العنف الإعلامي: قصف للعقول واغتيال للوعي
21 مارس 2017 | 0 تعليق

*كاتب وباحث وصحافي عراقي
همام طه *

ليس المقصود بالعنف الإعلامي هنا العنف الخشن الذي تنقله أو تحرّض عليه وسائل الإعلام، كعنف الحروب والصراعات والميليشيات والتنظيمات والأنظمة، أو عنف الأفلام والدراما، أو العنف اللفظي أو الرمزي أو الإيحائي القابل للتشخيص المباشر، الذي تطفح به البرامج التلفزيونية والصحافة المكتوبة؛ لكن المعنيّ العنف كقيمة احترافية جوهرية كامنة في الصناعة الإعلامية، وثقافة محرّكة للسلوك الإعلامي سواء كان فردياً أو مؤسسياً؛ سياسياً نظرياً متصلاً بأجندة الوسيلة الإعلامية والفاعلين السياسيين خلفها، أو معرفياً تطبيقياً مرتبطاً بالسياسة التحريرية التي ينفذها الفاعلون الإعلاميون.

إن العمل الإعلامي بطبيعته فعل "عنيف" وقسري وإكراهي موجّه ضد المتلقي، فما دمنا كصحافيين نحرص على التّماهي مع الأجندة الإعلامية لمؤسساتنا، ومحاكاة الذائقة الإخبارية والسياسية المنحازة للجمهور المستهدف؛ فإن ما نمارسه عملياً هو نمط من العنف اللغوي والفكري؛ إذ نقوم بإخضاع الأحداث والوقائع للسياسة التحريرية للوسيلة الإعلامية التي ننتمي إليها، ونستخدم لذلك ما يسميه الباحثون بـ "التأطير"؛ أي تقديم صورة للواقع ضمن "إطار" الأجندة الإعلامية التي نتبناها، فنسمح للمتلقي بأن يرى ويعرف ما نريده حصراً ويغيب عنه ما يتناقض مع رغباتنا السياسية والأيديولوجية والطائفية التي تشكّلها ميولنا واتجاهاتنا الذاتية وعقائد وسياسات ومصالح مؤسساتنا.

يقول الباحث العراقي حارث حسن إن "عملية تمثيل الواقع إعلامياً تشبه عملية رؤية الأمور من إطار الشباك، فصورة الواقع من الشباك تبدو حقيقية لكنها أيضاً محدودة بأبعاد إطار الشباك وبزاوية الرؤية التي يوفرها"، لافتاً إلى تعريف إينتمان لصناعة الخبر بأنها عملية تأطير تقوم على "اختيار جوانب معينة من واقع مُدرَك وجعل هذه الجوانب أكثر بروزاً في النص الخبري، وبهذه الطريقة يتم وضع حدود معينة تتحكم بتعريف المشكلة وبتفسيرها سببياً وبتقويمها أخلاقياً، وأيضاً بتصور سبل معالجتها".

قهر معرفي

لقد بات الإعلام ممارسة عنيفة قهرية ضد الأذهان والضمائر هدفها إنتاج وتسويق "واقع" متخيّل ورغبوي ينسجم مع الاتجاهات السياسية والتحريرية للوسائل الإعلامية. والعنف الإعلامي في حقيقته "عنف اجتماعي" أعيد إنتاجه ضد المجتمع عبر وسائل الإعلام؛ حيث يوضح الباحث حسن أن الصيغ الخبرية ناتجة عن "تفاعل معقد يحتوي على أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية ومؤسساتية، ويؤدي إلى إنتاج ما يعرف بالاتجاه السائد الذي يقوم على مطابقة الأجندة الإعلامية مع الأجندة السياسية".

كلما ارتقت مهنية وثقافة الفاعلين الإعلاميين كان العنف الإعلامي أكثر إيجابية وانسجاماً مع المصلحة العامة، وأكثر توافقاً مع الوظيفة المعرفية والتنويرية والتوعوية للإعلام.

ويؤكد حسن أن الميديا قد "لا تكتفي فقط بإعطاء الخبر طابعاً تأويلياً انتقائياً بل إنها تخلق وعياً خاطئاً ومشوهاً؛ نسخة غير حقيقية لـ"الحقيقة" تصبح عبر التداول والتكرار حقيقة مسلماً بها في أذهان الناس"، مشيراً إلى تحليل بودريلارد الذي يرى أن الصورة الإعلامية للحروب تمثّل "محاكاةً للواقع هدفها إنتاج واقع موازٍ وافتراضي يصبح عبر التداول هو الواقع الحقيقي"(1).

سلطة الإعلام  

كما أن الإعلام فعل معرفي بمعنى أنه سلطوي أيضاً لأن "المعرفة سلطة" بحسب فرنسيس بيكون. والعنف قرين السلطة، فيكون العنف الإعلامي توليفة من أنماط العنف السياسية والثقافة والاقتصادية والاجتماعية والدينية. وكلّما كان السياق الذي تنشط فيه الوسيلة الإعلامية محتدماً بالصراعات والتناحر السياسي والطائفي كان مُشغّلاً لديناميكيات العنف السلطوي المعرفي الكامن في الإعلام المحترف.

واحترافية الإعلام لا تقود تلقائياً إلى ترشيد نزعته التسلّطية العنفية بل قد تزيدها وتكرّسها، لكن الذي يمكن أن يقلل الميول العنفية للإعلام هو الفلسفة الإعلامية المتّبعة، فاعتماد نظرية "صحافة السلام" التي تبحث في جذور النزاع الذي تتم تغطيته وسبل تفكيكه ولا تستثمر فيه يمكن أن يحجّم العنف الإعلامي أو يعقلنه لصالح خدمة المجتمع معرفياً واحترام عقول وعواطف المتلقين، وتخفيف حدة الصراعات السياسية والاجتماعية.

 

قمع لغوي

إننا نحاول من خلال الممارسة الإعلامية، بما هي "عنف معرفي"، إكراه الواقع على أن يكون كما نريد في سياق عملية تطويع وبتر وحذف وإضافة وإعادة صياغة للغة التي يفرزها الواقع أي التي يستخدمها الفاعلون السياسيون والاجتماعيون وصنّاع الأحداث أو المعنيين بها أو المعلقين عليها. فنأخذ كصحافيين هذه اللغة المجتمعية الواقعية ونقوم بإعادة صياغتها بما يتلاءم مع نوايانا وغاياتنا التي قد تكون أخلاقية ونبيلة فعلاً أو من وجهة نظرنا على الأقل، بهدف إنتاج لغة جديدة تقدّمها وسائلنا الإعلامية للمتلقي وتهدف عبرها إلى إعادة صياغة الواقع الاجتماعي والسياسي، وفق الأجندة الإعلامية التي نتبناها وخلفياتها السياسية والأيديولوجية وروافدها الثقافية ومصالحها الاقتصادية والمالية. إن عملية صناعة الواقع المتخيّل أو المرغوب هي بحد ذاتها عمل عنيف ضد الواقع والجمهور المتلقي والعقل الجمعي.  

يقول الباحث السوداني عباس الحاج أمين إن "العنف بين الإنسان واللغة متبادل، فالإنسان يمارس القمع مع لغته، يقمع مفرداتٍ وتعبيراتٍ وتراكيب باعتبارها إما من مظاهر الفساد وإما من الكلام الذي لا يجوز قوله والتلفظ به، فيفرض عليه صنوفاً من القيود المعيارية الصارمة"، لافتاً إلى مقاربة جان جاك لوسركل صاحب كتاب "عنف اللغة"؛ إذ يرى أن "الصراعات اللغوية ما هي إلا ضرب من العنف ساحته المجتمعات البشرية والطبقات الاجتماعية"(2).

وما الصراع الدائر في الفضاء العربي بين الوسائل الإعلامية إلا صراع لغوي عنيف بين صيغ خبرية متباينة ومتضادة لحدث واحد تتناوله كل وسيلة بالشكل الذي يتناسب مع توجهاتها. أما العنف الذي تمارسه اللغة الإعلامية على الجمهور فيتجلى في الاستلاب العاطفي والفكري الذي يطال المتلقي الأقل تعليماً، والإهانة والازدراء العقلي اللذين يتعرّض لهما المتلقي المثقف.

فالعنف اللغوي الذي نمارسه على المادة الصحافية كي تتلاءم مع أجنداتنا هو في الحقيقة عنف ضد الأذهان وقصف عقول واغتيال للوعي العام وتزييف للواقع الاجتماعي. نمارس كصحافيين العنف ضد اللغة كي نتمكن من استخدام اللغة المقهورة في صراعنا السياسي مع وسائل إعلامية أخرى في المشهد السياسي. وإلى جانب العنف اللغوي هناك "العنف التقني" الذي تُستخدم فيه تكنولوجيا الإبهار الفني والبصري وأساليب الإلقاء التي يتبعها المذيعون، كلها تسهم في إنجاح عملية الاستلاب الذهني والنفسي التي يخضع لها المتلقي أمام شاشة التلفزيون أو الحاسوب أو الهاتف الذكي وهو يتابع مادة إعلامية مرئية أو مسموعة أو مقروءة.

العنف المهني

وتتناسب عملية الاستلاب الإعلامي عكسياً مع ثقافة المتلقي ومستواه المعرفي، فكلما ارتقى المتلقي بوعيه وتعليمه وإمكاناته العقلية كان صعباً أن يتأثر بالعنف والاستلاب الإعلاميين. ولكن هذا ليس صحيحاً دائماً فقد يخضع المتعلمون والمثقفون لاستلاب الإعلام، ويكونون ضحايا لعنفه في أجواء الاحتقانات السياسية والأيديولوجية والطائفية التي تحيق بالمجتمع.

أما صنّاع الإعلام فيبدو العنف اللغوي والفكري قدراً لمهنتهم وجزءاً من طبيعتها، لكن أخلاقية هذا العنف تعتمد على مدى التزامهم المهنية في عملهم، فكلما ازدادت المهنية والموضوعية قلّ العنف الممارَس على الواقع بهدف تأطيره وإعادة إنتاجه وعلى المتلقي بهدف جذبه واستقطابه. وبعبارة أخرى كلما ارتقت مهنية وثقافة الفاعلين الإعلاميين كان العنف الإعلامي أكثر إيجابية وانسجاماً مع المصلحة العامة، وأكثر توافقاً مع الوظيفة المعرفية والتنويرية والتوعوية للإعلام.

وفيما يتعلّق بعنف اللغة ضد الصحافي، فإذا أخذنا بمقاربة الحاج أمين عمّا يصفه بأنه "العنف الذي تمارسه اللغة على الإنسان، ويتجلّى هذا في حالة صراع الكاتب مع اللغة، في إطار بحثه عن لغته الخاصة"(3)، فإن الصحافي نفسه يدخل في صراع عنيف مع اللغة والحدث والواقع بغية إعادة تركيبها جميعاً في "صيغة" تتناسب مع إرادته التحريرية والسياسية.

العنف الإيجابي

وتعد "صحافة السلام" نمطاً احترافياً يتبنى عنفاً إعلامياً حميداً وصديقاً للمجتمع، فمهمتها تفكيك القوالب والمسلّمات ونقد القناعات، وتسليط الضوء على حقيقة النزاع ومقدماته وخلفياته التي أنتجته ومسبباته الفعلية وجذوره وكشف المتورطين الحقيقيين فيه وبحث آفاق فضه أو تسويته، وهذا بالتأكيد "عنف إعلامي" تمارسه الوسيلة الإعلامية التي تتبنى أجندة أو عقيدة صحافة السلام ضد واقع إعلامي تناحري عسكري النزعة يستثمر في الصراع ويركّز على نتائجه الدموية لإدانة طرف دون آخر متغافلاً عن مقدماته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يمكن من خلال تشخيصها وكشفها ودراستها المساعدة في إيجاد حل للنزاع وبناء السلام في المجتمع.

كما تمارس صحافة السلام عنفاً لغوياً وإعلامياً إيجابياً على العقل الجمعي لتخليصه من الاستلاب لأطراف الصراع، فطرح صورة مغايرة ووجهات نظر مختلفة عن السائد هو "عنف تنويري" هدفه كسر سطوة العنف الإعلامي التعبوي الذي تمارسه وسائل إعلام الحرب والتهييج والتأجيج والعسكرة.   

ورغم أن العنف الإعلامي التوعوي يمكن أن يندرج ضمن ما يعرف بـ "العنف المشروع" في المجتمع؛ أي ذلك العنف الذي يحظى بالرضا والقبول الاجتماعي، كعنف الشرطة لفرض الأمن، والعنف الذي يمارسه الطبيب بمشرطه في العمليات الجراحية مثلاً لإنقاذ حياة المريض، وعنف الجيش في مهماته العسكرية الدفاعية أوفي تدريب الجنود، وأحياناً حتى العنف التربوي المحدود من الوالدين مع أطفالهما قد يكون مقبولاً.

وهناك  أنواع  من العنف الناعم أو الضمني، فوجود السلطة والقانون والعقوبة في المجتمع هو بحد ذاته عنف رمزي رادع مشروع يضبط السلوك الاجتماعي. كذلك العنف الإعلامي يمكن أن يندرج في سياق العنف المتقبّل، لكن الإشكالية ليست في مشروعية العنف الإعلامي ولكن في التعسّف في استعمال حق ممارسة العنف اللغوي الاحترافي والتقني في العمل الإعلامي، فقد يكون العنف الإعلامي متقبّلاً في إطار وظيفة الإعلام وهي صناعة المعرفة وتسويقها أو التنقيب عنها وإعادة إنتاجها، لكنه يتحوّل إلى عنف غير مشروع حين يكون هدفه الأدلجة والقولبة والهندسة الفكرية للمجتمعات.

عسكرة الإعلام

وبالنظر لواقع الإعلام العربي نستطيع القول إن مجرد تابعية الوسيلة الإعلامية لحزب ما أو طائفة معينة هو تطرف وعنف إعلامي رمزي موجّه ضد المتلقي؛ لأنها بذلك تحاول استلاب وعي المتلقين المنتمين إلى الاتجاه السياسي أو الهوية الطائفية التي تزعم تمثيلها وإرغامهم على الإصغاء إليها أو تحمّل مسؤولية أو دفع ثمن ما تبثه، وعملية الاستلاب العاطفي أو الفكري هي عنف وقسوة ضد الأذهان، كما أن ما يترتب على انتماء الوسيلة الإعلامية السياسي أو الطائفي من استفزاز للمتلقين من الاتجاهات السياسية أو الجهوية الأخرى هو شكل من العنف ضد الوئام الاجتماعي أيضاً.

ومن البرامج التلفزيونية ما يمارس العنف الإعلامي بطريقة فجّة وصريحة، فمجرد تقديم صورة إعلامية نمطية مكررة لسنوات عبر برنامج يعتمد شكل السجال السياسي، باعتباره "صراع دِيَكة" أو "حلبة مصارعة" أو مواجهة صوتية بالصراخ والشتائم بين طرفين، هو عنف إعلامي موجّه ضد الرأي العام والوعي العقلاني في المجتمعات العربية.

الهوامش:

  1. حارث حسن، دراسة بعنوان "صناع الخبر: الميديا والسلطة والحقيقة"، موقع الأوان.

  2. عباس الحاج أمين، "عنف اللغة ولغة العنف في المشهد السياسي في السودان: ملامح من تجلياتهما الراهنة ورؤىً بشأن مآلاتهما المستقبلية"، مجلة "تبيّن" للدراسات الفكرية والثقافية، دورية محكّمة، تصدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

  3. المصدر السابق نفسه.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق