الشاعر والناقد المغربي رشيد المومني لمجلة "ذوات": الشعر يرمم ما يخربه الوجود
06 يناير 2017 | 0 تعليق

حاوره: عبد السلام المساوي*

رشيد المومني شاعر مغربي خبر الحداثة الشعرية مبكرا، وشد الرحال إلى منطقة النص المفتوح على لانهائية تأويله منذ بواكيره. ظل وفياًّ لطريقته في ما أبدعه من نصوص شعرية، أو في ما كتبه من مقالات نقدية موازية طوال هذه المدة من عمره الشعري المعطاء، رغم ما تناوب من أحداث جِسام على جسد الوطن العربي، رافضاً أن يكون النص الشعري صدىً مباشرا لتلك الأحداث، مانحاً للقارئ مساحات واسعة للتجول في فضاءات النص وخمائله.

ولعل حرصه على مضاعفة النفث الدلالي في لغته الشعرية هو ما فتح له أفقاً آخر في وطء أرض التشكيل وتجريب أدواته فيها. لكن ثمة توجسا يجعل الشاعر دائما على صلة بنصوصه الشعرية، حتى وهو في أشد حالات التلبس بالتشكيل. إنه بعبارة أخرى لا يتوانى في إقامة عرس مستمر لزواج خاص، يقيمه بين نصوصه الشعرية ولوحاته الفنية؛ كأنه يهدي القارئ مزيدا من المفاتيح لقراءة نصوصه التي يعتبرها بعض الدارسين مبالِغة في الاحتفاء بالغموض، وهي مفاتيح تركز على البعد البصري الذي هو ديدن الشعراء في تشكيل مواقفهم ورؤاهم.

ما من تجربة شعرية، إلا وتكون محاطة بحدائقها السرية الخاصة بها، والتي قد تتسع، أو تضيق وفقا لطبيعتها وهويتها

أصدر الشاعر رشيد المومني منذ بداياته الشعرية في أوائل السبعينيات إلى اليوم مجموعة من الأعمال الإبداعية، كما نشر العديد من المقالات والدراسات النقدية التي ركزت في مجموعها على جماليات النص الشعري والسبل المثلى لقراءته وتلقيه، كاشفا عن العلاقات الملتبسة التي تربط بين الذات والنص والوجود، في سياق اللحظة التي تسمح بتحقق النص الشعري. وهذه الأعمال هي: "حينما يورق الجسد" 1973، و"النزيف" 1974، و"مشتعلا أتقدم نحو النهر" 1979، و"مهود السلالة" 2002، و"ثلج مريب فوق جبهة الحطاب" 2011، و"بأنامل الضوء" 2012، و"أقترب ولا أدنو" 2014.

وفي هذا الحوار الذي أجرته مجلة "ذوات" معه، يتحدث الشاعر المغربي رشيد المومني، بطريقته المعهودة في اجتراح الأساليب المسعفة والعبارات الدقيقة، عن خصوصية الكتابة الشعرية ورهاناتها الكبرى، وهي أساليب تحمل كثيرا من سمات لغة النص الشعري الذي يؤمن به.

*ينفتح الشاعر رشيد المومني على أكثر من حقل إبداعي (الإبداع الشعري، الكتابة التنظيرية والتأملية في أحوال الإبداع، الفن التشكيلي، علاوة على عشق للموسيقى عزفاً وتلقياً)، ما سر هذا الجموح في التعدد الفني النوعي؟ ألا يكفيك الشعر باعتباره يجسد انشغالك الأساس؟

** أنت تعلم أيها الصديق، أن ما من تجربة شعرية، إلا وتكون محاطة بحدائقها السرية الخاصة بها، والتي قد تتسع، أو تضيق وفقا لطبيعتها وهويتها؛ فكلما تعددت هذه الحدائق، إلا وتعددت بالمقابل مستويات حضورها، ومستويات بنياتها الجمالية والفكرية. من المحتمل أن تكون التجربة الشعرية لدى الشاعر، هي الإطار العام الذي تستمد منه هاته الحدائق وجودها، حيث يمكن في نفس الوقت أن تكون مرايا رمزية لفراديس محتملة، كما يمكن أن تكون مرايا لفصول من الجحيم. فهاته الحدائق هي الفضاء الفعلي، الذي تتجسد فيه مكابدات الذات والروح..إنها أيضا فضاء المرجعيات المركزية، التي تتشكل فيها البنيات الدلالية والجمالية للنص، باعتبارها ملاذا للذاكرة التخييلية والحُلمية في آن، والخلوة التي تجرب فيها هذه الذاكرة حدود اشتغال ميكانيزماتها، بما في ذلك ميكانيزمات الكتابة، الفكر والتأمل. إنها أيضا المستودع الذي تنتظم في أدراجه مجموع المتون والنصوص الحية والمدونة التي تتشكل بها الهوية المعرفية لشاعرية الذات، والتي تتوزع عليها ملامح مساراتها، داخل الفضاءات الخاصة، أو داخل الفضاءات العامة. وأعتقد أن الاقتراب من تخوم تجربة شعرية ما، هو في حد ذاته اقتراب من فضاءات وأسرار هاته الحدائق السرية، كما أن محاولة التعرف عليها، هو في نفس الوقت، أداة للتعرف على خصوصية التجربة الشعرية، سواء في شموليتها، أو في تفاصيلها. ما أروم الإشارة إليه في هذا الاستطراد، هو أن الاهتمامات التي تفضلت بالإشارة إليها، لا تنفصل عن اهتمامات التجربة الشعرية، بل هي بعض من مكوناتها المركزية، فالدراسات على سبيل المثال التي أواظب على نشرها، وخاصة خلال السنتين الأخيرتين، تترجم إلى حد ما رؤيتي الشخصية للكتابة وللإبداع، للذات وللآخر، بالمفهوم الحضاري والكوني للكلمة، كما تترجم وجهة نظري لأهم الإشكاليات الثقافية والمعرفية التي يتشكل بها فكرنا الحديث والمعاصر، وهي عموما ليست مجرد رؤية شخصية خالصة، بقدر ما هي رؤية نظرية، تتقاطع مع الخطابات الحداثية المتداولة في المشهد الثقافي بشقيه العام والخاص؛ ولكن على أساس قناعات وخبرات شخصية، بمعنى أن هذه الكتابات التأملية يمكن أن تكون خير تعبير عن الإطار النظري الذي يشتغل بشكل رمزي ومجازي في تضاعيف ما أكتبه من نصوص شعرية. نفس الشيء بالنسبة إلى علاقتي بالتشكيل، والذي سبق لي في أكثر من مناسبة، أن اعتبرتها شكلا من أشكال الكتابة المتميزة ببعدها البصري، المختلف جذريا عن الكتابة الشعرية من حيث الظاهر، والتي لا تختلف في شيء عنها من حيث الجوهر، علما بأن طقس الكتابة لدي، هو ذات الطقس الذي أمارس فيه تجربة التشكيل، حتى بالنسبة إلى المواد الموظفة في ذلك،

أنا أرسم بنفس الحبر الذي أكتب به، على نفس الورق، وبنفس الأحجام، وغالبا على نفس الطاولة. 

فأنا أرسم بنفس الحبر الذي أكتب به، على نفس الورق، وبنفس الأحجام، وغالبا على نفس الطاولة. قد يتعلق الأمر ربما بمحاولة رسم المرحلة الهلامية التي تسبق زمن القول الشعري، كما قد تكون شكلا من أشكال استدراج هذا القول كي يعلن عن حضوره. عموما ثمة تلك الحمى المحببة والمطلوبة، التي يسري دبيبها في الأصابع، بحثا عن هذا القول، إن الأصابع التي تشتغل على خيمياء الحروف، هي ذاتها التي تشتغل على خيمياء الأبيض والأسود، وهي أيضا الأصابع ذاتها التي تطوف مجاهل الأوتار الممتدة على جسد القيثارة، حيث يتحول العزف إلى محاولة للبحث عن ذلك اللامرئي الضائع والمحتجب في ظلال الغابة، في حطبها، في صمتها، وفي غموضها. إن عملية العزف تتحول إلى عملية تقليب لا نهائي، لتلك الصفحات البيضاء المتحولة والكامنة بصيغة أو بأخرى في خبايا جسد القيثارة، أو بالأحرى في جسد الكتابة، وجسد اللون. ومع ذلك، فالحديث عن هذه الحدائق يظل مجرد محاولة فهم وتأويل ما سيظل دائما في حكم ذلك الملتبس والمستتر.

*وماذا تعني لك الكتابة الشعرية في حدود تلقيها بين الطرفين: المبدع والمتلقي؟

** إن سؤال الكتابة باعتباره قراءة مضادة، هو أحد أهم الإشكالات، التي تسعى إلى تجاوز تخوم ذلك التلقي الأحادي البعد، والقادم من خارج تخوم الكتابة، وفضاءاتها الداخلية، كي تتفرغ إلى ذلك التلقي المنبثق من دواخلها؛ إذ في قلب هذا التجاوز فقط، يمكن ملامسة تلك الاختلالات المتعددة، التي تطارد بها الكتابة، والتي يمكن أن تكون سببا في الزج بها، داخل مقولات غريبة عن هويتها، وعن مساراتها، وأزمنتها. إن الأمر هنا تحديدا، شبيه بممانعة ذاتية، تطالب الكتابة بمضاعفتها، كي تكون ربما، أكثر مصداقية، من أية ممانعة محايثة، موجهة ضد رياح القراءات الخارجية.

*هل يهمك أمر القارئ، أو بمعنى آخر: هل ثمة خيوط هادية تتركها في نصك وأنت مطمئن إلى أن المتلقي سيهتدي بها إلى تأويل ملائم؟

** في هذا الإطار، تعلن الكتابة عن قطيعتها، لتلك القراءات الاختزالية، التي دأبت على تقطيعها، وفق ما تقتضيه الرؤية المانوية، إلى ثنائيات ثابتة، تعفي نفسها من مسؤولية إعمال الفكر والنظر والمساءلة، التي يمكن الاهتداء على ضوئها، إلى احتمالات قرائية مغايرة، متحررة من بؤس مقولات من قبيل الأصل والفرع، الشكل والمضمون، الظاهر والباطن، والمشرق والمغرب، ومؤهلة لاكتشاف تخومها المتعددة الأبعاد، والمنفتحة على مسارات ممكنها ومحتملها، بعيدا عن وهم الفوز بخلاصات مبتسرة وتسطيحية. ولعل اقترابنا على سبيل الاختبار، من العلاقة التركيبية القائمة بين الظاهر والباطن، يسمح لنا بإعادة النظر في مسلمة ثنائيتهما، التي دأبت على ترسيخ مفهوم علاقة المناصفة بينهما، مما يؤدي إلى إلزام القراءة بوجوب الامتثال إلى قوانينها،

أنا أرسم بنفس الحبر الذي أكتب به، على نفس الورق، وبنفس الأحجام، وغالبا على نفس الطاولة. 

والتي قد يؤدي تجاهلها، أو تجاوزها إلى "تشويه حقيقي لبنية/ بنيات نص ما"!. والحال أن هذا الامتثال القسري، يضمر في الحقيقة عجزا مكتوما عن تناول النص/الخطاب، تناولا يستند على قوانين مستنبطة من جمالية الإنصات إلى إيقاعاته الدلالية، في تماساتها وتقاطعاتها الكلية والمشتركة، وليس منبنيا على إكراهات الرؤية التجزيئية لثنائياتها. ففي غير قليل من الحالات، يحدث أن يتميز باطن خطاب ما بقوة تجاوزه لظاهره، حيث تطفو مكوناته على قشرته الخارجية، مدثرة إياه بغلالة رهيفة من الغموض، حيث تتعذر إمكانية الإحاطة الكلية أو الجزئية بدلالاته، بصفته ظاهرا متاحا للملاحظة والمعاينة، وهو ما يؤدي إلى سيادة مسحة الغموض النصي، حيث يتعذر على القراءة الاختزالية، المسكونة بشطط ثنائياتها، إمكانية رسم الحدود الفاصلة بين الظاهر والباطن، أملا في ضبط الميكانيزمات المؤثرة في تفاعلهما.

* أية قراءة متاحة، إذن، يكون بإمكانها التفاعل مع هذا الغموض الشفيف، وهي تعبر إلى باطن النص عبر عتباته الظاهرة؟

** تَراجُعُ الظاهر على حساب هيمنة الباطن، يربك هذه القراءة، ويحرمها من نقط ارتكازاتها التي تَعوَّد الظاهر على مَدِّها بها، لأن الظاهر غالبا ما يكون بمثابة عتبة، تمرق منها القراءة إلى عمق النص/باطنه. وفي حالة احتجاب العتبة، يصبح التسرب إلى باطن النص، مطلبا صعبا ومعرضا لاختلالاته. فما يبدو ظاهرا، ليس في نهاية الأمر سوى فيض باطن، ينتشي بسخائه وانتشاره، لذلك فإن مجموع الاستنتاجات والتأويلات التي تنتهي إليها هذه القراءة، يكون مطبوعا بملابسات هذا الخلط. في سياقات مغايرة، يستبد الظاهر بالشيء، مخترقا باطنه جملة وتفصيلا، ومهيمنا على ما يندرج فيه من عناصر ومكونات، ليصبغها بتلويناته وظلاله، فلا يبقى ثمة سوى سلطة الظاهر، التي يكون فيها الحديث عن باطن ما، ضربا من الخلط. بالمقابل سيكون من المستحيل، الحديث عن منهجية معينة للمقاربة، باعتبار أن كل كتابة تقترح منهجية مقاربتها الخاصة بها. فما يبدو مركزيا في هذه الكتابة، قد يكون جد ثانوي بالنسبة إلى كتابة أخرى، وهو ما يضاعف من مسؤولية المقاربة، ومن مهمتها؛ حيث يكون العبء كله ملقى على كاهل قراءة، تكون مطالبة في هذا السياق، بالانفلات من فخاخ الثنائيات، من خلال تحقيق تموضع على درجة عالية من الثراء المعرفي، والخبرة العميقة بأسرار انبناء كتاب الكون، بما يخول لها إمكانية تملك منهجية مؤهلة للتفاعل مع شروط وإواليات هذا الانبناء.

تَراجُعُ الظاهر على حساب هيمنة الباطن، يربك هذه القراءة، ويحرمها من نقط ارتكازاتها التي تَعوَّد الظاهر على مَدِّها بها

تجاوز عائق الثنائيات، هو دعوة لإعادة النظر، في ما بدا من قبلُ مكتملا تمام الاكتمال، أو في ما بدا أنه قد تلاشى تماما، وأن دِيدان الزمن قد عفت على آخر إشارة من إشاراته. بمعنى، تدارك جوهر الشيء، باستعادته قبل أن يطوله الزوال. يتعلق الأمر هنا بذلك التوتر الأبدي، القائم بين ثنائية موازية ليست أقل إشكالا، وهي ثنائية الذاكرة والزمن، المشوبة بتوترٍ، قوامه الحرص على تواصل مشروط بتنابذ، لا قبل لهما معا بتفاديه، كما لو أن الأمر يتعلق بتبادل صداقة وعداوة متمكنتين.

* هل تقصد هنا زمن تحقق الكتابة الشعرية أم الزمن، باعتباره ماضياً، تم تقييده في هذه الكتابة ذاتها؟

** الكتابة تتحرش بالزمن، تكرهه على إعادة ما سبق له أن نهبه واختطفه من فضاء الجسد، ومن فضاءات الروح، وما اطمأن إلى احتجابه به. إن الزمن وفي ضوء هذا الاسترداد، ملزم بالخروج عن طريقه المعتاد. أي ملزم بالسير في الاتجاه المضاد لمساراته الطبيعية، حيث الماضي يُفضي إلى الحاضر، في أفق إطلالة مستقبلية متوقعة. هكذا تقوم الكتابة بتخليد ما كتب في هذا الزمن من نصوص وخطابات. بما يعني تخليده هو أيضا؛ أي إخراجه من زمنيته بصفته زمنا، إلى أخرى منفصلة عنه، وهي زمنية الكتابة. فبدل اطمئنانه إلى تلاشيه، يصبح عرضة لإعادة انبنائه، وانتقاله من بيت النسيان إلى بيت الاستعادة. وهو ما يضاعف من خصوصيته، ويضفي عليه ازدواجية متحوِّلٍ مهيأٍ للتعايش مع ثبوتيته. بمعنى أن الكتابة بقدر استعادتها لما انمحى فيه، بقدر ما تغتني به مؤقتا، ليتحقق بذلك خروجه من سلطة الإفناء إلى فتنة الإحياء، بوصفه ذاكرة حية، تعيش حربها المفتوحة مع صيرورتها المدمرة.

* ماذا تعني بالاستعادة، هل تكمن في علاقة الشعر بالذاكرة؟

** بل هي استجابة لنداء حياة كانت قد تعرضت من قبل خلسة للإجهاض، خلال لحظة انبثاقها. فالمجهض ضدا على إرادته، لا يتوقف عن النداء، إلا بعد تحقق فعل استعادته من جديد، وإيلائه حقه في تكريس شرط حضوره ووجوده. ولكم هي كثيرة الأسئلة الإبداعية والفكرية، التي عانت من عدوانية قراءات اجتثاثية، بفعل إصاباتها بعاهات الثنائيات، والتي استطاعت بفضل ديناميتها الداخلية، من استعادة خضرة أنساغها بحيوية مضاعفة، كي تكتسح نظارتها حقول القولِ، تُرعَهُ وخرائبه، على غرار تلك الاستعادة التي تستدعيها الكتابة، في تأبيد زمنها الخاص بها، والمتضمنة لفعل التخليد الرمزي، للحظة كانت من قبل مجرد علامة عابرة، مفرغة من دلالات حضورها.

الكتابة تتحرش بالزمن، تكرهه على إعادة ما سبق له أن نهبه واختطفه من فضاء الجسد، ومن فضاءات الروح، وما اطمأن إلى احتجابه به

إلى جانب بنية الاستعادة، ثمة بنية الترميم، وهي في جوهرها حركية مضادة لحركة الطبيعة، ولآلية اندماجها في الإيقاع العام لحركية الوجود، لأن الطبيعة باعتبارها قوة قارئة لإيقاع تمفصلاتها، كلما حسمت - نتيجة استخلاصها لضرورة ما- في ضرورة تخريب بنية ما، فإنها تقبل على ذلك، من موقع اقتناعها باستنفاد هذه البنية لحضورها. وهو ما يقتضي تخريبها إما في أفق محوها، أو في أفق تحويلها بعد تفكيكها، إلى بنيات مغايرة تماما لما سبق أن كانت عليه. ولأن الكتابة تستقل بسلطتها عن سلطة الطبيعة، كما بتجاوزها لها، فإنها درجت على اعتماد منهجيات مضادة لمنهجيات الطبيعة. ولعل فعل الترميم، هو أحد الأركان الأساسية لهذه المنهجية، والتي تتضمن في عمقها رفضا جذريا لمنهجية الهدم المنغلق على آليته التحويلية، لأنها تهدف إلى تمكين الشيء/النص، من استعادة بنيته، التي أوشكت أن تأتي عليها عوامل التعرية الإسقاطية، مكرهة بذلك سلطة زمن القراءة ذي البعد الطبيعي على الانسحاب، من أجل تدارك الخلل الذي أوقعه على الشيء/النص. وفي عملية التدارك هذه، طمس تام للحظة عبور الزمن فيه، وتحييد لها، ومن ثمة، ترسيم ممكن لتجلي ديمومة الصورة الأولى، في هيئة أكثر نظارة. والأكثر هنا، فعل توسيع مضاعف، للمسافة الفاصلة بين الشيء وزمنه الطبيعي المتربص به.

* تتحدث عن الترميم كهدف أسمى من أهداف الكتابة الشعرية، فما هي المكونات التي بوسع الكتابة ترمُيمها؟

** فعل الترميم، هو ذات الفعل الذي تضطلع الكتابة بتنفيذه - وخاصة منها الكتابة الشعرية - منذورة لتدارك ما تهدمه الطبيعة، التي يطيب لها أن تكون الناطق الرسمي بلسان الوجود. وهو ما يسمح لنا بالقول، إن الشعر يرمم ما يخربه الوجود، بصفته قراءة إقصائية لما لا يندرج في كتابه. وللترميم هنا دلالة التأبيد، أي إخراج النص من بيت الزمن العابر، إلى بيت الديمومة المقيمة.

من هذا المنطلق إذن سنجدد القول، بأن فعل الترميم، وعلى غرار الاستعادة، استجابة زمن الكتابة لنداء المجهض، بإيعاز من قراءة ما، كي تمنحه الحق في الاحتفاء المتجدد بحياة، كانت قد سرقت عنوة منه. هذه الاستعادة تجهض الرؤية الماضوية للأثر. تلغيها، وتردم الهوة الفاصلة بين موقعه كأثر، وبين زمن ذهابها باتجاهه. إنه الردم الذي تحقق بموجبه فعل استعادة الأثر، وفعل حضوره، كي يتخلص من سلطة المسافة وقدرها، وكي ينفلت من مصيره السابق باعتباره أثرا، في أفق تحوله إلى طاقة مولدة، واعدة بإنتاجية ما، بصرف النظر عن طبيعتها، التي يحتمل أن تكون قاتلة أيضا. وفي السياق ذاته، يحدث أن تخلد الكتابة إلى عزلتها المؤقتة، حرصا على صيانة ذاتها من أعطاب القراءات، التي يتهددها الخارج بتوريطها فيها. أي أن تنسحب من المشهد، كلما تضخم لديها الإحساس باختلاط حابل المركز بنابل الهامش، وهو الاختلاط المعبر عنه في تهافت أشباه الإشارات، وأشباه أضدادها، على احتلال الإطار، مما يكدر صفاء الرؤية، وينأى بها إلى حد الاستحالة. هناك تحضر ملحاحية الانسحاب، كرد فعل طبيعي وحتمي، على بؤس اكتظاظ، تختنق فيه أنفاس الإشارة وأصواتها. انسحاب يجنح بالكتابة جهة النسيان، أو بالأحرى، جهة ما ينبغي سماعُه، قراءتُه ورؤيته. جهة ذلك التردد الصعب الذي لا يكف عن مناداتك.

يحدث أن تخلد الكتابة إلى عزلتها المؤقتة، حرصا على صيانة ذاتها من أعطاب القراءات، التي يتهددها الخارج بتوريطها فيها

إن فعل الانسحاب يتحول إلى ضرورة، بفعل احتدام حالة التردد التي يولدها الالتباس والخلط المجبول على التعمية والتعويم، وهو التردد الذي يستدرج العقل والحس، إلى دوامة تشكيك يعمي غبارُها العينَ، ويصدها عن رؤية ما يراها.

في أتون هذا التردد القاسي الذي يغمر جسد الكتابة، يرتفع صوت توسلِ كاذب لكتابة لا صلة لها بجوهر الكتابة، من أجل أن تحظى هي أيضا بحضورها المغالط فيك. توسلٌ مداهنٌ، تتمترس في خلائه قطعان الكمائن، بصوتها الخفيض، الشبيه بالحشرجة، القادمة من ذلك المكان الغامض، المحتجب في جسد المكان. إنه توسل حروف متيبسة، تتحين فرصة امتصاص ما يتساكن فيك من حروف. توسل شبيه باستجداء، يروم اقتطاع جزء من قامتك. توسل مبطن بقرار إخراجك منك، وإبعادك عنك، وتغريبك في ما لا صلة له بدم نصوصك وهويتها. ومهما تعددت مصادر هذا التوسل، فإن أكثرها شراسة، ذلك المتنكر في نداء قرابة تملأ حقل الرؤية، فتحجب عنك ما عداه، وما عداها.

لكن! ثمة وراء الحجاب، توهجٌ آخر، وسيرة أخرى مضادة لسيرة التوسل. هناك في قلب الخلوة السرية لعمليات إحياء جسد الكلام، إحياء لا يتوانى عن الاستقواء بعنفه المبطن فيه، كي يتحول إلى رؤية بتر، ورؤية تفكيك، تهدف إلى استبدال أعضاء مشلولة بأخرى حية. مهمة تحتاج إلى فائض قسوة جمالية، وإلى غير قليل من متعة القتل، قصد قطع الطريق على زمن المحو والنفي السلبيين. هنا فقط يصبح للضرورة دلالة أخرى، غير تلك المحيلة على ملحاحية تأجيل ما ينبغي قوله، وهي دلالة بتر ما يجب بتره، واستبداله بما يقطع الطريق على تقدم الجثة، وعلى تربص التوسل، ثم إعادة زرع ما يمكن أن يكون مصدر قول محفوف بأضوائه وبشعريته. إنه شكل من أشكال خلق، يروم إبدال ثنائية الحياة والموت، بقوة ثنائية مضادة، هي الحياة المتوجة بمضاعفها.

تلك هي الكتابة، جموح غير مقنن أو محدود لتجديد أسماء الوجود، وتغيير مفاهيمه عبر استراتيجية تحويلية، تشمل بنياته كما تشمل مساراته، استنادا على رؤية عميقة وخبيرة بأسرار الطريق. بتقنيات فتحها وتعبيدها، وبآليات إحداث تلك الانتقالات، التي تتمظهر في ملامح تخوم مغايرة، وواعدة بغموضها الخلاق.

إنه التحويل الذي يتجرد من إكراهات الإلمام الشامل، والمغالط، بالدلالة النهائية التي توهمنا النقائض والأضداد بمدنا بها، كلما كنا على أهبة الإلقاء بتساؤلاتنا من طابق لآخر. ذلك أن النقائض والأضداد، التي يُعتقد في انبثاق الحقائق من فجواتها، تبادر هي أيضا، بطمس هذه الفجوات، حال دخولها أرض الكتابة. إنها تعيد دمج الأبيض في الأسود، والصورة في الصوت، والعقل في اللاعقل، تمهيدا لتفجير دلالات تناقضات وأضداد مغايرة، لا علاقة لها بتلك التي تعتمدها اللغة الوسيطة في مفصلة خطاباتها ورسائلها، لأن الكتابة - وعلى سبيل المثال لا الحصر - لا ترى في العقل واللاعقل، سوى بنية واحدة، اقتضت ضرورة التفكيك التي تلجأ إليها عادة محاولة الفهم، إلى شطرها إلى بنيتين، توخيا منها تبسيط عملية الاقتراب من جوهر النواة المؤلِّف بين عناصرها المشتركة في اختلافها. ونفس الشيء يمكن قوله بالنسبة للأبيض والأسود، اللذين يعتبر فصل أحدهما عن الآخر، مجرد ضرورة منهجية بالنسبة للقراءة المستعجلة، من أجل فهم الأبعاد الحقيقية التي يتضمنها الرمادي. فإذا كانت بنية التضاد والتناقض، ضرورية وأساسية للانتقال بالعقل من دار الحيرة والشك إلى دار الطمأنينة واليقين، فإن الكتابة من خلال توحيدهما معا، تمكننا من استعادة تلك الحيرة، التي تدعونا للتعامل معهما، باعتبارهما مكونين أساسين من مكونات التربص بالتمظهرات السرية والمكتومة، التي يتسلى بها الكون، وهو معتكف على تسويد بياضات كتابه الغامض والكبير.

* كثير من المهتمين يفسرون تراجع مكانة الشاعر العربي المعاصر في حياة الناس بطبيعة العصر الاستهلاكي الذي نحيا، وأن صعود أسهم الرواية تمَّ بسبب ما تُحاط به من أسباب التداول: سهولة تلقيها والجوائز السخية التي تخصص لها. ما تعليق الشاعر رشيد المومني على ذلك؟

** وجهة نظري في الموضوع، كنت قد عبرت عنها ضمن مواد الملف الذي أشرفت على إعداده إحدى الجرائد المغربية، بمناسبة اليوم العالمي للشعر، وكنت قد عنونتهبـ "بيان استعجالي/ الشعر في مواجهة القتلة". والمقصود بالقتلة هنا هم قتلة الشعر، والذين ليسوا في الواقع، سوى قتلة الحياة، خلاصة القول، كما ألمحت لذلك في الملف ذاته أن تاريخ التلقي الشعري، يظل بحاجة ماسة إلى غير قليل من التصحيح، والتصويب، كي نتمكن نسبيا من تفنيد تلك الأوهام، التي كانت تلح ولعدة قرون، على إقناعنا، بأكذوبة الحضور الباذخ للقصيدة في حياتنا الثقافية والاجتماعية، والذي أمسى خلسة "مهددا بالزوال والانقراض"، حيث يؤكد واقع الحال، على أن هذا الحضور، لم يكن أبدا يتجاوز حدود تلك الدائرة الضيقة، التي يتواجد الشعراء داخلها، بمعية ممدوحيهم- بالنسبة للشعراء العرب، وحسادهم، إلى جانب ثلة محدودة من الغاوين، ومجانين اللغة، والنقد الأدبي، المفتونين عادة بالبحث عن قول آخر، يتخلل لغة غير اللغة المتداولة؛ وهي الحقيقة التي رسختها لدينا، شهادات صديقة، أتيحت لها فرص معايشة الكثير من الرموز الشعرية العالمية، بفعل تمرسها الاستثنائي، على السفر المعرفي، في ربوع الأزمنة، القديمة منها، والحديثة على السواء. رموزٌ نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، علقمة الفحل، المتنبي، المعري، ودانتي، وإزراباوند، فضلا عن بودلير، ومالارميه، إلخ...حيث لا وجود لهاته النخبة المتميزة من الشعراء، أو لنصوصها الشعرية، خارج هذه الدائرة الضيقة جدا من المهتمين. وهي إشارة ضمنية، إلى الخصوصية الاستثنائية التي تتميز بها الكتابة الشعرية، والتي تظل مقيدة بشروطها، التي لا تسمح بتاتا باتساع رقعة تلقيها، إلا ضمن قواعدها الشائكة والمتشابكة.

إن تاريخ التلقي الشعري، يظل بحاجة ماسة إلى غير قليل من التصحيح، والتصويب، كي نتمكن نسبيا من تفنيد تلك الأوهام، التي كانت تلح ولعدة قرون، على إقناعنا، بأكذوبة الحضور الباذخ للقصيدة في حياتنا الثقافية والاجتماعية

غير أن أهم ما يعنينا في هذا السياق، وقد يكون الأكثر إثارة للجدل، ليس هو الخوض في سؤال "كارثة!!" الرحيل التدريجي للشعر، عن المشهد الثقافي والإبداعي، بل هو التساؤل الإنكاري، عن دلالة النوايا الثاوية في خلفية تصنيع "المسلمات"، أو بالأحرى، مسلَّمةِ ما يتحول في نهاية المطاف إلى قانون، معزز بصرامته المفتعلة، وبقطْعية تمويهية لا مجال للدفع فيها بأي طعن أو تشكيك، بل الأدهى من ذلك، أن مسأليَّة تداول هذه المسلمة/الأكذوبة تصبح واجبا حتميا، ملزما للجميع. علما بأنها مسلمة، تفتقر إلى الحد الأدنى من الموضوعية، وهي صادرة في العمق، عن نزعة تدميرية، تطول كل ما من شأنه إضفاء نسبة معينة من الجمال على كينونة الكائن، أو إضاءة مساراته، بتلك الأسئلة الشعرية الكبرى، التي تستمد منها الخطابات الفكرية والفلسفية ثراءها، وعمقها الرؤيوي والمعرفي، حيث لن يفوتنا في هذا السياق، التذكير بالمكائد، التي دأبت الأجهزة المتسلطة، على تدبيرها عبر التاريخ، ضد الشعر والشعراء.

إن هذه النزعة التدميرية، حينما تتظاهر بإعلائها من شأن زمن الرواية، على حساب تسليمها بأفول زمن الشعر، فإنما تفعل ذلك فقط، من أجل صرف الانتباه عن نواياها الخبيثة، التي لن يسلم من أذاها الشعر وحده، بل سيتعداها حتما إلى الرواية، وإلى كافة المجالات التي لها صلة ما، بالإبداع الإنساني الخلاق، من أجل إكراهنا على الاكتفاء بكل عابر ومؤقت، قابل للاستهلاك السريع والزائل. ذلك أن الأمر يتعلق برؤية مخزنية، ومخزية في آن، للمشهد الثقافي والإبداعي. إنها النزعة الإفسادية الخالصة، التي توكل تدبير مهامِّها لمنشطين، يمتلكون إمكانيات عالية في تقنيات الترويج المشبوه، دون أن تتوافر لديهم بالضرورة أية قناعات فكرية، أو نظرية بطبيعة المادة المستهدفة بعملية الإفساد. لكن وفي قلب الدائرة الضيقة ذاتها، سيظل الشعر قادرا على تجديد خبراته الجمالية والفكرية، في مواجهة القتلة، ذاك هو البيان الأول والأخير.

*بحكم خبرتك وعضويتك في بيت الشعر في المغرب، وتجربتك السابقة في تدبير الشأن الثقافي بمديرية الثقافة بفاس؛ ما هي الإستراتيجية التي ينبغي أن تسلكها بيوت الشعر في الوطن العربي من أجل تيسير تداول الشعر وإشاعة الثقافة الشعرية بين الناس؟

** إنه لعمري السؤال الأكثر إحراجا لأي فاعل إبداعي، أو ثقافي، متخلص من أوهام الخطابات المثالية والفضفاضة، التي تمارس سحرها المموه على الحقائق والقناعات، لأن إشكالية تيسير تداول الشعر، وإشاعة الثقافة الشعرية، لا تنفصل مطلقا عن إشكالية ثقافة تداول الكتاب. وأنا حينما ألح على التوصيف الثقافي، فلأنني أتجاوز ضمنيا مستوى علاقة تداول الكتاب بالأمية، وبالبؤس المعرفي، إلى مستوى الأوساط المتعلمة، وإن شئت الأكاديمية، والتي تعاني من فقر مدقع من حيث علاقتها بجمالية التردد على المكتبات والخزانات، ومن حيث علاقتها بأسرار وأعاجيب الرفوف المعتمة التي تحتجب تحت غبارها حكايات العناوين، والأغلفة، وكذا الترياق الغامض، المراق خلسة في حبريات المكتوب، إلى غير ذلك من التداعيات السردية، التي تجعل من قضية استحضار الكتاب أو الذهاب إليه، حدثا تتداخل فيه الرغبة، بالفضول، بالعشق، ثم بذلك الامتثال اللامشروط إلى نداءات التعرف المكتومة في تضاعيف صفحات، لا تهدأ إلا بعد اطمئنانها لحضور أطياف القراءة بكل ألوانها، وأصواتها، وأحوالها. إن غياب هذه الثقافة، وتماديها في التراجع، إن لم نقل التردي، يعصف بطريق الأمل، التي يمكن أن نهتدي به إلى موقع الكتاب، ديوانا شعريا كان، رواية، أو تخصصا في قضايا ذات طبيعة فكرية، أو علمية. إن المفارقة الغريبة القائمة بين الشعوب المتقدمة والمتخلفة، كي لا أقول النامية، تتمثل في كون الأولى منشغلة نظريا ولوجيستيكيا، بإشكالية تدبير العلاقة المتوترة بين الكتاب، وبين الوسائط المعلوماتية الحديثة، بفعل التطور العدواني والعنيف، الذي تتميز به هذه الأخيرة، والموحي باحتمال تضييقه الخناق على الثقافة الورقية، المتجذرة في اهتمامات الفضاءات العامة والخاصة لمجتمعاتها.

إن هذه النزعة التدميرية، حينما تتظاهر بإعلائها من شأن زمن الرواية، على حساب تسليمها بأفول زمن الشعر، فإنما تفعل ذلك فقط، من أجل صرف الانتباه عن نواياها الخبيثة، التي لن يسلم من أذاها الشعر وحده

هذا الانشغال الحضاري العالي، والذي يسعى بشكل أو بآخر إلى تحقيق نوع من التوازن المحتمل، بين التلقي الإلكتروني والورقي، سينتهي به المطاف لدى الأمم المتخلفة، بتصفية الحساب جملة وتفصيلا مع هذا الكائن المتعِب المسمى بالكتاب، عبر الـتأكيد الأخرق على نهاية أزمنته، أسوة بمراكز الحداثة الكونية التي استغنت- في عرف هذا التردي- هي أيضا عن سلطة الكتاب على حساب الانتصار إلى الوسائط الإلكترونية !! إنها الذريعة المثالية والنموذجية، للتخلص من الكتاب، قبل أن يتحقق معه الحد الأدنى من التواصل، من منطلق الاحتماء الجبان بخندق حداثة غير مستوعبة، لا من قريب أو من بعيد. وإذا كان العالم المتقدم يحرص على إقامة نوع من التوازن بين الثقافة الورقية، والإلكترونية، من خلال التوظيف العقلاني والعلمي للوسائط الحديثة، وخاصة بالنسبة لتقنية تحميل الكتب، التي تسمح لك وأنت في أعماق الصحراء، بتصفح آلاف الكتب، فإن الأمم المتخلفة المصابة بعاهات الحداثة المعطوبة، قد حولت هذه الوسائط إلى لُعَبٍ، قابلة لأن تقدم لها مختلف نماذج التسلية المنسجمة مع عقولها الصغيرة، كما لو أن الأمر يتعلق بذهنيات معاقة، تصرف كامل أوقاتها في متعة الاندهاش بألاعيب هذه الوسائط.

إن الحلقة المفقودة لدى بيوتات الشعر العربية، تتمثل في غياب الرؤية التشاركية في ما بينها، والتي قد تسمح على الأقل، بإمكانية تبادل منشوراتها

ومع ذلك، سنحاول مكرهين التحلي بقليل من المثالية، كي نقول، إن الحلقة المفقودة لدى بيوتات الشعر العربية، تتمثل في غياب الرؤية التشاركية في ما بينها، والتي قد تسمح على الأقل، بإمكانية تبادل منشوراتها، من دواوين شعرية ودراسات نقدية ونصوص نظرية أو إبداعية مترجمة، وهو مطلب أصبح جد ملح في العقود الأخيرة، خاصة في ضوء الاختفاء التدريجي لخارطة الأسماء الشعرية المؤسسة للحداثة الشعرية والنقدية العربية، وظهور خرائط مختلقة موسومة بتعدد مستويات انتشارها الذي تظل في حاجة ماسة، إلى ممارسة حقها في الحضور الموضوعي والطبيعي داخل المشهد الشعري العربي العام؛ إذ بفضل هذه الشراكات الثقافية، يمكن على الأقل أن نهتدي إلى الأصوات الحقيقية التي يتعذر سماعها في قلب طوفان فعلي من المدعين.

*في الختام، وبحثاً عن قارئ متمرس للشعر، كيف تنظر إلى دور التربية في خدمة هذا المنحى؟

** من الواضح أن هذا السؤال هو امتداد لسابقه، لأنه يتعلق بالبحث عن السبل الكفيلة بترسيخ ثقافة القراءة، وهو مكسب جد مؤجل، لا أتوقع أنه سيتحقق في السنوات القليلة المقبلة، لأنه رهين بالحضور الفعلي لسلطة تربوية وتثقيفية في مراكز القرار الثقافي، والتي أراها الآن تتحسس سلاح عدوانيتها كلما انتهت إلى مسامعها فكرة ترويج كتب المعرفة الأدبية، خاصة العربية منها.

 

* حوار منشور ضمن ملف العدد التاسع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية "الشعر العربي المعاصر وسؤال التلقي.."

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/UFaLUW

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق