الشدياق رائد النهضة العربية
10 اكتوبر 2015 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

أحمد فارس بن يوسف بن منصور بن جعفر الشدياق، من سلالة المقدم رعد بن المقدم خاطر الحصروني الماروني الذي تولَّى جبل كسروان سبعاً وثلاثين عاما، رغم اختلاف الباحثين في تحديد تاريخ مولده، فإنه من المرجح أن يكون قد ولد عام 1801. والأمر نفسه ينطبق على مكان ولادته الذي يذهب بعض الباحثين إلى أنه كان بـ"عشقوت"، في حين يذهب آخرون إلى قرية "الحدث"، ويرجح الباحث التونسي محمد الهادي المطوي المكان الثاني، أي قرية "الحدث" التي تكون في سفح جبل لبنان قرب بيروت. نشأ في أسرة لبنانية عريقة تميّزت بحب العلم والأدب. فقد والده عام 1821 بسوريا بسبب مرض الربو، وعايش حزن والدته، وهو شاب في العشرينيات. واعتقد أنه مصاب بنحس منذ ولادته بسبب تتالي المشاكل التي عاشها. يقول الباحث محمد الهادي المطوي في كتابه "أحمد فارس الشدياق (1801-1887): حياته وآثاره وآراؤه في النهضة العربية الحديثة": "كثير التبرم والشكوى من حظه المنحوس، وبالتالي طويل اللسان ميالاً إلى الهجاء والسخرية والعبث بمن يعترض طريقه، قاصداً أو غير قاصد، شأن المتطيرين المتشائمين، أو الشاعرين بنقص ما فيعوضونه بطول في اللسان وحدة في المعاملة حتى إن أحد الأمراء الدروز لقّبه بأبي دلامة" (ص. 58).

لم يكن لفارس الشدياق مرحلة تعليم في الثانوي أو في التعليم العالي، فلجأ إلى التكوين الذاتي والمطالعة في مكتبة والده، بالإضافة إلى تعاطيه عمل النساخة بوصفها المهنة الأولى للعائلة، فصفا ذوقه الأدبي والفني.

أدخل فارس إلى الكتاب في السنوات من 1805 حتى 1809، رغم أن والديه كانا يريدان له أن يدرس في الكوفة أو في البصرة فعجزا عن ذلك، كما يذكر المطوي في كتابه (ص. 59). غير أنه سرعان ما سئم تعليم الكتاب التقليدي وانتقده فيما بعد. يقول محمد الهادي المطوي: "وفي الكُتاب وقع لفارس مع معلمه ما سيقع لغيره من نوابغ عصر النهضة، فأغلبهم ضاق بهذا العلم، وكلهم انتقد أسلوبه في التعليم"، ويضيف: "فليس عجيباً إذن أن ينقم الشدياق على هذه الكتاتيب نقمة ظلت مخزونة في صدره منذ الصغر إلى أن أتيح لها الانفجار في الكبر، وليس غريباً كذلك أن يصيب بسهام نقده رجال الدين الذين كانوا يشرفون على حظوظ الكتاتيب ويسهمون بتحجرهم في جمودها، وأن يخاطبهم متحسراً لما يجد في نفسه منهم" (ص. 60)

لم يكن لفارس الشدياق مرحلة تعليم في الثانوي أو في التعليم العالي، فلجأ إلى التكوين الذاتي والمطالعة في مكتبة والده، بالإضافة إلى تعاطيه عمل النساخة بوصفها المهنة الأولى للعائلة، فصفا ذوقه الأدبي والفني. وفي إقامته في مصر مارس الشدياق العمل الصحافي في "الوقائع" المصرية التي تبين من خلال عمله فيها أنه في حاجة إلى مزيد من التكوين والتحصيل، فدرس اللغة والأدب بالأزهر عن جملة من الشيوخ.

وكان لمصر الفضل في تعرفه بعض المصلحين منهم سامي أفندي صاحب كتاب "رموز الحكم". يقول محمد الهادي المطوي في كتابه المذكور: "كانت مصر لما نزل بها الشدياق تعيش تحولات تحديثية في ميادين عديدة بحكم وصول محمد علي باشا إلى عرشها. فمن البديهي أن يتأثر الشدياق بتلك الأجواء الجديدة وأن يعجب بها. ونحن نذكر هنا أن ممن أشربوه المبادئ الإصلاحية رجلاً كان قد عرفه بدار الوقائع المصرية هو سامي أفندي الذي يعتبر من مصلحي القرن التاسع عشر. فهو الذي سعى إلى تسمية رجل الإصلاح الأول في مصر الشيخ حسن العطار على رأس مشيخة الجامع الأزهر" (ص. 83).

إن من مقتضيات الحقوق الإنسانية أن الدولة لا تتعرض للإنسان في أمور بيته من نحو زواجه وتربية أولاده وأكله وشربه ولباسه، فإن هذه الأمور خاصة به لا يسوغ لأحد أن يعارضه فيها. وإنما يعارض في معاملاته العمومية.

تنقل الشدياق بين بلدان كثيرة منها إنجلترا ومالطا وتونس وفرنسا، فتعلم اللغة الإنجليزية واللغة الفرنسية واطلع على الآداب الفرنسية وثقافتها، وقرأ لـ"شاتوبريان" و"لامرتين" و"منتسكيو" و"فولتير" وغيرهم. وفي تونس اتصل بأبرز أعلام الثقافة والفكر والأدب، مثل الوزير خير الدين ومصطفى خزندار ومحمود قبادو والشيخ سالم بوحاجب، فحضر مجالسهم وكان لها تأثير بالغ في تحوله إلى الإسلام وفق ما يذهب إليه محمد الهادي المطوي في كتابه آنف الذكر: "على أن دوره فيما نتصور سيكون أعظم في الجلسات التي تعقدها جماعة الإصلاح في تونس السابق ذكرهم. ولا شك في أنه كان، وهو الخبير بشؤون أوروبا يحدثهم عن نهضتها وأسباب تقدمها ومشاهداته فيها على النحو الذي سجله في كتاباته عنها. كما أنه كان يقترح فيما يظن إلى جانب ما يسمعه من التونسيين حلولاً لنهضة أمة العرب ودركها مكانة تعيد لها ألق مجدها وقوة عزتها. ومن البديهي كذلك أن هذه الجماعة كانت تخوض في مسائل دينية، فيعجب التونسيون وجلهم من شيوخ الزيتونة من هذا النصراني الواسع العلم والثقافة، المتضلع في العربية تضلعاً يكاد يندر وجوده حتى بين المسلمين أنفسهم، العارف بالقرآن وسائر العلوم الإسلامية معرفة المسلمين لها، وهو ما يزال على نصرانيته لا ينشرح صدره للإسلام". ويضيف الكاتب: "وهكذا وفي هذا الجو التونسي الإسلامي تطرح القضية الدينية نفسها على الشدياق للمرة الثانية. وكما دعته عوامل سابقة إلى التحول عن المارونية إلى البروتستانتية دعته عوامل أخرى إلى اعتناق الإسلام متخليا بذلك عن المذهب الذي تحول إليه من قبل" (ص. ص. 136 – 137)

كان الشدياق من أول المصلحين المنادين بحقوق الإنسان بوصفها مقوماً من مقومات النهوض، إذ يقول: "إن من مقتضيات الحقوق الإنسانية أن الدولة لا تتعرض للإنسان في أمور بيته من نحو زواجه وتربية أولاده وأكله وشربه ولباسه، فإن هذه الأمور خاصة به لا يسوغ لأحد أن يعارضه فيها. وإنما يعارض في معاملاته العمومية. وذلك كأن يكون مولعاً بحب الشراب فيشرب في الحانات ويعربد على الناس في الطرق، أو يكون مشهوراً بالغبن والإفساد وأذى جيرانه ومعارفه، إلا أن تلك الحقوق الخاصة متى آلت إلى الفساد والشر واشتهر علم ذلك عند الجيران صارت بمنزلة الحقوق العمومية، فيكون للدولة والحالة هذه أن تتعرض له فيها" (الجوائب 369، 8/12/1868)

ومن أهم هذه الحقوق العدل: "ومعلوم أن العدل هو قوام كل شيء حتى قال بعض الحكماء إن اللصوص إذا حادت عن العدل بالنسبة إلى معاملة أحدهم مع الآخر لم يتهيأ لهم أن يسرقوا شيئاً". ويربطه بمنظومة قانونية واضحة يجب أن يتوفر عليها كل حكم عادل: "إن العدل لا يوجد إذا كانت المصالح الإدارية والنظامية غير مقيدة بقوانين معلومة" (الجوائب 849، 28/3/1877).

كما دعا أيضا إلى الحرية أساساً من أسس الدولة الحديثة التي تريد الرقي والتقدم: "وأما حد الحرية، فقد أشرنا إليه في بعض الجوائب السابقة من أنه على رأي الأكثرين الاتصاف بالقدرة على العمل. وعليه فنقول إنه ليس لأحد من الناس حرية تامة لأنه إذا قدر على بعض العمل عجز عن البعض الآخر، ولو كان لواحد حرية على عمل كل ما أراد لكان ذلك إجحافاً بحرية غيره ممن لا يريد ما أراد. فإن تزاحم القدرة مؤد إلى تشاجب الإرادة وطرو الضرر"، وهو تعريف يتوافق مع تعريف "مونتسكيو" للحرية بأنها "الحق في إتيان كل ما تسمح به القوانين، ومع ما أعلنته وثيقة إعلان حقوق الإنسان" كما يرى محمد الهادي المطوي (ص. ص. 598 - 599).

كما نادى الشدياق بفصل الدين عن الدولة خوفاً من سيطرة الدين على الدولة. ويرى المطوي "أن نظرية الفصل بين الدين والدولة التي وفدت إلينا من الغرب الأوروبي قد اتخذت لدى الشدياق طابعاً مسيحياً، وهي في نظرنا أول دعوة عربية إلى علمانية الدولة. ومما يدل على ذلك أن النهضويين العرب الأولين، مثل الطهطاوي لم يفصلوا بين الإسلام والدولة فصل الشدياق بينها وبين المسيحية. وذلك لخطورة النتائج المترتبة على ذلك الفصل الذي لم يخض فيه الشدياق بدوره إما خوفاً من الخلفاء العثمانيين، أو تهرباً من التهمة برقة الإسلام، أو لإيمانه بأن ذلك الفصل يجعل الإسلام ديناً مجرداً من مضامينه السياسية والاجتماعية التي تعتبر من امتيازات الإسلام على سائر الأديان". (ص. 619)

وهذا ما سيدفعه إلى المناداة بضرورة الفصل بين السلطات التي نظّر لها "جون لوك" من قبل، لأن الجمع بين السلطات في قبضة واحدة، بالنسبة إليه "حالة ممنوعة عقلاً وشرعاً" (عن المطوي ص. 621)

ودعا الشدياق إلى ضرورة الاهتمام بالعلم بوصفه السبيل الوحيدة لتجاوز حالة التردي التي تعيشها الأمة العربية، وانتقد النموذج العلمي الغربي نافياً عنه أن يكون معجزة صعبة التحقيق كي "يقنع العرب بأن أسطورة التقدم العلمي الغربي ليست كما يتصور من الكمال، أو أنها أمر لا يطال، بل أنهم بإمكانهم أن يضارعوا أو يفوقوا الغرب لو تعلقت إرادتهم بذلك العلم ووجدوا التشجيع الذي يجده الغربيون من مفكريهم ودولهم" (المطوي، ص. 754)

ودعا الشدياق إلى ضرورة الاهتمام بالعلم بوصفه السبيل الوحيدة لتجاوز حالة التردي التي تعيشها الأمة العربية، وانتقد النموذج العلمي الغربي نافياً عنه أن يكون معجزة صعبة التحقيق.

كتب الشدياق المقامة والقصة القصيرة والسيرة الذاتية والمقالة الصحفية والشعر، ونشرت له مؤلفات عديدة تعكس تكويناً ثرياً واطلاعاً واسعاً على الفكر الأوروبي والعربي، والإلمام بما كان يعتمل في الواقع العربي من مشكلات وأزمات وعلى رأسها صدمة التخلف الحضاري التي ساهمت في دفعه نحو خوض غمار الفكر والتنظير والتأمل والنقد.

وقد كان للشدياق السبق في فنون من القول عديدة أهمها القصة القصيرة والرواية السيرذاتية، حسب ما يقرره محمد الهادي المطوي في كتابه عنه: "وأما في القصة فإن الدور التأسيسي للشدياق لا يمكن دفعه سواء بما ترجمه ولخصه عن القصة الأوروبية، أو بمقاماته التي جاءت في بعض جوانبها على طراز حديث بالنسبة إلى الطراز القديم، أو بكتابه الساق على الساق الذي يمكن اعتباره، عدا كونه رحلة وأول سيرة ذاتية في الأدب العربي الحديث بالمعنى الفني لهذه الكلمة، من الروايات الذاتية والحضارية التي فتح بها الشدياق الباب لمن سيأتي بعده من الروائيين الذين نكثر اليوم من الحديث عنهم والتنويه بآثارهم في هذا الموضوع" (ص. 883)

ترك الشدياق جملة من الآثار الغزيرة من أهمها:

في الترجمة: كان مترجماً في صحيفة الوقائع بالقاهرة والجوائب بالأستانة، وعَرَّبَ مجلة الأحكام العدلية من اللغة التركية، وأسهم في ترجمة الكتاب المقدس ببريطانيا، وله ترجمة للتوراة وتنقيحها في نحو سبعمئة صفحة وهي مفقودة، كما ترجم أسرار طبائع الحيوان لأرسطو.

في التحقيق: حقق "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار" لابن بطوطة، و"الموازنة بين أبي تمام والبحتري"، و"رسائل الخوارزمي"، و"رسائل بديع الزمان الهمذاني"، و"ديوان البحتري"، و"رسالتا الصداقة والصديق"، و"العلوم" لأبي حيان التوحيدي، وجلها طبع في الأستانة.

ومن مؤلفاته: "الواسطة في معرفة أحوال مالطة"، و"كشف المخبا عن فنون أوربا"، وهما كتابان يشتبك فيهما العلم بالإبداع كما يشتبك الواقع بالحلم والخيال. وله "سر الليال في القلب والإبدال"، و"الجاسوس على القاموس"، و"اللفيف في كل معنى طريف"، و"نحو اللغة الإنكليزية"، و"الصرف الفرنساوي"، و"منتهى العجب في خصائص لغة العرب"، و"النفائس في إنشاء أحمد بن فارس".

وله كتاب في السيرة الذاتية اسمه «الساق على الساق فيما هو الفارياق»، وله ديوان شعر، ورسائل ومحررات أدبية، إضافة إلى مقالاته: كنز الرغائب في منتخبات الجوائبـ سبع مجلدات، تخيرها ولده سليم، ومحاوراته أعلام عصره من أمثال إبراهيم اليازجي وناصيف اليازجي وبطرس
البستاني وسواهم.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق