الطاغية إذ يكثّف الشر ويتمرّد على صورة الإنسان
12 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

رسم تعبيري – (أرشيفية)
ذوات

حفلت الأدبيات الفلسفية والسياسية والفنون بصور كثيرة للمستبد أو الديكتاتور أو الطاغية في التاريخ الإنساني؛ وربما اجتمعت الآراء في جملتها على تشكيل صورة عن طبيعة الطاغية مع اختلافات بينية لدى كل من قارب هذه الصورة بياناً وبحثاً وتحليلاً.

وكان باحثون تأملوا في صورة الطاغية، وحاولوا تفكيك منظومة الطغيان، كما فعل الباحث المصري إمام عبد الفتاح في كتابه "الطاغية" الذي صدر ضمن سلسلة عالم المعرفة بالكويت في مارس/ آذار 1994، وفيه يذهب إمام إلى أنّ تخلف المجتمعات الشرقية بصفة خاصة، والمجتمعات الإسلامية بصفة عامة، يعود أساساً إلى النظام السياسي الاستبدادي الذي ران على صدور الناس ردحاً طويلاً من الزمن، ولا يكمن الحل في السلوك الأخلاقي الجيد، أو التدين الحق بقدر ما يكمن في ظهور الشخصية الإنسانية المتكاملة التي نالت جميع حقوقها السياسية كاملة غير منقوصة، واعترف المجتمع بقيمتها وكرامتها الإنسانية؛ فالأخلاق الجيدة والتدين الحق نتائج مترتبة على النظام السياسي الجيد لا العكس.

يرى الكواكبي أنّ أشد مراتب الاستبداد التي يُتعوّذ بها من الشيطان، هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية

وهو يستعرض نماذج من صور الطغيان، مع التركيز على الاستبداد الشرقي الشهير، الذي سرق فيه الحاكم وعي الناس عندما أحالهم إلى قطيع من الغنم ليس له سوى وعي ذي اتجاه واحد، كما يقترح حلاً بسيطاً يكسبنا مناعة ضد الطاغية، ويمكننا من الإفلات من قبضته الجهنمية، ويقضي على الانقلابات العسكرية التي أصبحت من سمات المجتمعات المتخلفة وحدها. وهذا الحل هو التطبيق الدقيق للديمقراطية، حيث تتحول قيمها إلى سلوك يومي يمارسه المواطن على نحو طبيعي وبغير افتعال.

ويرى إمام في كتابه أنّ البذور الديمقراطية البالغة الأهمية - في العصر الأول من الإسلام- لم تنمُ ولم تزدهر، بل ماتت بموت أبي بكر وعمر، وأنّ الطاعة العمياء تفترض الجهل فيمن يطيع بل وفيمن يأمر، لأنه لا يفكر ولا يتروى، بل عليه فقط أن يريد.

ومن السمات الأساسية للطاغية أنه لا يكترث برضا الناس أو موافقتهم على حكمه، فالمهم إجبارهم على السمع والطاعة. فبعض الناس يشتريهم الطاغية بالمال أو بالمنصب.. والبعض الآخر يودعهم السجن أو يفصلهم أو يطهرهم أو يصفيهم جسدياً.

والطاغية، أيضاً، قد يلجأ إلى إشاعة الفوضى والبلبلة والاضطراب حتى يشعر الجماهير بحاجتها إليه. كما أنه يجتهد حتى تكون لديه معلومات منتظمة حول كل ما يفعله رعاياه أو يقولونه.

جميع أنظمة الحكم غير الديمقراطية، في نظر إمام، هي أنظمة طغيان أو استبداد بطريقة أو بأخرى، والديكتاتورية هي النظام الحكومي الذي يتولى فيه شخص واحد جميع السلطات ويملي أوامره وقراراته السياسية.

سجل التاريخ أنّ الدساتير لم تصدر إلا بعد ثورات شعبية أو ضغط قوي من جانب الشعب على حكامه، من أجل لجم الطغيان، الذي هو كما يقول عبد الرحمن الكواكبي، صفة للحكومة مطلقة العنان التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقق.

ففي كتابه "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" يؤكد الكواكبي أنّ أضر شيء على الإنسان هو الجهل، وأضر آثار الجهل هو الخوف، وأنّ "العوام هم قوَة المستبد وقوته، بهم عليهم يصول ويطول، يأسرهم فيتهللون لشوكته، ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم، ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته، وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً، وإذا قتل منهم ولم يمثل يعتبرونه رحيماً، ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ، وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بغاة.

الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان، فيسوق الناس إلى اعتقاد أنّ طالب الحق فاجر، وتارك حقه مُطيع، والمُشتكي المُتظلم مُفسِد، والنبيه المُدقق مُلحد، والخامل المسكين صالح، ويُصبح - كذلك- النُّصْح فضولاً، والغيرة عداوة، الشهامة عتوّاً، والحميّة حماقة، والرحمة مرضاً، كما يعتبر أنّ النفاق سياسة والتحايل كياسة والدناءة لُطْف والنذالة دماثة!

 والاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب. أما ديني وشرفي، فالمال المال المال".

في روايته 1984 يتنبأ جورج أوريل بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه وتحولهم إلى أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر

وأشد مراتب الاستبداد التي يُتعوّذ بها من الشيطان، هي حكومة الفرد المطلق، الوارث للعرش، القائد للجيش، الحائز على سلطة دينية. فـ "إنه ما من مستبدّ سياسي إلى الآن إلا ويتخذ له صفة قداسة يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله". ولا أقل من أن يتخذ بطانة من خدمة الدين يعينونه على ظلم الناس باسم الله. وتبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجردة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئًا.

إلى ذلك، فالمستبد لا يخاف من العلوم الدينية المتعلقة بالمعاد، لاعتقاده أنها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة، وإنما يتلهى بها المتهوسون .. لكن ترتعد فرائص المستبد من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية والفلسفة العقلية وحقوق الأمم أو سياسة المدنية.. وغيرها من العلوم الممزقة للغيوم، المبسقة للشموس، المحرقة للرؤوس.

 ومن الأمور المقررة طبيعةً وتاريخياً أنه ما من حكومة عادلة تأمن المسؤولية والمؤاخذة بسبب غفلة الأمة أو التمكن من إغفالها إلا وتسارع إلى التلبس بصفة الاستبداد، وبعد أن تتمكن فيه لا تتركه وفي خدمتها إحدى الوسيلتين العظيمتين: جهالة الأمة، والجنود المنظمة.

إنّ خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم بأسه، لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحق منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجز حقيقي فيه، وخوفهم عن توهم التخاذل فقط.

وتناول الأدب الطغيان في هيئة الفاشية الدينية والسياسية والأيديولوجية وتنبأ بها، وفي كثير من الأحيان كان سابقاً للواقع في رسم ملامح المستقبل حينما يحكمه ويتحكم فيه الفاشيون، حيث أشارت الكاتبة عزة إبراهيم في "اليوم السابع" إلى مسرحية جان بول سارتر "اللعبة القذرة" التي ترسم صورة الإنسان مغيب الوعي بتأثير جماعة أو حزب يسيطر عليه بأنه يشبه حجر الشطرنج ينقله اللاعبون من نقطة لأخرى بحسب المكسب المتوخى من هذه النقلة فى إطار لعبة كبيرة لا يفهمها، هكذا حال الأتباع في السياسة المختلطة بالدين يسيرون بتبعية عمياء خلف قادتهم دون أن يعقلوا حقيقة دورهم في هذه اللعبة، وهذا شكل من صور الطاغية متمثلاً في الجماعة السياسية أو الفاشية أو الدينية.

وفي روايته 1984، يتنبأ جورج أورويل بمصير العالم الذي ستحكمه قوى كبيرة تتقاسم مساحته وسكانه ولا توفر أحلامهم وطموحاتهم، بل تحولهم إلى مجرد أرقام في جمهوريات الأخ الأكبر الذي يراقب كل شيء ويعرف كل شيء، حيث يمثل حكمه الحكم الشمولي. وتتحول القيم الإنسانية كالعدالة والحرية إلى أشياء هامشية ويتسع المجال لسطوة الأحزاب السلطوية والشمولية على الناس والشعوب، ليكونوا مجرد أرقام هامشية في الحياة بلا مشاعر ولا عواطف وليس لديهم طموحات أو آمال، حيث يعملون كالآلات خوفاً من الأخ الأكبر ولينالوا رضاه، لأنه يراقبهم على مدار الساعة.

وقد قارب المخرج السينمائي الإيراني محسن مخملباف صورة الطاغية المستبد في فيلمه "الرئيس" إذ يعاين ما الذي يحدث للمستبد عند تجريده من هالة السلطة والقوة التي تغلفه، وكيف سيتحول إلى مجرد إنسان عادي، وما هو مسار سلوكه بين أنماط الناس السلوكية، هل سيستحيل إلى رجل قاتل أو سارق أو لص ومحتال أو شخص يدعي المثل أو خليط من كل ذلك؟

يقارب المخرج الإيراني محسن مخملباف صورة الطاغية في فيلمه "الرئيس" إذ يعاين ما الذي يحدث للمستبد عند تجريده من هالة السلطة والقوة

ويمضي مخملباف، كما يذكر تقرير بثه موقع "بي بي سي" في اختبار تجربة التجريد من السلطة إلى نهايتها بفعل الثورة وتحويل الديكتاتور إلى شخص مطارد ولص عادي ومتسول ومهرج وموسيقي جوال ومنتحل لصفة سجين سياسي، أي أنها ليست تجربة تجرد عن السلطة مؤقتة كتلك التي كنا نقرأها في التراث وحكايات ألف ليلة وليلة عن المستبد العادل الذي يتنكر ليرى حياة رعيته ويشاركهم همومهم.

يبدأ مخملباف فيلمه بمشهد لرئيس مستبد عجوز (الممثل المسرحي الجورجي ميشا غومياشفيلي) يطل من علو على عاصمته المنارة بالأضواء والنشرات الضوئية الاحتفالية، وليشرح لحفيده (أدى دوره بحضور مميز الطفل الجورجي داتشي ارفيلاشفيلي) لعبة السلطة وغوايتها، ويجعله يمارسها بأن يعطيه تلفونه الرئاسي ليأمر بإطفاء كل أضواء المدينة وإشعالها بكلمة منه.

ومع تكرار اللعبة للطفل تنطفئ الأنوار كلياً ولا تشعل بأوامر الطفل الذي استعذب اللعبة، بل نسمع صوت الرصاص والانفجارات. إنها الثورة.

ويرّحل الديكتاتور عائلته (زوجته وابنتيه) إلى الخارج في طائرة خاصة، إلا أنّ الطفل يصر على البقاء مع جده الذي كان على ثقة من أنه سيسحق التمرد ومن ولاء جيشه وتابعيه له، لكن كل شي يتغير بانقلاب الجيش عليه، ليتحول إلى مطارد مع بعض المقربين منه كسائقه وحارس أمنه الشخصي الذي يقتل دفاعاً عنه.

يقدم المخرج هنا مشهداً مشوقاً وعلى قدر كبير من الشد والتوتر الدرامي، مع ضياع الرئيس ومحاصرته بسيارته الكاديلاك الليموزين وسط الشوارع الممتلئة بالثوار والمتظاهرين.

وكان آخر المتخلين عن الرئيس، هو سائقه الشخصي الذي يتركه بعد هربه بدراجة نارية يسرقونها من رجل مار، ويتجهون بها نحو منطقة نائية.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق