الطاهر مكي.. يتسع صدر اللغة بقدر ما يضيق العالم
12 ابريل 2017 | 0 تعليق

*كاتب وروائي أردني
عاصف الخالدي*

يتسع صدر اللغة العربية للطاهر مكي دوماً، ويحتويه بعد أن ضاقت مساحة الحياة عليه حتى تركته للموت، فمكي يرى أنه لا يوجد أدب معاصر له عمر أطول مما لعمر الأدب العربي، ومرد هذا يعود إلى اللغة، التي يناجيها بشكل أو بآخر حين يقول "إلى قلب كبير، وسعني حين ضاقت بي الدنيا".

ويعتقد مكي، المولود في محافظة قنا المصرية "1924-2017" ، أنّ وحدة الأدب العربي، وقدرة العارف باللغة العربية وقواعدها على قراءة نصوص عربية كتبت قبل ألف وخمسمئة عام، مثلما يُقرأ نص كتب اليوم تقريباً، يعود إلى قواعد اللغة التي حافظت على أنساق صمدت لسنين طويلة وضمنت للقارئ العربي قدرة على فهم النصوص في مستواها الأولي المتعلق بالكلمات والمعاني المباشرة على الأقل.

هذا الاعتقاد بأنّ الأدب العربي يملك وحدة تاريخية أكثر من آداب معاصرة أخرى، لم يأت جزافاً، إذا عرفنا أنّ صاحب كتاب "دراسة في مصادر الأدب" يتقن ما لا يقل عن خمس لغات، منها اللاتينية القديمة، والإسبانية، والبرتغالية، وكذلك الفرنسية والإيطالية، حيث قرأ فيها وترجم منها، مما مكنه من تصدير رأيه هذا عن دراية، وعقد دراسات مقارنة جعلته يستحق لقب "عميد الأدب المقارن".

أتقن مكي ما لا يقل عن خمس لغات، قرأ فيها وترجم منها، وعقد دراسات مقارنة جعلته يستحق لقب "عميد الأدب المقارن".

 بعد دراسته لعلوم القرآن في معهد أزهري، وتوجهه إلى القاهرة ليدرس في دار العلوم، وإعلانه ذات يوم عن محبته لطه حسين؛ لأنه مخلص للغة العربية ويرفض الحديث بالعامية، توجه مكي الذي قال مجايلوه إنه كان صاحب توجهات يسارية لفترة من حياته، إلى دراسة الأدب والتاريخ الأندلسيين وكذلك الفلسفة العربية التي ازدهرت لفترة في عهد الأندلس. فكان له توجهه الخاص في قراءة الأندلس والحفاظ على ما هو قيم من تاريخها الفكري وحضارتها الأدبية والفنية انطلاقاً من إيمانه أنّ الأدب يمكن أن يحتفظ بما هو إنساني وجميل، وعلى كل ما يمكن أن يسقطه التاريخ وتمحوه تغيرات الجغرافيا، فقدم دراسات مهمة حول كتاب: طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي الذي حققه كذلك، وقرأ بشكل مغاير ومقارن، الرؤية الإسبانية والأوروبية للأدب الأندلسي والعربي في كتابيه "الأدب الأندلسي من منظور إسباني"، و"أصداء عربية وإسلامية في العصر الأوروبي الوسيط".

للطاهر المكي، ما يزيد عن خمسة عشر مؤلفاً وكتاباً مترجماً وتحقيقاً. وله طلاب كثر درسهم في مصر، وآخرون عرب وغربيون، حين عمل أستاذاً زائراً في عدة جامعات عربية ودولية بعد تركه التدريس في دار العلوم 1989.

حصل مكي على شهادته الدكتوراة في الأدب والفلسفة العام 1961 من جامعة مدريد، ثم فضّل أن يعود إلى إسبانيا بعد زمن ليقدم إلى أساتذته هناك، ما أبقى عليه العربي من جمال، في خياله عن الأندلس، بعد أن نزع عنها قشرة الحروب.

مكي الذي توفي منذ أيام قليلة عن عمر جاوز التسعين عاماً، وبذات الشهر الذي ولد فيه، قضى حياته بلا زوجة أو أبناء، ويقول شريف صالح، أحد تلامذته ذات يوم، والذي غدا اليوم قاصاً عربياً معروفاً، إنّ الراحل الذي أعجب بكتابته ورشحه للمركز الأول في مسابقة جامعية للقصة القصيرة "أحب ذات يوم فتاة إسبانية"، لكنه لم يستطع الارتباط بها، وهي قصة غير مؤكدة.

وأضاف صالح، أنّ مكي بقي حتى آخر أيامه، وحيداً مع تلك التي حين تضيق به الدنيا يتسع له قلبها، والتي كانت علاقته بها مؤكدة وعميقة وجمالية على الدوام، وهي التي إن احتوت اسماً، فإنه لا يموت، إنها اللغة.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق