الشاعر العراقي عبد الزهرة زكي: نسير أحياءً وراء جثمان منطقة بأسرها
02 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

الشاعر العراقي عبد الزهرة زكي – (ذوات)
حاوره: موسى برهومة *

يرصد الشاعر العراقي عبد الزهرة زكي في هذا الحوار فظاعات الصمت والموت في العراق، ويؤرخ للحظة تحاول أن تضاهي الحياة، أو تلتقط نبضها الذي تزهقه المتفجرات كل لحظة. يقول: اليوم جميعنا نسير (أحياءً) وراء جثمان منطقة بأسرها.

ويقرّ، وهو العاكف على أدبه ومشاغله الإبداعية، بأنه ليس مستطاع القصيدة، ولا أي تعبير أدبي أو فني، مجابهة استباحة الدم. فالدماء تسيل بموجب إرادات مختلفة تفشل في التفاهم بالكلام، أو لا تريد الكلامَ وسيلةً للتفاهم، فتحسم صراعاتها بالدم.

ولد عبد الزهرة في العراق 1955، وما زال مقيماً فيها ويرفض مغادرتها.

صدرت له الدواوين الشعرية (اليد تكتشف/ بغداد 1993) و(كتاب الفردوس/ بغداد 1999) و(كتاب اليوم وكتاب الساحر/ رام الله ـ بيت الشعر الفلسطيني 2000) و(طغراء النور والماء/ دمشق بغداد 2007) و(شريط صامت/ بيروت بغداد 2011) و(حينما تمضي حراً/ بغداد 2015).

عمل في بغداد محرراً ثقافياً في جريدة الجمهورية، ثم مديراً لتحرير جريدة المدى، فرئيساً لتحرير جريدة الصباح، قبل أن يعتزل العمل الصحفي عام 2011.

يكتب الشعر والأدب، ويواصل كتابة مقال ثقافي أسبوعي في جريدة الصباح ببغداد.

"ذوات" التقته، فكان الحوار الآتي:

  • تكتب شعراً في زمن القتل والرصاص. هل تستطيع القصيدة مجابهة الدم، والانتصار على الموت؟

ــ لا، بالتأكيد، ليس بمستطاع القصيدة، ولا أي تعبير أدبي أو فني، مجابهة استباحة الدم. الدماء تسيل بموجب إرادات مختلفة تفشل في التفاهم بالكلام، أو لا تريد الكلامَ وسيلةً للتفاهم، فتحسم صراعاتها بالدم. في مثل هذه الأوضاع ما الذي يمكن لقصيدة أن تفعله لصالح المسعى الإنساني الطامح إلى إيقاف تيّار الدماء؟

أنا مضطرب كما لم أضطرب من قبل. من الصعب ايقاف تنامي اليأس من إمكانية إيقاف التدهور في الحياة العامة وليس إصلاحه

بالعكس من هذا، وهذه مفارقة سوداء، فإن المشكلة هي أن تاريخ شعرنا العربي، مثلاً، قدّم الكثير من البراهين الشعرية على أن الشعر نفسه يمكن أن يكون هو من دواعي سفك الدم، يمكن أن يُستَغل، مرةً كدليل إثبات ضد شاعرٍ يُراد هدر دمه، كما حصل للمتنبي ولصالح بن عبدالقدوس، فكل منهما قُتِل، كما تفيد الروايات، بمقتضى قصيدة (قالها المتنبي) وحتى مجرد بيت شعري ( قاله عبدالقدوس). في حالتَي الشاعرين كانت إرادة قتلهما متوفرة مسبقاً، وكان للشعر أن يُستَخدم ذريعةً لتبرير الجريمتين وتسويغهما، مِثل أبي الطيب وصالح كثيرون قضوا باستخدام شعرهم ضدهم، أعتقد أن كتاباً معاصراً بات لدينا جمع هؤلاء الضحايا وقصص مقاتلهم وصدر قبل سنوات، يؤسفني عدم تذكّر مؤلفه. لكن كثيراً ما استُغلّ الشعرُ، مرةً أخرى، كوسيلة للحضّ على القتل والتكريه ولتمجيد سفك الدم، ومن هذا كثيرٌ من الشعر في ماضينا وحاضرنا وحتى في شعر ثقافات أخرى. تجربتي جندياً في الحرب تفيد بأن أعظم القصائد المحفّزة من أجل الحروب كانت تُواجَه مباشرةً من قبل الجنود بتغيير مؤشر المذياع إلى إذاعة ثانيةٍ كلما كان في الإذاعة الأولى شاعر يزعق من أجل الحرب والتكريه.

الشعر يعجز عن مثل تلك المهمة النبيلة، مهمة مواجهة انتهاك حرمة الدم. في ثقافتنا وتقاليدنا الكثير من النصوص والتعابير عن هذه الحرمة، وهي نصوص وتعابير لها من قوة التقديس في المجتمع ما لا يتوفر للشعر والأدب، برغم هذا لم يتوقف اللجوء إلى العنف والقتل لحسم الاختلافات وتهذيب تعايش المصالح. الدم ظل دائماً الوسيلة الأقرب لحسم الاختلافات وفرض الرأي وطغيان القوة.

القصائد، ونصوص الأدب والفن الأخرى أيضاً، التي كتبت على مدار حياة الحروب والقتل للتعبير عن الاشمئزاز من فكرة ووقائع سلب الحياة لا أحسب أنها كُتبت بدافع حقيقي مباشر كان يريد إيقاف حروب أو منع قتل. حين تندلع الحرب أو تتقرر إرادة القتل، فإن الشعر هو الأضعف في محاولة منع ذلك.

الشعر الذي يُكتَب في سياق رفض الحرب والقتل هو تعبير وجداني منفعل بظروفِ حدثٍ دموي. ليس للشاعر من خيار في هذا؛ ليس بوسعه التمنّع على انفعال وجداني، ومن ثمَّ الكتابة عنه. يكتب الشاعر ليدين أكثر مما يطمح إلى دور فعلي يؤدي إلى إسكات شهوات القتل ونشوة الانتصار على دماء الخصم.

ربما أسهم تراكم نصوص الشعر والأدب والفن في تهذيب القيم الإنسانية في الذات البشرية، وساعد في تمدينِ سلوكِ الإنسان والنأيِ به عن الطبيعة الوحشية التي يُرَدُّ إليها دافع الاقتتال والحروب. حياتنا، كبشر، ماكان لها أن تُحتَمل من دون هذه الفنون، مهما اختلفت أقيامها.

شخصياً، حين بدأت أولى محاولاتي في الشعر، وحتى قبلها وبعدها بسنوات، لم يكن ليدور في خلدي ولو للحظة، أن أكتب يوماً عن حياةٍ ستعاش في ظل حرب، أن أكتب عن وقائع دموية لم أتخيّل أساساً أني سأكون قريباً منها أو في أتونها، وأنّي، والمجتمع الذي أحيا فيه، يمكن أن نتعايش معها وتصير بعضاً من تفاصيل حياتي اليومية، تفاصيل متوقعة في كل حين. لكن بعد تلك البدايات بسنوات قليلة بدأت الحرب، وحتى في السنوات الثماني التي قضيتُها جندياً في تلك الحرب العراقية الإيرانية لم استطع، ولم أحاول مجرد محاولة، الكتابةَ مباشرة من وحي تلك التجربة القاسية. كنت لثماني سنوات في موقع حربي متقدم؛ كان الموت متوقعاً في كل حين، في كل مرة أودّع فيها عائلتي متوجهاً إلى الحرب، فإن الفكرة الأولى التي تحضر في لحظات الوداع هي فكرة واحدة لا سواها: أن هذا الوداع سيكون الأخير. هذا انفعال وتحسّب إنساني ليس بوسع المرء تفاديه وعدم الانشغال به، لكني كنت في كل مرة أودّع العائلة أنوّه وأُخادع من أودّعهم بأني ماضٍ بسفر وواجب طبيعيين، ما كان ينبغي أن أقلقهم بهذا التمزق الذي يعتمل في أعماقي. أمضي إلى الحرب، وكلّ ما أحلم به وأعمل من أجله هو الحفاظ على الحياة؛ أن لا أُقتَل، وأن لا أقتُل. أيُّ سبيل إلى الشعر في حياة وتمزقات كهذه؟ الحياة أهمّ من الشعر. لم أكتب شيئاً يذكر آنذاك. كان التفكيرُ بهدر الوقت من أجل السلام أهمّ بكثير من هدر كرامة الشعر بعمل غير جاد. ويبدو أن تلك السنوات الثماني كانت تمريناً باهظَ الثمن وطويلَ المدى للشعر، ليتكيَّف على الحياة والعمل في ظل الموت الذي ظل يختبئ في تضاعيف سنوات مقبلة حين فوجئنا بأن حرب الثماني لم تنته، وإنما توقفت لتعاود الظهور في جبهات ومواقع أخرى من حياتنا تحت ظل الحصار حيناً وتحت حربين أخريين حيناً آخر، لننتهي إلى عنفٍ، هو الأبشع من الحروب الثلاثة كلها، وما زال مستمراً..

  • ترصد وقائع القتل والمفخخات في مجموعتك "شريط صامت" بأقصى ما استطعت من حياد. كيف تمكَّنت من هذه القوة المذهلة؟

ــ كانت أسوأ سنوات العنف في العراق هي ما بين 2004 و2007. وخلال هذه السنوات كثيراً ما كنتُ قريباً من وقائع ومشاهد عنف كانت تستهدف آخرين. كان من سوء الحظ أن أكون قريباً من تلك البشاعات، لكن في مرات أخرى كنت أنا أيضاً كشخص أنجو بأقدار سعيدة من حوادث تفجير ومن رصاص، لا أدري ما إذا كان طائشاً أم مُستهدِفاً. كان طريقي إلى عملي اليومي الصحفي يمرّ بأتعس أنحاء وشوارع بغداد من حيث ما تعرضتْ له من اعتداءات وأعمال عنف شبه يومية. فيما كان الطريق السريع (أوتوستراد) محمد القاسم (وهو قائد وفاتح عربي معروف) شارعاً رئيساً استخدمه بتنقلي، لقد كان الممر الذي يمكن أن أصادف فيه كلَّ يوم أكثر من شاحنة مكشوفة وقد تدلّت من جانبيها أطراف قتلى تكدست جثامينهم في حوضها. تأتي الشاحنات من مختلف أنحاء بغداد لتمضي من هناك إلى (الطب العدلي) لترمي بالجثث في برّاداته، فيما كانت الشاحنات تخلف وراءها خيطاً من الدم أحمر على طول ذلك الطريق، الذي سمّي حينها بطريق الموت. كان من العار أن تشعر أنك تمضي في عربة لا خيار أمامها، وهي تواصل سيرَها بهستيريا، سوى أن تدوس على دماء بشر، على ذلك الخيط الدموي الذي كانت تخلّفه شاحناتُ نقل القتلى.

في هذا التنقّل اليومي المأساوي في شوارع بغداد وضواحيها كان الصمت هو المنفى الوحيد الممكن من هذه الفظاعات؛ عينان تظلان مفتوحتين على وسعهما في مواجهة البشاعة وفم يطبق على صرخته ووجدان يتحطم.

في أعقاب هذه السنوات بدأت بكتابة ديوان (شريط صامت) وهو " قصائد عن الرصاص والدم والسيارات المفخخة"، كما يقول عنوانه الشارح. وجدت، وأنا أكتب أولى قصائد الديوان، أنّي أريد القبضَ على الموت بهذه القصائد، على مشاهده التي وقفتُ عليها في مدينتي التي لم أتخيل يوماً، كما ذكرت، أن تكون بهذا الوضع. ما أكثر المرات التي تبدّت فيها بغداد لي امرأةً أمّاً تقف بأسمال بالية وبشَعر محلول تضمّخ بالتراب والطين وبعينين فاغرتين على مشاهد مقاتل أبنائها. تكفّ الأمّ عن النحيب والصراخ، ليس لها سوى أن تجول بالبصر في انتظار ابنٍ آخر لا تدري متى ستمر جثته من أمامها.

كانت القصائد، وكان الديوان، يريدان فقط الوصول إلى حال بغداد الأم شاردة الذهن وسط هذه المقتلة العظيمة. لقد وجدت أن من غير المناسب، صدقاً وواقعيةً، أن أستعيد تلك النبرات المتكررة كثيراً في الشعر، والتي تصرخ وتدين وتشتم الحرب والقتل. أغلب تلك القصائد الشاتمة والصارخة والنادبة هي قصائد كتبها شعراء كانوا بعيدين عن لحظة القتل والحرب بمآسيها وأهوالها، فيما أنا أكتب وأستعيد عشرات من مشاهد القتل والتفجير والخطف التي حصلت أمامي، كان الصمت هو كلّ ما كانت تخلفه الجرائم والمآىسي. وسأكون حقيقياً، هكذا رأيت، كلما اقتربت من ذلك الصمت، من حال الأم، في القصائد التي أريد كتابتها، والتي تريد القبض على الموت. كان يكفي للقصيدة أن تدوّن الموت والخوف لتظفر بإدانتها للحرب، لا تحتاج مثل هذه الإدانة للصوت العالي، للصراخ والشتائم. القصيدة التي تقول عن الحرب إنها بشعة وظالمة ليست بقصيدة. في هذا الديوان حرصت على أن تكون حالة الموت والخطف هي ما يدين الحرب، وكان هذا يتطلب زاوية نظر خاصة بكل قصيدة لتتبرر معها شعريتُها. كانت الكتابة أشبه بكاميرا سينمائية تمرّ على مشهد جريمة، من بعدما تُنفّذ الجريمة، تمرّ الكاميرا بلا موسيقى جنائزية وبلا أية مؤثرات صوتية ومن دون أي تعليق. التعليقُ أمام مرأى الضحية والدم المراق هو شيء من بطرٍ في غير أوانه. القتل وحده يكفي ليدين القتل.

لدينا شعراء وكتّاب يفضلون النأي بأنفسهم عما تفعله السياسة بالبلدان وبالناس. هذه بعض خيارات الحرية المتاحة

لم تتخلَ القصائد عن الندب المتوقع، بمناسبة كهذه، وعن صراخه حسب، لقد تخلت أيضاً حتى عن البلاغة التقليدية للشعر، المشهد وحده يكفي. لست معنياً بأية دوافع أيديولوجية، ما قيمة مثل هذه الدوافع أمام انسحاق الكرامة الإنسانية واندحار الحياة. صراخ مثل هذه القصائد التي كنت أكتبها كان أقرب إلى الصرخة التي ظلت متواريةً في الداخل من فمي المطبق حين المرور بالجثث ومآسيها. كنتُ هناك فقط أحدق بعينين مفتوحتين على وسعهما، وكانت قصائد ديوان (شريط صامت) هي تلك الرؤية والمرئيات التي ما زالت تحتفظ بها العينان. إنه في كل حال (شريطٌ صامت)!

  • (شريط صامت) صدر منذ سنوات، هل عدت بعده للكتابة عن حالات العنف..؟ العنف ما زال مستمراً..

ــ نعم، بين حين وآخر، وكلما انفعل تحت وطأة انتكاس أمني يذهب ضحيته العشرات والمئات، أجدني أعود إلى هذه الموضوعات، صار ديوان آخر إنما تختلف فيه التقنيات وقد تغيرت معها الموضوعات، لم أفكّر بطبعه حتى الآن.. ضقت مؤخراً بكل هذا، الشعر أوسع من أن يكرّس لاهتمام معين مهما كان مؤثراً ومحفزاً. أفكّر بوجوب إحداث تغيير ما في حياتي أو نوع اهتماماتي.

  • ولكنك تقيم في بغداد، كأنك تتحدى العدم. ألم تفكر في الرحيل إلى أوروبا، مثلاً، والانسلاخ عن ماضٍ وحاضر لا يعداك إلا بصور الفانين؟

    ــ حسناً، أذكر يا صديقي، وقد تذكر معي أننا التقينا في عمان أكثر من مرة خلال التسعينيات. كانت الطريق سالكة، حينذاك، إلى أوروبا، بالنسبة للمثقفين وغير المثقفين العراقيين. لكني كنت بعد كل زيارة أجدني عائداً إلى بغداد. كنت ولم أزل بعيداً عن العمل السياسي، استقلاليتي قرينة حريتي، لا مشكلة لي مع أي طرف يمكن أن يقود البلد بما يخدم مصالح الناس وحرياتهم وأمنهم وتقدم البلد واستقلاله. هذا الموقف واضح للسلطات، سابقاً والآن، وهو ما يخفّف شيئاً ما من ردود الأفعال والضغوط المتوقعة. السلطة تخشى في العادة ممن يفكر بالتنافس على السلطة. هذه عوامل مساعدة على البقاء، دافع البقاء الأساس هو تعلق بمدينة أحبها، وبحياة أشعر أني جزء من دواعي أخطائها وصوابها.

بهذا الوضع لم أكن أجد من داعٍ لسفري.. أحترم خيارات الآخرين بالهجرة والتغرّب والنفي الاختياري سواء سابقاً أو الآن؛ من غير المعقول أن يزايد المرء على وطنية آخرين سواه لمجرد أنهم يفكرون بطرق ووسائل أخرى غير ما يفكر به. بقائي في البلد هو حاجة إنسانية أكثر مما هو موقف. سافرت مرات كثيرة إلى أوروبا، وكان ممكناً لي البقاء والتوفّر على دواعي البقاء، لكن في المرتين الأخيرتين،في الأقل، لسفري كنت أقطع إجازتي وأتحمّل خسائر تغيير الرحلة وأعود إلى بغداد. لا أستطيع أن أكون بعيداً عن عائلتي وحياتي في مدينتي التي عشت فيها منذ العاشرة من عمري. الآن ومع تقدم العمر بدأت الدائرة تضيق شيئاً فشيئاً، وقتي كلّه هو في مكتبي ببيتي ولا شاغل أساس سوى القراءة والكتابة والتمتع حيناً بالموسيقى والسينما وحيناً بالاستغراق مع الأحفاد. في الأعوام الثلاثة الأخيرة استجدت ساعة يومية لرياضة المشي، تحت وطأة ظروف صحية تطلبت تلك الساعة، أعاني كثيراً في بغداد من أجل الظفر بساعة مريحة لتلك الرياضة بخلاف ما أكون عليه حين أسافر.

لا أخفي أني أتضايق وأتبرّم معظم الأحيان. في كل مرة أعود فيها من سفر يكون الأسبوع الأول أسبوعا لتعكر المزاج وتحديات المقارنة بين الهنا والهناك.. ومعظم الأحيان أندم على تضييع فرص الانتقال إلى المكان الآخر والتمتع بالحياة والحرية فيه، لكن دائماً لا أسهلَ من أن نخلق لأنفسنا الذرائع التي تسوّغ ما نحن فيه، لا أسهل من اختلاق مبررات تجعل من البقاء في بغداد خياراً واضطراراً في الوقت ذاته.

ربما أغادر، وآمل أن لا تكون الدوافع الصحية سبباً لتلك المغادرة المتوقعة والتي أتوقع لها أن لا تحصل.

  • هذه إجابة مضطربة بين (نعم) و(لا)..

ــ صحيح، أنا مؤخراً مضطرب كما لم أضطرب من قبل. من الصعب ايقاف تنامي اليأس، اليأس من إمكانية إيقاف التدهور في الحياة العامة وليس إصلاحه. نحتاج إلى طاقة المعجزات لنتفاءل بمستقبل لهذه الحياة ليس في العراق حسب، وإنما في عموم منطقة المشرق العربي. لا أجد مبرراً أن لا يصدم المثقفون العرب مواطنيهم بمثل هذا اليأس.

  • تردد عبارة الشاعر النمساوي غريلبارتستر "أسير وراء جثماني وأنا حيّ". هل هي سوريالية من نوع ما. أم أنها المأساة العراقية الواقعية التي هزمت الفانتازيا؟!

    ــ آآآآ.. هذه جملة شعرية لا أذكر أين كنت قرأتها حينما كنت أكتب قصائد (شريط صامت). لحظتَها فتنتني قدرتُها على التعبير عمّا كانت أعانيه، واقعاً كان معظم العراقيين في تلك المحنة يرزحون تحت وطأة الشعور ذاته؛ كل امرئ تتبدى له صورته سائراً خلف نعشه.

أحياناً يكون الواقع أشدَّ غرابةً من الفانتازيا. وإلا ما معنى أن تجتاز كل يوم المسافة التي لا تتجاوز مئتي متر بين ساحة الطيران وساحة التحرير في قلب بغداد فيما في الأمس وما قبل الأمس وما قبلهما كان هذا المكانُ ضحيةَ تفجيرات لا يُتوقع لها أن تتوقّف؟ ما معنى أن يخترق صاروخ حائط الجريدة التي تعمل فيها ليمرّ بمسافة متر أسفل مكان جلوسك..؟ كان قدراً أن تكون في مطعم قريب لتناول وجبة الغداء، تسمع صوت الصاروخ في بناية الجريدة، تنفضّ عن المائدة وتهرول لتجد مكانك حطاماً وتراباً. تطمئن على زميل جريح وتنشغل بالبحث عن مكان لتواصل العمل؛ يجب أن تصدر الجريدة غداً، لا ينبغي لإرادة الإرهاب أن توقف الحياة. الحياة باتت تستمر بالمصادفات فيما الموت هو النظام الطبيعي.

هذه فانتازيا لا أعرف كيف أبدى معها العراقيون هذا القدر الفظيع من الجَلَد ليلتمسوا سبيلاً ولو إلى أوهى خيطٍ ليمسكوا به من أجل الحياة والمستقبل. لم يمسك العراقيون خيطاً لكنهم ظلوا قابضين على جمر.

تلك الجملة الشعرية النمساوية أردتُ أن أزجي لها ولشاعرها بما يمكن أن يعبّر عن تقدير حسن جميلهما فوضعتها كتوطئة في واحد من فصول الديوان. حسناً إنك تتذكرها وتذكرني بها.

اليوم جميعنا نسير (أحياءً) وراء جثمان منطقة بأسرها.

  • في مجموعتك "طغراء النور والماء"، وهي سبقت "شريط صامت"، تفيض لغتك بحالات حب صافية، تتجلى في رقّة اللغة وهدوئها.. هل تكتب تحت وقع اللحظة، واستجابة لإيقاعها. بمعنى هل للحرب إيقاعها، وللحب كذلك. أم أنهما يتبادلان المواقع في اللحظة ذاتها أحياناً؟

    ــ في "طغراء النور والماء" كنت بمواجهةٍ مع عملي الشعري كما أتمناه في حياة طبيعية. كلنا نتمنى شيئاً في ما نعمل ونكتب بينما الظروف لها أثرها الذي لا يمكن إلغاؤه بمجرد قرار ورغبة. الشعراء ليسوا نباتات في بيوت زجاجية يُسَهَّل لهم فيها كل ما يناسب النموَّ الطبيعي. شخصية الشاعر تنمو باتجاهين؛ اتجاه تحكمه الحياة والثقافة والمجتمع، فيما هناك اتجاه آخر يصرّ الشاعر على أن يكون هو مُنتِجُه وخالقه. يتغلب أحد الاتجاهين ويتراجع آخر وقد يتوازنان بموجب طبيعة التوازن بين الإرادة والظروف، ليست هناك تجارب قياسية ثابتة ولا حياد عنها. الاضطراب اللا مرئي في أعماق الشاعر هو الناتج الأخير لكل هذا، والشعر هو نتاج هذا الاضطراب الأخير. قلت قبل قليل إني لم أكن أتخيل يوماً أن أكتب شعراً عن حرب وعنف وقتل وعن الحياة تحت كوابيس هذه الحياة اللا إنسانية، لكن واقع الحال أني كتبت ما هو أساسي في تجربتي وكان شعراً معنياً بتلك الاهتمامات. بينما "طغراء النور والماء" هو عمل الروح في لحظات تساميها ونأيِها عن كلّ هذا الخراب والحطام. أحياناً يكون الشعر شكلاً من أشكال النفي، وهكذا هو الحال مع "طغراء النور والماء" في مطلع الألفينيات، وقبله كان ديوانا "كتاب الفردوس" و "كتاب الساحر" في أواخر التسعينيات، هذه دواوين منفى الروح. لكن في أحيان أخرى يكون الشعر شكلاً من التصادم المباشر مع العالم والوقائع، وهذا ما حصل في ديوان "شريط صامت" وقبله ديوان "كتاب اليوم" المنجز في منتصف التسعينيات تحت وطأة الحصار والجوع وانعدام الحرية، قصائد هذين الديوانين هي الشاعر على الأرض.

كانت الطائفية تنمو وتتفاقم تحت قشرة خفيفة هرأتها (الغلواء الدموية) الأخيرة، فاندفعت الشرور كلها دفعة واحدة

ليس هناك ما يلزم الشاعر ويوقفه عند (اهتمام) دون سواه. يكتب الشاعر كلما انفعل وجدانه سواء بحافز واقعي يومي أو بآخر رؤيوي وجودي.. قلت مرة، إن ما يقرر شعرية الشعر هو كيف يكون المقول شعراً وليس ماذا نقول. مع كل موضوع تتغير اللغة وتتغير وسائل والتماسات التعبير باللغة. الشاعر لا يخطط لتبادل محتمل في الأدوار بحالة كهذه، والشعر هو أيضاً لا ينقل معه تقنياته وخبراته من مجال كان فيه إلى آخر صار عليه. التجربة النصية هي ما تقترح كل هذا، ونجاح وفشل الشاعر في عمله مرهون بمدى الحرية التي تتمتع بها أية تجربة نصية يكون فيها.

  • نبهتني إلى ديوان "كتاب اليوم" وأعتقد أنه صدر أواخر التسعينيات عن بيت الشعر في رام الله.. ماذا فعلت بـ (هذا خبز) القصيدة الأساسية في هذا الديوان، والتي وصفها نقّاد عراقيون معتَبرون بـ (أسطورة الحصار والجوع)؟

    ــ أتحدث معك بكل صدق؛ لم يكن باهتمامي وأنا أكتب (هذا خبز) أن تكون قصيدة. إطلاقاً لم أفكر بهذا.

كنت أكتب تحت وطأة حاجة عائلية فعلية للخبز في أتعس سنوات الحصار، كان هذا في عام 1995. كان دافع الكتابة هو (الهروب)؛ عمل رجل لم يجد ما يعمله للوصول إلى حل سوى أن يكتب، كنت فقط أريد أن أكتب، حيث لم يكن بمستطاعي ما أفعله من أجل الخبز. هكذا وجدتني، في لحظة كتابة غير مخطط لها وغير متوقعة، أستعيد تجربة الشاعر الرافديني القديم وغرضه من الكتابة والتأليف الشعري، كانت تفاصيل يومي هي المنطلق لاستعادة خبرة شعراء سومر القديمة. كنتُ بهذا أستعيد آليات وتقنيات وأساطير ذلك التراث الشعري الرافديني. كانت كتابةً حرة في موضوعها ورؤيتها وأسلوبها. لم أنتبه إلى أنها قصيدة إلا بعدما فرغت منها وتخففت بعد ساعات من الصداع الذي خلّفه عناء كتابتها وبعدما عدت إليها. ترددت طويلاً، لأسباب لا صلة لها بالشعر، قبل أن أنشرها في جريدة (الجمهورية) ببغداد وينشرها الصديق الشاعر أمجد ناصر في (القدس العربي) بلندن.

بعض النقاد، كما تفضلت، وجد فيها تجربة في خلق أُسطورة معاصرة، فوُصِفت على أنها أسطورة الجوع، إنما في نهايات القرن العشرين وليس في زمن الأساطير.

هل كنا نحتاج إلى أن نجوع لنكتب؟

  • كثيرٌ من المثقفين داهمهم اليأس من أحوال العراق فانفضّوا عن الشأن العام، ومضوا إلى العزلة والصمت. ما الذي يجعل من المثقف أو الشاعر مقاوِماً؟

    ــ أحيانا كثيرة تكون العزلة والصمت شكلاً من أشكال المقاومة، في الأقل التمنع على الانسياق مع تيار الاندحار العام.

قلت (أحياناً كثيرة) ولم أفضل القول (دائماً)، فالعزلة والصمت عما يجري يكونان أو لا يكونان منتجين بموجب ما ينتجه العزلة والصمت.

أفضّل، لو سمحت، أن نركّز هنا على دور الشاعر وليس المثقف بشكل عام لتفادي تشعّب الحديث بأكثر مما تسمح به هذه مناسبة هذا الحوار.

  • نعم، تفضل..

ــ الشاعر بشكل أساس هو منتج شعر. الاحتكاك بالعالم خارج إطار الفعالية الشعرية هو عمل آخر مضاف لدور الشاعر، كمثقف ومواطن وإنسان. لدينا تاريخ طويل منح فيه الشعراءُ أنفسَهم أدواراً مهمة، بالشعر وسواه، في حركة المجتمعات التي عاشوا فيها. في بدايات التشكّل الأول للدولة العراقية مطلع القرن العشرين نلاحظ مثلاً أن القيمة الإيجابية الأكثر وضوحاً في حياة شاعرين مثل معروف الرصافي وجميل صدقي الزهاوي لم تتأتَ لهما من عمليهما في الشعر، وإنما بأدوارهما الأخرى، كمثقّفَين، في مجالات الكتابة الفكرية وفي نشاطهما في الحراك الحاصل في تلك السنوات. لكن الرصافي اختار أخيراً عزلته ليموت فيها بعد معاناة مريرة. فيما كانت لنا في الحياة المعاصرة تجربة شاعر كبير مثل محمود البريكان الذي اختار مبكراً العزلة، فكانت عزلته خلّاقة ومنتجة شعرياً. البريكان هو واحد من مسارات التحديث الشعري وقد أطاحت به عزلته؛ لقد قُتل في معتزله بجريمة بشعة، وكان المؤسف أن يغيب جانب كبير من تراث شعري وفكري لهذا الرائد بحادث مقتله الغامض.

لدينا، وفي بلدان عربية أخرى، شعراء وكتّاب يفضلون النأي بأنفسهم عما تفعله السياسة بالبلدان وبالناس.. هذه بعض خيارات الحرية المتاحة، أو التي ينبغي أن تتاح للجميع ما لم يكن هذا النأي نتاجاً لقمع أو لخوف.

ليس هناك من أدوار حتمية لا بد للشاعر، وحتى عموم الكتّاب، من القيام بها. أحياناً لا نكتفي بأن تكون السلطة مصدراً لقلق وابتزاز الشاعر والمثقف، فما أكثر ما تكون المعارَضات هي أيضاً مصدراً للتهديد وابتزاز الشعراء والمثقفين حين لا تحترم خيارات من يختارون العزلة والنأي بأنفسهم وبعملهم عن السياسة.

كثيراً ما أعود إلى ستيفان زفايج في كتابه (عالم الأمس). أعود إليه هنا، فهو مفيد في حديثه عن (فاعلية) الشعراء والكتّاب في بلده، سلباً وإيجاباً، في الحرب العالمية، حيث يمرّ على (صمت) ريلكه إزاء ما كان يحصل. تقرأ زفايج وتستطيع أن تتلمس حساسية وحرج زفايج البالغ في صياغة عباراته بما لا يسيئ لريلكه ويحرجه وبما يؤكد احترام حريته في خياره.

الشاعر الحر لا يخضع لابتزاز مهما كان مصدره.. في الأخير يظل الشاعر مسؤولاً عما يكتب وما يخلّف من أثر. الشاعر في الشعر.

  • تقول في مجموعة "حدائق الحياة اليومية":  "صنع شاعرٌ تمثالاً لوحش، ووضعه في حديقة أحلامه". أليس الوحش ملهماً أحياناً؟

ــ نعم، في الأقل كان ملهماً لي في هذه القصيدة. نحن نكتب نتيجة وجدان منفعل، كما قلت، الخوف هو أبرز نتائج التهديد ومن ثمّ فهو من دواعي الانفعال. ليس في الأدب فقط، وإنما حتى في كثير من الأديان، حيث تظل الثنائيات تعمل بقوة، فإن أحد طرفي هذه الثنائية هو الشرّ بتنوع تسمياته ومسمياته في الديانات المختلفة.

الوحش ملهِم بخوفه ولكن بما يمكن أن يبدّد سلطة الخوف. في أحيانٍ ينتج الخوفُ أدباً خائفاً، والأديب الذي ينجح في تسويغ خوفه أدبياً، وليس أخلاقياً، هو أيضاً منتج خلاق لانفعال إنساني طبيعي. الأدب، كما الشعر، وكما قلت، هو كيفيّة: كيف يقنعنا نصٌ ما أنه نص شعر أو أي أدب آخر.

  • الطائفية تدمّر العراق والشرق الأوسط. ما دور المثقف في التخفيف من غلوائها الدموية. وكيف أمكن للسياسي أن يهزم المثقف في هذه المعركة المصيرية؟

  ــ في هذا المجال تنبغي توسعة قاعدة المثقفين لتنطلق من المعلمين وأساتذة الجامعات. من دون حيوية هذه المؤسسات التربوية والتعليمية وتنظيف مناهجها ودروسها وأبحاثها من أسر الفكر الطائفي، لا يمكن التفاؤل بسرعة الانتهاء من هذه الحقبة التي تندفع إليها بلدان كثيرة في المنطقة بشراهة غريبة. واقعاً كانت الطائفية تنمو وتتفاقم تحت قشرة خفيفة هرأتها (الغلواء الدموية) الأخيرة، فاندفعت الشرور كلها دفعة واحدة. ما كان يجب للجامعات والجوامع أن تنتظر مسيل الدم لنعود ونفكّر بهذا الوحش الذي ربيناه ليزدرد كل شيء.

لكن هل فعلاً نحن نشعر بالقلق من هذا الوحش المنفلت؟

يجب أن لا نكتفي عند حدود مسؤولية المثقفين حين نريد حصرهم بالأدباء والكتّاب والصحفيين، وهم عادةً ما يكونون المطفأة الأقل فاعلية بمثل هذه المحرقة.. كلّ ما يمكن أن يقدِّمه هؤلاء هو حثّ الحكومات ومغذّي الفتن على الشعور بمسؤولياتهم تجاه المصير الذين يدفعون بنا وبالحياة إليه.

لكن السياسيين في المنطقة لا يمكن جمعهم بخانة واحدة تقابل خانة واحدة جامعة لمثقفي المنطقة. هناك مثقفون لم يترددوا، مع الأسف، في أن يكونوا طرفاً متموضعاً في أحد الخندقين المتقابلين.

المثقف يقدّم المثال؛ ما لم يقدّر المثقفون العرب مسؤولية هذا اللحظة التاريخية الحرجة، وما لم يكونوا حريصين على صيانة مثالهم لمواطنيهم، بترفعه على التمزقات المتنامية، فإنهم يكونون جزءاً من المشكلة التي تستعر. بعضنا مع الأسف ارتضى لعمله الثقافي أن يكون بعضاً من حطب المحرقة.

لم تكن طوائفنا نتاجاً لهذه العقود.. أسلافنا تركوا لنا هذه التعددية في التفكير والاعتقاد والتمذهب منذ قرون، لكن هذه العقود حفظت لنا أمثلة على حسن التعايش أكثر مما قدمته من براهين على التناحر. كانت هناك مشكلات بين السلطات وبين المختلفين لكن ما كان لهذه المشكلات ولا للمتصارعين، من سلطات وخصوم، أن يمرروها للقاع الاجتماعي.

الآن نحن في مناخ إقليميٍّ مسعور بالتكاره، ومشحون برغبات دحر الآخر.. ليس من علامات جادة على رغبات حقيقية وإجراءات عملية لوقف هذا التدهور. هذا هو الأخطر.

التدهور لا يتوقف بإمعان النظر في الآخر المختلف والبحث فيه عن موضعِ مقتلِهِ.. التدهور لا يتوقف إلا في أن ينظر كلٌّ منا إلى دواخله هو لتنظيفها من هذا الوسخ وهذه الكراهية.

يجب أن نتفق جميعاً على أن يرى كلٌّ منا ما فيه من الخطأ الكثير، وأن يؤمن أن لدى الآخر من الصواب الكثير. هذا اتفاق أتمنى أن نبلغه بهداية العقل لا بآلام الاحتراب. هذه هي لحظة الانسجام التي تدفع بجامعاتنا وجوامعنا لتدارك الحال بدلاً من تغذية الفتنة. الحلول هناك، وقبلها هي في كواليس السياسة والسلطات.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق