الشرعية الدينية لأفعال "داعش" ضد الآثار
17 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

*باحث عراقي وأستاذ فلسفة الحضارة
د. عامر الوائلي *

 

اليوم ثمة عالم جديد يفرض رؤيته من الأفكار المعاصرة، وهذه الأفكار تنتمي إلىمشروع الحداثة المشتمل على: أفكار حقوق الإنسان، والتعددية الثقافية، والدينية، وهي أفكار تؤمن بالتنوع، وبالتالي نحن ننتمي إلى فكر عالمي لا يمكن نفيه، أو التعالي عليه. ومن هنا كانت أفكار العنف الرمزي بحق الآخر، جسده أو آثاره، عنفاً مرفوضاً قانونيا وأخلاقيا.

إن المجتمعات العربية والإسلامية تعيش جزءًا من هذا العالم المعولم، تعيش عملية العولمة، وهو عالم سريع التحول وسريع التغير، وبالتالي يسعى الإنسان المسلم باستمرار، لأن يقوم بعملية تكيف وتعايش بين نصه الديني وبين الحياة الواقعية؛ فلذلك تُعرض عليه كثير من الأسئلة ذات طابع جديد، فيلجأ إلى الفتوى التي قد تملأ الفراغ الحادث بين النص الديني وبين الواقع([1])، بمعنى أن القراءات الإسلامية لا يمكن أن تتعالى على تاريخيتها والظروف التي ولدت فيها، ولكنها لا تستغني عن الأخذ بالمستجدات لكي تحدث تحولا عميقا في قراءتها لموروثها بما يجعلها تستجيب إلى التحولات المعاصرة، وصولا إلى تأويل معاصر دينامي.

أحدث التدمير الذي قامت به داعش خرقا غير مسبوق في المنظومة الحقوقية والأخلاقية، مدفوعا بأفكار مخالفة بشدة لمنطق العصر

لكن يبدو أن الأحداث التي رافقت ظهور داعش في قلب الآثار التاريخية يكشف عن طبيعة الذهنية المتحكمة بخطاب الإسلام السياسي أوالإسلام الأيديولوجي الموجود في الحواضر التي تمثلها المرجعيات التراثية السائدة في العالم الوسيط. فهذا التدمير الذي قامت به داعش أحدث خرقا غير مسبوق في المنظومة الحقوقية والأخلاقية، مدفوعا بأفكار مخالفة بشدة لمنطق العصر. ومن تلك الأحداث العنيفة التي رافقت انسحاب داعش من آثار قديمة، وهي آثار مدينة تدْمُر الأثرية، نجد أن هذه الآثار كشفت عن عمق الرؤية لدى أحد روافد الفكر الإسلامي الذي يغذي ويشرع مسوغات أحكام لأفعال يقوم بها فاعلون دينيون يمارسون الجهاد بحق الآخر. هذا الجهاد يمكن تلمس أثره في تدْمُر الأثرية (في سياق الأعمال الإجرامية لإرهابيي "داعش" حيث القسم الأكبر من الآثار هدّم، وعند انسحابهم وضع المسلحون الألغام في المتبقي)([2]).

وقد تناولت الخبر جهةٌ معنية تابعة للحكومة البريطانية مفاده أن "تنظيم داعش يهرّب القطع الأثرية التاريخية من سوريا والعراق من أجل رفع إيراداته المالية"، مشددا على أهمية "تضافر الجهود الإقليمية والدولية لمواجهة التدمير الكبير الذي يقوم به داعش ضد التراث في البلدين عبر تدميره أو تهريبه وبيعه في الأسواق"([3]).

فالتوصيف للأحداث ينطلق من بنية معاصرة تقابلها بنية تراثية تحاول معالجة المفهوم بمنطق العصر الوسيط، الغزو والجهاد المقدس الذي عاود الظهور في نجد مع آخر المرجعيات التي تقرأ انطلاقا من موجهات وسيطة أخذت تمثل تمثيلا معاصرا، إلا أنها لا تنتمي إلى منطق العلاقات الحديثة، بل إلى مرجعيات دينية شكلتها العقلية الدينية، إلا أَنها تأثرت بالقراءَات الشمولية المعاصرة.

فهذه القراءَات اليوم، هي تمثلات أيديولوجية توظف الموروث من أجل الهيمنة، وبالتالي نحن أمام موروث من القراءَات الوسيطة التي تشكل قطيعة مع الفهم الحديث والمعاصر، كما هو قار في المؤسسات الدينية التقليدية، التي تكرر بلا هوادة المقولات التراثية. وعلى الرغم من تقاطعها مع الفكر المعاصر، إلا أَنها تعبّر عن أَصولية موجودة في الإسلام والمسيحية واليهودية تريد إحياء القديم، وتأطير السلوك والفكر عبر مدارسها ومؤسساتها التعليمية الوعظية.

ونحن بين قراءات إسلامية سياسية، تأخذ من الفكر المعاصر التوظيف الأيديولوجي وتمارس العنف الرمزي، نجد أنفسنا أمام قطيعة بيننا وبين العالم، على الرغم من أن الخطاب التلفيقي في المؤسسات الرسمية، مثل الأزهر الذي لا يستطيع تكفير داعش؛ لأنه كأنما يكفر نفسه وسلفيته؛ فالموقف الذي أخذه الأزهر وباقي المؤسسات التقليدية موقف تلفيقي يريد الجمع بين التراث والفكر المعاصر، على الرغم من التباين بين الاثنين. وعلى الرغم من أن الفكر الغربي يدرك هذا، إلا أنه يحاول أن يجد حلفاء له، وهو يواجه الإسلام السياسي التكفيري؛ فأقرب الناس إليه هم ممثلو الإسلام التقليدي؛ فالتقرير يحاول وصف حدث تدمير الآثار الذي وقع وتقاطعه مع الفكر الحديث، وسعيه لأن يجد حلفاء له من الأطراف التقليدية التيولوجية؛ فيصف الوقائع كالتالي:

-        في العراق قام داعش بتفجير الكنيسة الخضراء، وهي واحدة من أقدم الكنائس المسيحية في الشرق الأوسط، ومسجد النبي يونس أيضا.

-      إن التدمير الوحشي يؤثر بشكل كبير على التنوع في الشرق الأوسط، فهو يقوّض التراث الثقافي الغني والتاريخ والشعور بالانتماء لكل الأديان والطوائف في سوريا والعراق.

-        اعتبر الأزهر ما يقوم به داعش من تدمير وتهريب للآثار، منافيا لتعاليم الدين الإسلامي، وأن ما يقوم به التنظيم الإرهابي من تدمير للتراث الحضاري وهدم للآثار بالمناطق الخاضعة لنفوذه بالعراق وسوريا وليبيا، أمر محرم شرعا ومرفوض جملة وتفصيلا.

-    استند التقرير البريطاني إلى بيان للأزهر([4]) جاء فيه: إن "تدمير التراث الحضاري يُعد جريمة كبرى في حق العالم بأسره، والتي كان آخرها جريمة (داعش) في شمال العراق، حين جرفت آلياته الثقيلة مدينة نمرود الآشورية الأثرية، مستبيحة المعالم الأثرية التي تعود للقرن الثالث عشر قبل الميلاد وما بعده".

هكذا يمكن تلخيص الواقعة وموقف العالم منها، ومنهم الأزهر، لكن هل فعلا كانت داعش بلا شرعية دينية؟

كشفت الآثار عن عمق الرؤية لدى أحد روافد الفكر الإسلامي الذي يغذي ويشرع مسوغات أحكام لأفعال يقوم بها فاعلون دينيون يمارسون الجهاد بحق الآخر

تضعنا الإجابة عن هذا السؤال أمام المنظومة التشريعية الإسلامية التي تقوم عليها داعش، وماهية امتداد تلك البنية التحتية والروابط المسكوت عنها.

يبدو واضحًا أن داعش هو أحد تجليات الإسلام السياسي، وأنه يشكل تحديًا كبيرا للخطاب الإسلامي التيولوجي، أو الإسلام الموروث. لقد نقل داعش الكثير مما هو منسي من المواقف الإسلامية التي كانت حبيسة المدونات الفقهية، فجعلها تظهر إلى العلن، مما ولّد صدمة مع السائد من القانون المدني، المتمثل في حقوق الإنسان في العالم، وتشريعات جاءت كمنجزات معاصرة بعد نضال طويل حتى استقرت.

جاء داعش ليعبّر بعمق عن "العودة إلى الذات"، وفقا للمدونات الفقهية التي تخالف كل الاجتهادات الإصلاحية التي حدثت في المدونة الفقهية، والتي تعد قراءَات بشرية متطورة عما كان سائدا. لأن داعش يميل إلى قراءة محددة، سلفية، إخوانية نجدية قائمة على قراءَة متشددة للموروث، تعد هي المصدر الشرعي لأفعاله كلها، وتسندها وقائع تاريخية.

وأصبحت تلك القراءة تشكل خرقا لما هو حداثي وتعبيرا ارتكاسيا، ومرجعا للحركات المتشددة التي تنسب إليها كل الأفعال المتشددة العنيفة والمتطرفة المشبعة بالعنف. لكن من اللافت للنظر أن الخطاب الإسلامي يقف موقفاً رافضاً للآثار، وهذا الأمر ليس غريبًا على المتابع للأحداث التي جاءت من أفغانستان. فهناك كان لحركة طالبان موقف يمثل المرجعية المعاصرة للإسلام السياسي، وموقفه من الآثار البوذية هناك، والتي كانت تمثل مرجعيات دينية لأديان تلاشت في البلاد؛ إلا أن طالبان تعرف أن لهذه الآثار مرجعية ثقافية عالمية، وأنها تعد مرجعية دينية لشعوب أخرى في أمم مازال لهذا الدين حضور فيها.

هنا نحاول التأكيد على التحولات المعاصرة والعودة المحمودة إلى الذات التي جاء بها الإسلام السياسي، الذي أراد أن يقوم بمشروع إحياء الهوية وحقنها بالمفاهيم الأيديولوجية، والذي أحدث قطيعة مع التحولات، الإبستمولوجية في ظل تعدُّد وتنوُّع الفكر المعاصر على الصعيد الأخلاقي والاجتماعي والنفسي. فهذه التحولات كانت قد جاءت بمجموعة من الإصلاحيين الذين أرادوا أن يحدثوا إصلاحا وتجديدا، إلا أنهم واجهوا مقاومة أو تم إقصاؤهم.

وأول موقف يطالعنا من تفجير الآثار وتدميرها هو موقف جملة من العلماء ممن ينتمون إلى الإسلام التقليدي؛ علماء ومؤرخون، ومنهم آثاريون، رأوا أن "القرآن الكريم دعا إلى التفكر والتدبر والسير في الأرض للنظر في سير الآخرين، وأخذ العظة منهم. غير أن هؤلاء أكدوا أن ما خلَّفه المصريون القدماء من تماثيل لا تتم عبادتها كما كان يحدث إبَّان الجاهلية الأولى. وعلاوة على ذلك، فإنه يمكن أن تُتخذ للعظة والعبرة، لأن منها ما هو آثار إسلامية، عبارة عن قلاع وحصون، كان يتم استخدامها للذود عن ديار المسلمين، كما كان يفعل القائد صلاح الدين في مواجهة التتار، مما دفعه إلى إقامة قلعتيه في كل من القاهرة ودمشق".([5])

أي أنهم مازالوا يحتكمون إلى القراءة السلفية القارة، وإن سكتوا عن العنف بحق مقدسات الآخرين من المسيحيين والصابئة والأيزيدية والمسلمين، مثل آثار وجوامع الصوفية والمذاهب الفقهية الأخرى، وهو موقف ينطلق من الذهنية التراثية، وليس فيه اختلاف. لكن مازال هناك دافع لأن نكشف عن المرجعيات المحافظة التي تقف وراء داعش وتشكك في الموقف الشرعي الذي يوجه هذا الفعل، ويمنحه المشروعية، حيث نجد أن هناك موقفين:

الأول يرفض العمل خصوصا في تلك البلدان التي تمتلك الآثار في العراق وسوريا، ومعها كثير من التصريحات التي تعطي كلاما مختلفا يستجيب للذهنية المعاصرة محليا وعالميا، وهي ذهنية تذكرنا بالرؤية التجديدية التي جاء بها مفكرو النهضة العربية الحديثة، ومنهم "محمد عبده"([6])، إذ إنه قبل الجريمة الداعشية المذكورة بقرنٍ وعقد، تحديداً في شهر مارس (آذار) 1904، كتب مفتي الديار المصرية آنذاك، الإمام محمد عبده، باسمه المستعار "سائح بصير"، مقالاً في مجلة "المنار" التي كان يصدرها محمد رشيد رضا، عن زيارة قام بها لجزيرة صقلية، وقد جاء فيه: "لا تبخس أهل سيسليا (صقلية) حقهم، فإنّهم فهموا مسألة لا بأس بفهمها، وأظنهم عرفوا ذلك من إخوانهم أهل شمالي إيطاليا وبقية الأوروبيين، وهي المحافظة على الآثار القديمة والجديدة".

لم يخفِ الإمام محمد عبده إعجابه بظاهرة اهتمام الصقليين بالآثار، لا بل استفاض في الكتابة عن مشاهداته، مشيداً بحرص هؤلاء القوم على حفظ الصور المرسومة على الورق والنسيج، وكذلك التماثيل.

وفي معرض تفسيره لهذا "الحرص الغريب"، كتب الإمام محمد عبده: "إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر، وضبطه في دواوينه، والمبالغة في تحريره، خصوصاً شعر الجاهلية، وما عني الأوائل - رحمهم الله - بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يُرى ولا يُسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يُسمع ولا يُرى".

وعلى أثر ذلك، انطلق الإمام محمد عبده في الحديث عن "حكم هذه الصور في الشريعة الإسلامية"، و "هل هذا حرام أو جائز أو مكروه أو مندوب أو واجب؟"، فقال: "إنّ الراسم قد رسم، والفائدة محققة لا نزاع فيها، ومعنى العبادة وتعظيم التمثال أو الصورة قد محي من الأذهان، فإما أن تفهم الحكم من نفسك بعد ظهور الواقعة، وإما أن ترفع سؤالاً إلى المفتي، وهو يجيبك مشافهة".

واستطرد: "إذا أوردت عليه (المفتي، وهو نفسه كاتب المقال) حديث: إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصوّرون، أو ما في معناه مما ورد في الصحيح، فالذي يغلب على ظني أنه سيقول لك: إن الحديث جاء في أيام الوثنية، وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول اللهو، والثاني التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين. والأول مما يبغضه الدين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه. والمصور في الحالين شاغل عن الله، أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات".

وأضاف مفتي الديار المصرية: "يغلب على ظني أن الشريعة الإسلامية أبعد من أن تحرّم وسيلة من أفضل وسائل العلم، بعد تحقيق أنه لا خطر فيها على الدين لا من جهة العقيدة ولا من وجهة العمل".([7])

نجد هناك من يحاول أن ينتهج منهجا وسطيا، وهو قريب من الإصلاحي عبده في عرضه، إلا أنه ينتهج منهجه في الاستدلال ويشابه أغلبَ تحليلات المؤسسات الدينية العربية والإسلامية في موقفها من الحادثة، وهي تقارب الأمر لتدفع عن الإسلام هذا الأمر وما يصيبه من تقولات، وكأنهم يريدون الدفاع عن الإسلام ممن يتهمونه أنه مضاد للثقافة القديمة ومنتجاتها الحضارية. إذ يشير هذا النهج إلى هذا الأمر بالقول: "بالمقابل كانت هناك مواقف تنحو هذا المنحى، فقد جاء في إحدى تلك الأقوال: جرت أقلام بعض المنتسبين إلى الإسلام لتبيح وتحلل وتفتري وتكذب زوراً باسم الإسلام في قضية هدم تمثالي بوذا. ولقد اتكأ أصحابها في أقاويلهم الباطلة على جملة من الشبه، وظنوا أن باطلهم سينفق، فافتروا على الصحابة الفاتحين، بل وافتروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يأت لهدم التماثيل قصداً كما فعلت حركة طالبان حين هدمت التمثالين. ولكن أنى لهم الوصول إلى أغراضهم وألسن العلماء لهم بالمرصاد؟! فلا يصح القول بأن الهدم كان للأصنام المعبودة في مكة أو المدينة أو الجزيرة العربية، وأبقيت التماثيل التي لم تعبد من دون الله".([8])

بالمقابل، نجد تأصيلات وتأويلات مختلفة تعتمد قراءة سلفية للنص، وهي بالتالي تنتمي الى التأويل النجدي للتراث، التي تكفر المخالفين لها، وتعتبر ما كتبه الإمام محمد عبده أو عدوه انحرافا يستوجب "تكفير" صاحبه. إنهم يستندون إلى مرجعيات حاكمة في بعض الدول العربية، تتبنى تلك المرجعيات وتتخذ منها مرجعية في تدينها. وعلى الرغم من أنها تدعي أنها غير منتهجة منهجا للتكفير، إلا أنها تكفر كل مخالف لقراءتها. وفي رؤيتها للتوحيد([9]) فهي تعد هذه الآثار من أعظم وسائل الشرك، وهنا يجمعون بين الآثار والمراقد والزيارات لدى الفرق الإسلامية، أو غير الإسلامية. فالفرق الإسلامية تعد تلك الزيارات من السنة، ولهم أحاديث ومواقع يستدلون بها، فيما أصحاب هذه القراءة؛ أي المدرسة النجدية الإخوانية ومرجعياتهم في التوحيد، يعدون تلك المزارات والزيارات أو الآثار من أعظم وسائل الشرك. ولعل هذا يظهر واضحا في فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز 1/391 . وقد تضمنت الإجابة عمن يسأل عن تلك المراقد والزيارات والآثار (وإذا عبدت بيوت الأنبياء والصالحين، فما الفرق بينها وبين قبر اللات؟ أليس اللات قبر رجل صالح؟ فهل يجوز بقاء هذه الأوثان، سواء كان بيتاً أم قبةً، أم حجراً أم صنماً؟ والمؤمن الموحِّد المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم يسأل نفسه: هل حفظ لنا النبي صلى الله عليه وسلم قبور الأنبياء أو بيوتهم أو أماكنهم؟ أين قبر نوح وإبراهيم وموسى عليهم السلام؟! ولماذا لم تحفظ لنا الشريعة أماكن بيوت الأنبياء والصالحين؟!! وأين هي بيوت الصالحين من قوم عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء؟ وأين هي أماكن عبادتهم؟ وهل أرشد النبي إلى زيارة المساجد التي صلى فيها الصالحون دون غيرها كما فضل المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى؟!)

أول موقف يطالعنا من تفجير الآثار وتدميرها هو موقف علماء ومؤرخين، ومنهم آثاريون، رأوا أن "القرآن الكريم دعا إلى التفكر والتدبر والسير في الأرض للنظر في سير الآخرين، وأخذ العظة منهم"

وكانت هناك مطالب تقدم بها بعض الباحثين([10]) تقول باستثمار الآثار الإسلامية وتعظيمها كما هو حال باقي الآثار الغربية والفرعونية في مصر، ومن هذه الآثار الإسلامية: غار حراء، وغار ثور، وهنا جاءت الإجابة التي قدمها الشيخ ابن باز:

"ولما كان تعظيم الآثار الإسلامية بالوسائل هذه يخالف الأدلة الشرعية وما درج عليه سلف الأمة وأئمتها من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى أن مضت القرون المفضلة، ويترتب عليه مشابهة الكفار في تعظيم آثار عظمائهم، وغلو الجهال في هذه الآثار من الأمور الشرعية، وهي في الحقيقة من البدع المحدثة، ومن وسائل الشرك، ومن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم آثار أنبيائهم وصالحيهم واتخاذها معابد، ومزارات".)[11])

وهناك قراءات أخرى تشارك القراءة النجدية المرجعية السلفية، كما جاء لدى الشيخ محمد حسان([12])، وهو المحسوب على التيار السلفي، بخصوص تحريمه للتماثيل الأثرية، وأحقيّة المواطنين في الاستيلاء على ما يعثرون عليه من آثار في منازلهم، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة في أوساط مسؤولي الآثار المصرية.وورد في نص هذه الفتوى ردًّا على أحد المستفتين أنه "إذا كانت الآثار في أرض تملكها أو في بيت لك، فهذا حقك ورزقك، ساقه الله لك، ولا إثم عليك ولا حرج، وليس من حق دولة ولا مجلس، ولا أي أحد أن يسلبك هذا الحق، سواء أكان ذهبًا أو كنزًا، أما إذا كانت تلك الآثار تجسد أشخاصًا فعليك أن تطمسها، لأن النبي نهى عن بيعها، ومن حَرُمَ بيعه حرم ثمنه. وأما إن كانت هذه الآثار في أرض عامة تمتلكها الدولة، فليس من حقك أن تأخذها أو تهرِّبها أو تسرقها وتبيعها، فهذا حرام ومالُها حرام"..([13])

هناك تأصيلات وتأويلات مختلفة تعتمد قراءة سلفية للنص، وهي بالتالي تنتمي الى التأويل النجدي للتراث، التي تكفر المخالفين لها، وتعتبر ما كتبه الإمام محمد عبده أو عدوه انحرافا يستوجب "تكفير" صاحبه

الخاتمة

ما نصل إليه من استدلال أن داعش تنظيم ديني يلتزم بالموجهات الشرعية التي تقوم عليها أغلب القراءات السلفية التي تعطي هذا الحكم، على الرغم من اختلافاتها الآنية؛ إلا أنها تبقى متوافقة وتدخل ضمن المسكوت عنه في هذا الجانب. إلا أن الرافد المباشر لهذه القراءة هو الرافد النجدي الإخواني، حيث إن هذه القراءة تعد المعين الذي تستشف منه المنظمات الجهادية الأصولية ومنها داعش في تعاملها مع الآثار. فهي رموز للكفر ولا بد من إزالتها، سواء كانت قديمة أم تابعة للمسيحيين وغيرهم، أو للمسلمين بطوائفهم المختلفة. فهي تعد رموزا شركية، والتي تناسلت في الدوائر الرسمية العربية وخصوصا جامعة الدول العربية([14]). إنه يمكن العودة إليها والاستدلال بها على ما ذهبنا إليه. وبالتالي، فإن الحل يقوم على التعامل مع تلك القراءات بالنقد العلمي، والتعامل معها بقراءة بشرية قابلة للنقد والتقويم. وهذا لا يتحقق دون تأويل ودون قوانين تمنح الحرية وتحرص عليها في ظل خطاب مدني تعددي يقوم على الاعتراف بالمختلف، وبحقه في الوجود والوطن، بوصفه شريكا له كامل الحقوق بوصفه مواطنا. 

[1]سوسيولوجية الفتوى لحيدر إبراهيم – شبكة ضياء للمؤتمرات والدراسات.

[2] الإرهابيون خلال انسحابهم من تدمر هدموا قسما كبيرا من الآثار-http://arabic.sputniknews.com/arab_world/20160328/1018075545.htm

وعلى هذا الأساس يطالبون بتطبيق ما جاء في تلك الديانات والكتب بحذافيرها، حتى وإن خالفت حقوق الإنسان كما سنت عليه المواثيق الدولية. فمنهم من يريد قتل المرتد ورجم الزاني وقطع يد السارق وتطبيق القصاص (العين بالعين والسن بالسن) وفرض الجزية على غير المسلمين وانتقاص حقوقهم وكسر التماثيل والصور والأخذ بنظام السبي وملك اليمين والرق ومنع الموسيقى والفن وغيرها من النظم التي لم تعد تناسب عصرنا.http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=360479

[3] جاء هذا الخبر في جريدة جدة السعودية: بريطانيا: داعش تبيع آثار وتراث العراق وسوريا لتمويل الإرهاب: http://www.alriyadh.com/1034562

[4]انظر الرابط التالي: http://dw.com/p/1EzAb

[5]الآثار في نظر الإسلام، http://magazine.islamtoday.net/m/art.aspx?ID=725

[6] لعائلة تنتمي إلى تلك الطبقة الوسطى الخلاقة في مصر الحديثة، طبقة العائلات ذات المكانة المحلية التي تتصف بالعلم والتقوى، وتشكل الطبقة الوسطى - كما هو معروف في علم الاجتماع- الحاضنة الاجتماعية المولِّدة للثقافة، فهي المنتجة للفكر والأدب والسياسة عالميا عموما، وفي المجتمعات النامية خصوصا. ويقال أن أباه كان من أصل تركي بعيد، وأمه من عائلة عربية تنتسب إلى أبطال الإسلام الأوائل.لاشك أن هذه النشأة في هذه البيئة ستورث الفتى نوعا من الصلابة الداخلية التي تؤهله للمواجهة والمساجلة والمصاولة التي وسمت بداية حياته السياسية ومجمل مسار تجربته الفكرية والإصلاحية والتربوية، بل ووهبته هذا الاعتداد والزهو بالنفس إلى الحد الذي قال عنه الخديوي عباس: "إنه يدخل علي كأنه فرعون!عبد الرزاق عيد، محمد عبده إمام الحداثةالشرعية الدستورية,file:///C:/Documents%20and%20Settings/HHH/Desktop/محمد%20عبدة.htm#_ftn1

[7] و سام متي، الإسلام والتماثيل، بين محمد عبده وأبيس بكر البغدادي، http://raseef22.com/politics/2015/03/29/statue-smashing-and-islam

[8] للشيخ: (محمد إسماعيل المقدم، ، الإسلام عدو الأصنام، https://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=lecview&sid=337

[9] مفهوم التوحيد: عند محمد بن عبد الوهاب: ركز هذا الكتاب على توحيد العبادة، وهو توحيد الألوهية، والتحذير من الشرك الأكبر والأصغر، مع الكلام على توحيد الأسماء والصفات، وبيان الأدلة من الكتاب والسنة على خطر الشرك، وبيان ما بعث الله به رسله من التوحيد.وقد بدأ المصنف هذا الكتاب ببيان توحيد العبادة؛ لأن أكثر الناس في زمانه قد جهلوا هذا التوحيد، ووقعوا في كثير من الأعمال والأقوال التي تنافيه، ثم ختم كتابه بتوحيد الأسماء والصفات، ليكون هذا الكتاب شاملا لأنواع التوحيد الثلاثة"انظر: عبد الإله بن عثمان الشايع، عناية العلماء بكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، دار طيبة، 1422، ص 21

[10] ونورد الكلام من موقع الشيخ ابن باز: "كتب مقالاً في الموضوع نشرته جريدة المدينة بعددها الصادر برقم (5448) وتاريخ 22/ 4/ 1402 هـ بعنوان (طريق الهجرتين) قال فيه: (والكلمة المنشورة بجريدة المدينة بالعدد (5433) وتاريخ 7/ 4/ 1402 هـ للأستاذ البحاثة عبد القدوس الأنصاري عطفاً على ما قام به الأديب الباحث الأستاذ عبد العزيز الرفاعي من تحقيق للمواقع التي نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق الذي سلكه في هجرته من مكة إلى المدينة المنورة، تدفعنا إلى استنهاض همة المسئولين إلى وضع شواخص تدل عليها، كمثل خيمتين أدنى ما تكونان إلى خيمتي أم معبد، مع ما يلائم بقية المواقع من ذلك بعد اتخاذ الحيطة اللازمة لمنع أي تجاوز يعطيها صفة التقديس أو التبرك أو الانحراف عن مقتضيات الشرع؛ لأن المقصود هو إيقاف الطلبة والدارسين ومن يشاء من السائحين على ما يريدونه من التعرف على هذا الطريق ومواقعه، هذه لمعرفة ما عاناه الرسول صلى الله عليه وسلم في رحلته السرية المتكتمة هذه من متاعب، وذلك لمجرد أخذ العبرة وحمل النفوس على تحمل مشاق الدعوة إلى الله تأسياً بما تحمله في ذلك عليه والسلام، على أن تعمل لها طرق فرعية معبدة تخرج من الطريق العام، وتقام بها نزل واستراحات للسائحين، وأن يعنى أيضاً بتسهيل الصعود إلى أماكن تواجده صلى الله عليه وسلم بدءً بغار حراء، ثم ثور، والكراع حيث تعقبه سراقة بن مالك حتى الوصول إلى قباء، وما سبق ذلك من مواقع في مكة المكرمة كدار الأرقم بن أبي الأرقم، والشعب الذي قوطع هو وأهله فيه، وطريق دخوله في فتح مكة، ثم نزوله بالأبطح، وكذا في الحديبية وحنين وبدر، وكذلك مواقعه في المدينة المنورة، ومواقع غزواته، وتواجده في أريافها، ثم طريقه صلى الله عليه وسلم إلى خيبر وإلى تبوك، وتواجده فيهما لإعطاء المزيد من الإحاطة والإلمام بجهاده الفذ في نشر الدعوة الإسلامية والعمل على التأسي به في ذلك) أ هـ.

كما دعا الدكتور فاروق أخضر في مقاله المنشور في جريدة الجزيرة بعددها رقم (3354) وتاريخ 13/ 1/ 1402 هـ إلى تطوير الأماكن الأثرية في المملكة لزيارتها من قبل المسلمين بصفة مستمرة لضمان الدخل بزعمه بعد نفاذ البترول، ومما استدل به: (أن السياحة الدينية في المسيحية في الفاتيكان تعتبر أحد الدخول الرئيسة للاقتصاد الإيطالي، وأن إسرائيل قد قامت ببيع زجاجات فارغة على اليهود في أمريكا على اعتبار أن هذه الزجاجات مليئة بهواء القدس)، كما أشار إلى أنها ستؤدي من الفوائد أيضا: (في تثبيت العلم بالإسلام عند الأطفال المسلمين... إلخ)" انظر: http://www.binbaz.org.sa/noor-search?query=

[11] فهد بن سعد أبا حسين، أصنام المشركين هل ستحمى باسم الآثار؟ http://www.almoslim.net/node/123803

[12]الشيخ محمد حسان: الاسم: محمد إبراهيم إبراهيم حسان، اسم الشهرة: محمد حسان، الميلاد: 8 / 4 / 1962ولد في قرية دموه مركز دكرنس / الدقهلية، المؤهل: بكالوريوس إعلام - جامعة القاهرة، عمل مدرساً لمادتي الحديث ومناهج المحدثين في كليتي الشريعةوأصول الدين بجامعة الإمام / محمد بن سعود. تلقى العلمعلى يد: -1 - الشيخ عبد العزيز بن باز 2 - الشيخ محمد بن صالح بن العثيمين 3 - الشيخ عبد الله بن الجبرين 4- الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، http://ar.islamway.net/scholar/28.

[13]الآثار في نظر الإسلام، http://magazine.islamtoday.net/m/art.aspx?ID=725

[14] https://www.il7ad.org/vb/showthread.php?t=4628

 

* مقال منشور ضمن ملف العدد السابع والعشرين من مجلة ذوات الثقافية الإلكترونية " التراث الإنساني وخطر الخطاب الجهادي"

* لتصفح  العدد كاملا يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

https://goo.gl/DH6mih

* لتصفح أعداد "مجلة ذوات" الثقافية الإلكترونية يرجى زيارة الرابط أدناه على موقع "مؤسسة مؤمنون بلا حدود":

http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق