الفنانة السورية عتاب حريب لـ"ذوات": لوّنتُ لوحاتي بالحزن والدم
07 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

الفنانة السورية عتاب حريب – (ذوات)
* حاورها: موسى برهومة

تحاول الفنانة التشكيلية السورية عتاب حريب أن تستذكر لحظات الرسم النادرة التي كانت تهبها المقدرة على التحليق، فتعجز بعدما عصفت الحرب ببلادها سورية، واختطف الإرهابيون ولدها مازن وأعدموه، فانهدمت حياتها أو كادت، لولا بقية من رجاء في أن تنهض سورية من جديد، ويُقدم المجرمون إلى المحاكمة.

تخرجت حريب عام 1978 من جامعة دمشق، قسم التصوير. درّست في معهد دار المعلمين بدمشق، وأقامت عدة معارض فردية وجماعية، وأشرفت على تدريس الخزف، بالإضافة إلى إشرافها على دورات الرسم المائي. وعملت مصممة أزياء للعديد من المسلسلات التلفزيونية.

حصلت على الجائزة الذهبية في مهرجان محرس بتونس 1993، والجائزة الذهبية في وزارة الثقافة بالصين. وتم تكريمها كفنانة عربية متميزة في الجزائر عام 2009.

تقول الفنانة، المولودة في دير الزور، والتي تعيش الآن في أمريكا: لقد خسرت بيتي ومرسمي وموطني الأول وابني، ورحلت مرغمة إلى بلاد بعيدة لا أحمل معي شيئاً لأبدأ حياة جديدة ومختلفة من الصفر. كل الذي بنيته صار ذكريات.

حاولت حريب أن ترسم في بداية الثورة السورية، "ولكن كانت رائحة الدم أقوى من رائحة الألوان". وتعمقت الأزمة حينما تلقت نبأ إعدام تنظيم "داعش" الإرهابي ابنها مازن مرعي المطلق في دير الزور قبل عامين: "الخبر شلّ أفكاري. وألواني تجمدت. وأحتاج وقتاً طويلاً لأعود كما كنت، أو لأعرف من أنا".

أغلب الفنانين السوريين هاجروا، وتركوا البلد مرغمين أو بإرادتهم؛ لأنّ الفن مرتبط بالسلام والحرية والعدالة

حوار عتاب حريب مع "ذوات" يستعيد ذكريات الألم السوري المفتوح، لكنه ينطوي بلا شك على لحظات من الأمل الذي يحيا مع الفنانة، وهو تقاوم البشاعة بحفنة ألوان مائية تختال بحرية فوق القماش.

 

*تعملين في الفن منذ زمن طويل. هل تعتقدين بقدرة الفن على التغيير؟

- نعم، الفن يساعد على التغيير، لأنه يصنع الفرق في الحياة؛ فالفنان يستشرف المستقبل ويزرع الجمال والطاقة الإيجابية.

 

*أثّرت المأساة السورية على رسوماتك، وعلى نفسيتك، وخسرت فيها أعزاء وأماكن وذكريات. كيف تتجلى الآن صورة الحرب في لوحاتك؟

 -المأساة السورية لم تلامسني أنا فقط، بل لامست كل شخص فينا. لامست الحرب كل إنسان فينا. قلوبنا ارتجفت تحت أصوات القذائف ورائحة البارود. كانت تخنق أنفاسنا مشاهدُ الدمار والقتل والقصف. ليست هي فقط التي زرعت الوجع في قلوبنا وصدورنا، بل مشاهد الهجرة والتشرّد والغرق في البحر واللجوء والخيام. كل هذه المشاهد تبقى مؤلمة، ولكن ليس بقوة وجع أن يختفي ابنك، وتعرف بعد أيام أنه مخطوف عند حاملي الرايات السود ورعاة القتل والذبح.

ثلاثة أشهر لم أعرف النوم إلى أن فتحت "الفيسبوك" ذات صباح لأقرأ خبر إعدام الطفل الذي حملته في أحشائي وعلى كتفي وكبر وصار أباً لطفلتين هما عيونه اللتان يرى العالم منهما. كيف يكون شعورك؟ سؤال مثل ضربة خنجر. وهل هناك من يستطيع التفكير أو الهدوء أو السلام الذي يميزني بعد هذه الفاجعة؟ كنت أرسم دوماً الفرح والجمال والبهجة، لأنّ للفن رسالة جميلة هدفها نقل كل ما يبعث السعادة والهدوء.

كيف لي أن أرسم أمام هذه المشاعر، ولا أدري هل هي مشاعر أم شعور بالعدم والعجز أمام كل هذا الرعب والظلم؟ حاولت أن أرسم في بداية الثورة السورية، ولكن كانت رائحة الدم أقوى من رائحة الألوان، فكان إنتاجي قليلاً. الحدث كبير ويحتاج وقتاً لنراه من بعيد، فنحن لازلنا داخل دوامة القتل، نعيش اللحظات فقط، ونحاول أن نكون عوناً لكل السوريين وللقضية السورية وخلاصها.

لقد خسرت بيتي ومرسمي وموطني الأول وابني، ورحلت مرغمة إلى بلاد بعيدة لا أحمل معي شيئاً لأبدأ حياة جديدة ومختلفة من الصفر. كل الذي بنيته في حياتي الإنسانية والمهنية والعائلية صار ذكريات في مكان بعيد من الصعب الوصول إليه.

رسمت لوحات وضعت فيها صوراً لأطفال استشهدوا وأثروا فيّ، وأشخاص أعرفهم وأعرف أسماءهم، وسوريين هاربين من الحرب. لوّنتُ لوحاتي بالحزن والدم، وكنت هنا في أمريكا عندما وقعت مجزرة الغوطة بالقصف الكيمياوي، فرسمت جداريات مع طلبة جامعة دافدسون في نورث كارولاينا. كان الرسم يلتقط وجوه الأطفال التي فارقت الحياة وهي نائمة. كان اللون الأصفر غالباً عليها كرمز للكيمياوي، ورسمت أيضاً صور الأطفال الذين يطفون على سطح الماء، وهم يحاولون الهرب إلى بلاد آمنة بعدما ابتلعهم البحر وغرقت زوارقهم. آلاف المشاهد ووجوه الأطفال تهاجمني، ودموع النساء وهنّ مكللات بالسواد تحرق القلوب. المأساة فظيعة والفن لن يعطي صورة موازية لما يجري، ولن يكون بحجم المحرقة، فالحدث متسارع، والمجازر اليومية تجاوزت في وحشيتها كل فن أو فيلم سينمائي أو أي تعبير.

*أنتِ من جيل تشرّب الفن، ورسم لنفسه مساراً خاصاً. هل برأيك أنّ الفن التشكيلي العربي قادر على فرض نفسه في إيقاع الحياة الثقافية، أم أنه على هامشها؟

 

-   ليت الفن التشكيلي السوري على الهامش. فنانون قلائل يعدون على أصابع اليد الواحدة وصلوا للعالمية، وتبقى أعمالهم ليست بالمستوى العالمي. لازالوا في الصف الثالث أو الخامس أو العاشر. لم يكن فنان سوري يوماً في الصف الأول عربياً أو عالمياً، لأنه كان دوماً محكوماً من مافيا النظام والسلطة، ومؤخراً مافيات تبييض الأموال. وفي بداية الثورة مافيات الثورة وتبييض السمعة وركوب الثورة للكسب. وبعد هجرة الفنانين ازدهرت مافيا ابتزاز الفنانين اللاجئين للمزاودة، بشكل سطحي وغير حقيقي أحياناً، بمفردات الثورة والقتل والحرب.

الرسم المائي يشبهني كثيراً، فهو الضربة الأولى والقول الحاسم. لا مجال للتراجع. أضف إلى ذلك أنّ الألوان المائية عفوية وحرة

 نحتاج لوقت وزمن لنرى من سيبقى ويترك أثراً في التاريخ، وخاصة بعد أن تركت الحرب آثارها. نحتاج أن نشفى من ويلات اللجوء، والخروج من قوقعة النظام إلى العالم. الآن أغلب الفنانين السوريين هاجروا، وتركوا البلد مرغمين أو بإرادتهم، لأنّ الفن مرتبط بالسلام، وليس هناك من سلاح يستخدمه الفنان سوى ألوانه وعينه الثاقبة وروحه الوثابة.

 

*عشت في سورية في ظل عائلة تعشق الثقافة والفن. ولم تفرض عليك التخصص في الهندسة كما كانت ترغب. ولكنك كنت موهوبة في الرسم أصلاً. كيف يمكن تصنيع الفنان، أم أن الفطرة هي الأساس؟

 

-الفن بالأساس موهبة، وتحتاج الموهبة صقلاً من خلال الدراسة والعمل المثابر والدووب والإنتاج الغزير. الفن شاهد عصر ومرآة لبشر عاشوا في زمن ما. فالخبرات الحياتية والسفر والعيش بحرية والتقاط الأشياء بعين ذكية، ورصد كل ما يحيط بالفنان من مؤثرات وعكسها هو ما يمنح الفنان أن يقدم أعمالاً إبداعية بطريقته وأسلوبه الخاص. وهكذا يتفرّد المبدع عمن سواه، فيتألق وتكون له خصوصية، وكل هذا يحتاج من الحرية والسلام، وبهذا يجعل الفن حياة موازية له، وليس في أوقات الفراغ أو أيام العطل، مثلما يفعل كثيرون يدّعون الفن!

 

*رسوماتك مليئة بصور الذاكرة وتيارات الطبيعة والبحر. من أين تكونت هذه الصور. هل لارتحال أبيك وتنقلات عمله أثر في ذلك؟

-كان للعائلة، بالتأكيد، الأثر الأكبر في التراكمات المعرفية والبصرية في توجهي للفن، وفي الصور المشهدية التي تراكمت في مخزوني البصري منذ طفولتي. وقد كنا آنذاك في ترحال مستمر مع والد يحب السفر، وكانت وظيفته تساعده على تغيير المكان دوماً، فقد كانت تعلق في ذاكرتي نكهات مختلفة للأماكن والشبابيك والبيوت التي نسكنها، والسهول التي ألعب فيها والحقول والشجر. لقد برز ذلك بشكل واضح في لوحاتي.

 

*أبوك مسلم وأمك مسيحية، ونشأت في بيئة ليبرالية منفتحة. كيف أمكن دمج هذه العناصر في بوتقة واحدة في زمن بعيد. ألم تكن ثمة هويات قاتلة في ذلك الحين؟

- لقد نشأت في بيت متعدد الديانات، ولم تكن في ذلك أيّ مشكلة، ما أعطاني حرية التفكير والاختيار، لا سيما مما قرأته من مكتبة المنزل وكتب السياسة والروايات ومجلات الطب والفن. كنت حينها أقرأ كثيراً. قرأت النظرية النسبية، و"رأس المال" لكارل ماركس. وكل ذلك صنع لي هوية خاصة حتى الآن.

*ترسمين بألوان الماء، مع أنّ ذلك أمر صعب لغير المتمّرسين. كيف تضبطين إيقاع الريشة. أم أنّ الأمر متصل في الأساس بإيقاع الروح؟

- المائي يشبهني كثيراً، فهو الضربة الأولى والقول الحاسم. لا مجال للتراجع. أضف إلى ذلك أنّ الألوان المائية عفوية وحرة، ومن الصعب الاستمرار بالرسم المائي لصعوبته في التنفيذ وعدم تذوق العامة له، ولكنني كنت أمتلك ناصيته بكل جدارة لمدة ٣٥ عاماً تربعت، خلالها، على عرش الألوان المائية وبصمتُها باسمي. وفي كثير من الأحيان أشعر بالألوان المائية تقطر من أصابعي وتلح عليّ لأمسك الفرشاة، وأمدّ ألواني والماء على الورق الأبيض.

*غادرت سورية إلى الولايات المتحدة. هل المنفى الاضطراري هذا قادر على إعادة التوازن لك كفنانة. هل للمكان الجديد أثر في لوحاتك؟

-         كنت ناشطة على صفحات التواصل الاجتماعي قبل الثورة. وباسمي الحقيقي كنت أكتب وأنتقد كل المظاهر المؤذية في سورية سواء في الفن أو التعليم أو الشارع، وكذلك الفساد وعدم تطبيق القوانين، والتراجع في المناهج. ولذلك كنت مهددة وخرجت من سورية مرغمة لأجد الأمان في بلد يحترم حقوق الإنسان. هنا كانت البداية والحياة صعبة بدون أولادي وبدون دخل. بدأت أكوّن علاقات وأرسم وأحاول الاستقرار والتوازن، ولكن من الصعب أن يتحقق ذلك على النحو المرجوّ بعدما حدث معي وخسارتي ابني مازن. قلبي هناك وأنا هنا، وكل واحد من أبنائي في قارّة، ولن أشفى حتى يعود السلام لسورية الحبيبة، وتتوقف الحرب والقتل، ويُحاسب المجرمون.

عتاب حريب الفنانة التي بكت شهداء سورية وحزنت مع دموع أمهاتهم ليست عتاب الآن التي فقدت أعز ما تملك ظلماً وقهراً

*في ظل الكساد الثقافي والروحي في العالم العربي، هل بمقدور الفنان أن يعيش من مردود ما يرسم؟

- من الصعب العيش من الفن في هذا الوضع الاقتصادي العالمي، وتردّي الاهتمام بالفن، وسيطرة سماسرة الفنانين وصنّاع الأوهام والفقاعات. أنا أحاول أن أقيم ورشات رسم تطوعية للأطفال وللكبار أحياناً، لأعرّف المواطنين الأمريكيين بمأساتنا الحقيقية، وأحدثهم عن بلدي النازف.

*كيف تلقيت نبأ إعدام تنظيم "داعش" الإرهابي لابنك مازن مرعي المطلق في دير الزور قبل عامين. وهل بمقدور الفن أن يهزم هذا الظلام القبيح؟

-   تلقيت الخبر كالصاعقة، بعد اختفائه ثلاثة أشهر لدى "داعش". وكنت أحاول أن أتامل الخير وأتفاءل بأن يخرج بسلام.  لكنّ صباحاً أسودَ بكل معنى الكلمة ألقاني في عدميّة الفراغ. ليس هناك وصف لهذا اليوم ولقلب امرأة تقرأ خبر مقتل ابنها على الصفحات  الزرقاء على شاشة "الفيسبوك". الخبر سحب الهواء من روحي. حاولت ألا أصدق، وللآن لا أصدق ماحدث لي ولابني الشهيد، لروحه الرحمة والسلام.

 مع هؤلاء الهمجيين لا ينفع شيء. كنت دائماً أشدد على التعبير عند الطفل بالرسم والموسيقا؛ فهي التي تملأ قلوبنا بالسلام والرحمة والجمال، وتنمي وجداننا المعرفي والأخلاقي.

  الخبر شلّ أفكاري. وألواني تجمدت. وأحتاج وقتاً طويلاً لأعود كما كنت، أو لأعرف من أنا.

 عتاب حريب الفنانة التي بكت شهداء سورية، وحزنت مع دموع أمهاتهم ليست عتاب الآن التي فقدت أعز ما تملك ظلماً وقهراً.

وجع لا ينتهي، وثقب أسود في الذاكرة والقلب اسمك يا مازن!

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق