الإلهية (لدانتي ) كانت  آخر نموذج من حيث الزمن للأدب الملحمي الحقيقي في أوروبا هذا الأدب الذي وجد على حدود عصرين تاريخيين - عالميين عامين . لكنه يبقى العالم الذي تشكلت فيه الأشكال الجنينية للعولمة .

وفي الرواية كما يقول هيجل " يبرز من جديد بصورة تامة غنى وتنوع الاهتمامات ، والأمزجة ، والشخصيات ، والعلاقات الحياتية والخلفية الواسعة للعالم المتكامل".

إن الذكريات الملحمية والإرث الملحمي يشرعان بإخلاء الطريق أمام الخبرة الشخصية والتجربة الفريدة وهنا تظهر الصورة الروائية للإنسان وهو يلج طور أخر من نشوء  الرواية الحديثة و العولمة .

باختصار أصبح الروائي لا يتأمل العالم "فقط بل يتغلغل بجرأة فيه، ويتحسسه بيديه ويلج الأبواب الغريبة بلا وجل عالم خال من السحرة والتنانين والوحوش والجبابرة بل ناس عاديين وقوانين عالم تعاد صياغته وتشكليه بأدوات جديدة متطورة ومعاصرة . "عالم جديد وشجاع".

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق