الشدياق حين ينبه إلى خطورة اتساع الفجوة الحضارية في "كشف المخبا"
06 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات

ضمن مشاهداته للمناطق التي زارها من أوروبا منتصف القرن التاسع عشر يوثق أحمد فارس الشدياق (1804-1887م) في كتابه "كشف المخبا عن فنون أوربا" الذي طبع العام 1866 بعين الرحالة العالم أهم المظاهر الحضارية والاجتماعية التي عايشها بصورة تفصيلية تتراوح بين النقد والإعجاب بعيداً عن سذاجة الانبهار، لينبه منذ وقت مبكر لخطورة تعمق الفجوة بين العالم الإسلامي والعربي والعالم الغربي، حاضاً على ضرورة اللحاق بركب المدنية الحديثة والخروج من التقوقع الذي صبغ المسلمين في تلك الفترة الحساسة.

في الجزء الآتي من الكتاب الذي حمل عنوان (التلغراف وأنواعه) نتعرف مع صاحب "الساق على الساق" بالتفصيل على هذا المخترع الحديث آنذاك الذي رآه لأول مرة في منشستر خلال إقامته في بريطانيا، وكيفية استعماله وفوائده، دون أن يفوته أن يتوجه بالنقد اللاذع لأبناء أمته وهم منشغلون عن هذا العلم بأمور لا تسمن ولا تغني من جوع، "فبقيت مدهوشًا متحيرًا، وأخذت أفكر تفكيرًا مضطربًا في كيف أن هذا العلم الحري بأن يدعى من العلوم الإلهية لكونه غير متناهٍ لم يكشف سره من قبل الآن حين كان النحويون يجيزون ستة عشر وجهًا في الصفة المشبهة، ويمنعون وجهين، ويختلفون في وجه، وحين كان العمر يضاع في التعليل والاعتراضات والتجويز والترجيح (..) فإن وصول الخبر من قاعدة مملكة أوستريا إلى ليفربول في أقل من ثانية، أنفع من تجويز عشرين وجهًا في مسألة واحدة". ليصل في النهاية إلى خلاصة دعوته التنويرية أن هذا المنجز وأمثاله ليس وليد الصدفة فـ "هذه العملية لم تنشأ عرضًا أو بغتة، بل بعد إعمال فكر وجهد روية في مُدَد متعاقبة".

 

التلغراف وأنواعه

وفيها [يعني منشستر] رأيت محل التلغراف، وهو على نوعين؛ الأول: المتعارف وهو شبه الساعة الدقاقة في وجهها إبرة من فولاذ، موضوعة تحت نصف حلقة وفوقها مسماران صغيران من عظم، قد رسم فوقهما الحروف الهجائية — والغالب أن يكون في كل صفحة إبرتان — فمتى حرك الإبرة السلك المتصل بها من وراء الصندوق، طرقت على كل من الوتدين، ولكل حرف طرق معلوم، فالألف مثلًا لها طرقتان على وتد واحد، وللباء ثلاث، اثنتان على وتد وواحدة على آخر وهلم جرّا. والثاني: وهو ما اخترع بعده، فكان أوفق وأسهل، وهو آلة كالدولاب، فيها قلم دقيق من فولاذ مركب من أجزاء كيماوية ويمر من تحته سير رقيق من ورق مركب أيضًا فيرسم عليه خطوطًا سودًا، هي في عرفهم حروف، وهناك أيضًا آلة كمنوال الحائك ذات أسنان دقيقة بارزة منه، يمر من تحتها الورق، فترسم عليه خطوطًا، وقيل: إنه يوجد آلة ترسم الحروف المكتوبة كما يرسمها كاتبها سواء حتى لو كتب أحد بالعربية شيئًا أدته كما هو، وهذه الآلة لم أرَها.

وأكثر الآلات استعمالًا في بلاد الإنكليز إنما هي الإبرة، وفي بلاد أميريكا الدولاب، وبكل منها يصل الخبر من لندرة إلى أيدنبرغ ، وهي مسافة ثلاثمائة ميل في ثانية، وسواء كانت المسافة طويلة أو قصيرة ؛ فالتأثير واحد، فأما تحريك الأسلاك فإنه ينشأ عن الخاصية الجاذبة من وضع صفيحة من النحاس وقطعة من التوتيا توضعان في الماء، فيخرج منها روح يسري في السلك المماس لهما، ومنه إلى الأسلاك التي ترى عيانًا في الطريق، وقد تراها ممتدة في الهواء بجانب سكة الحديد، وربما كانت عشرة فأكثر، وربما بلغ الخبر بعضها إلى مكان وبعضها إلى مكان آخر، وسواء كانت سافلة أو عالية أو على خط مستقيم أو منحرف فلا يتخلف حكم الخبر بها، وقد ثبت بالتجربة أنها تصح تحت الماء كما تصح في الهواء. وهذه المصلحة يتكفل بها جماعة على حدتها، والفائدة منها عامة للجميع ولا سيما الدولة والتجار، فإنه إذا أريد الاستخبار عن أمر مهم علم في دقيقة واحدة، وإذا هرب القاتل من بلد إلى آخر عرف شأنه قبل وصوله، وجُعْلُ نحوِ عشرين كلمة نصفُ ليرة. ثم لما قرَّ بي المقام في لندرة طلبت من مدير التلغراف أن يأذن لي في رؤية الآلات وموضع النحاس والتوتيا، فورد إليَّ الجواب منه بأنه يكره أن يريها الغرباء ولا سيما الأجانب كل الكراهية، ولكن إذا كتبت إليه الجمعية في ذلك يرضى، حتى إذا فعلت بعث معي من أرانيها جملة وتفصيلًا. فأول ما رأيت هو الموضع الذي فيه التوتيا والنحاس، وهو عبارة عن موضع مظلم كالنفق فيه موائد كثيرة من خشب ذات بيوت صغيرة مقسمة، تشتمل على هذين الجوهرين وقد غمرت بالماء ومعهما ملح الكبريت وسلك الحديد، وهذا السلك متصل بالسلك الظاهر في الهواء كما تقدم آنفًا، أما التوتيا فتنحل على طول المدى وتتلاشى، وأما النحاس فيزيد.

ثم أُريت موضعًا في الحائط مغشى بالخشب، يشتمل داخله على أجزاء، وخارجه على نحو مسامير بارزة منه، فجاء الرجل بقطعتين من الفحم وأدناهما من مسمار، وإذا بنور بهي ساطع خرج من طرفيهما، ومن هذا التقابل في الجاذبية تخرج ألوان عديدة زهية، يبدو أنها أحيانًا في الملاهي بما يقصر عن وصفه القلم، ولما وضعت إصبعي على مسمارين منها أحسست بارتعاش وجاذبية أخدرت مفاصلي فرفعتهما حالًا.

ثم صعدنا إلى الموضع الذي تتلقى فيه الأخبار من كاتب ديوان التلغراف؛ وذلك أنه إذا أراد أحد أن يبعث خبرًا كتبه وسلمه للكاتب أو أملاه عليه مشافهة، فيدونه الكاتب في رقعة ويجعلها في ظرف ويسد أعلاه، ثم يضعه في نحو صندوق، فتدفعه القوة الكهربائية إلى موضع يكون عنده غلام واقف، فيأخذه ويسلم الرقعة إلى قيم الآلة المعدة لتبليغ الخبر، فإن كان يراد توجيهه مثلًا إلى باريس سلمه إلى قيم آلة باريس وهلم جرا. ثم دخلنا موضع الآلات وهي على الصفة التي رأيتها أولًا، غير أني رأيت التبليغ هنا على يد النساء لا الرجال، وكيفية ذلك أن تقعد المرأة على كرسي وتمسك بيدها مقبضًا من خشب وتحركه حركات مطابقة لاصطلاح الحروف، فيتحرك السلك المشرب من روح التوتيا والنحاس، فيحرك الإبرة في المحل المبلغ إليه الخبر على حسب حركات اليد، وترى البنت تحرك هذه الآلة كما يحرك العازف يده على آلة الطرب بغاية ما يكون من الخفة. وبينما كان الرجل يكلمني أمام آلة؛ إذ رأينا الإبرة تطرق على المسمارين، ثم حركت البنت المقبض وسكتت، ثم تحركت الإبرة أيضًا، وكان ذلك بأسرع من أن ينطق المتكلم بعشر كلمات، فقال لي الرجل: "أتدري ما سبب حركة الإبرة مرتين؟"، قلت: "لا"، قال: "قد ورد خبر من ويانه يراد تبليغه إلى ليفربول فبلغته البنت وجاءها خبر بوصوله"، فبقيت مدهوشًا متحيرًا، وأخذت أفكر تفكيرًا مضطربًا في كيف أن هذا العلم الحري بأن يدعى من العلوم الإلهية لكونه غير متناهٍ لم يكشف سره من قبل الآن حين كان النحويون يجيزون ستة عشر وجهًا في الصفة المشبهة، ويمنعون وجهين، ويختلفون في وجه، وحين كان العمر يضاع في التعليل والاعتراضات والتجويز والترجيح، كما أشار إليه العالم الأديب الشيخ أحمد المسيري بقوله يمدح خديوي مصر على إنشاء مدارس للعلوم الرياضية:

فهذا الفخر في وجه المعالي   وليس بضرب زيد وجه عمرو

إذن لصرفَ خواطر القوم إلى الاشتغال بما هو أهم وأنفع، فإن وصول الخبر من قاعدة مملكة أوستريا إلى ليفربول في أقل من ثانية، أنفع من تجويز عشرين وجهًا في مسألة واحدة، وهذا هو سر الكيمياء الذي يتعلمه الإفرنج الآن لا لتحويل الحديد ذهبًا، أو الآنك فضة، فإن سميته بالإكسير فأنت صادق، والحاصل أن الخبر يبلغ بهذه الآلة مسافة بعيدة كما يبلغ مسافة ميل على السواء، وعدة الآلات في هذا المحل نحو خمسين، وعدة المستخدمين فيه مئة وثلاثون.

قال مؤلف كتاب المخترعات العجيبة: "لم يكن يخطر ببال أحد من المتقدمين أنه يمكن إيصال فكر من بلد إلى آخر مسافة مئات من الأميال بثوانٍ قليلة، وأن من يكون واقفًا في لندرة يمكنه أن يخاطب آخر في أيدنبرغ ويتلقى منه الجواب كأنهما جالسان في غرفة واحدة مع أن بينهما مدى ثلاثمائة ميل".

فلا جرم أن التلغراف إنما هو أكبر العجائب التي كشفت في عصرنا هذا، فإن السارق مثلًا يذهب في أحد الأرتال السريعة، وهو مسرور بسرقته وفراره من يد الشرطة، ويطمع في أنه إذا بلغ إلى إحدى المدن الغناء يخفي أثره عن غريمه ويضيع خبره في دخوله بين الناس، فيعمد إلى رتل يمر مسافة خمسين ميلًا في الساعة، ويكون خبره قد تقدمه في السلك الذي يراه بعينه مرة عن يمينه ومرة عن شماله، ويكون الشرطي قد عرفه بسَمْته وسِمَته وصفاته، وعرف الرَّتَل الذي سافر فيه، فما يكاد يخرج منه إلا وهو آخذ بتلابيبه، فيبقى "اللص" مدهوشًا مبهوتًا لا يدري أين يقصد، ثم تفتش صناديقه وأوعيته، ويستخرج منها المسروق، ويرسل هو إلى الحبس، فمن ثَمَّ كانت فوائد هذه الأسلاك من أعظم الأسباب المؤيدة لإقامة الحق وتشييد سنن الشرع وتنفيذ أحكامه، ولو كان إيصال الخبر على هذا الوجه قد عرض على مسامع أهل القرون الخالية لعدوه من الخزعبلات المفتعلة، إلا أن هذه العملية لم تنشأ عرضًا أو بغتة، بل بعد إعمال فكر وجهد روية في مُدَد متعاقبة.

أحمد فارس الشدياق، كشف المخبا عن فنون أوربا، مؤسسة هنداويللتعليم والثقافة، القاهرة، 2014، ص154-158

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق