الفيلسوف براين فرانسيس: الإرهابيون يؤمنون أنهم أخلاقيون
28 ديسمبر 2016 | 0 تعليق

* عاصف الخالدي

براين فرانسيس هو أستاذ الفلسفة الأمريكي السابق في جامعة ليدز البريطانية، يدرس حالياً في جامعة فوردهام في نيويورك، وهو فيلسوف إشكالي يقول، إن آراءه في النهاية قد لا تعني أي شيء، ذلك أنه يختص كفيلسوف وباحث بنظرية العبث عند ألبير كامو تحديداً، ويعنى بعلم الفلسفة الديني كذلك. ويصر على أن العالم حر إذا آمنا أن آراءنا الصحيحة اليوم، ربما تكون خطأ في الغد. له في الفلسفة مؤلفات عديدة منها: كتاب "الرفض"، "إحياء الشكوكية"، "المعاناة بلا مبرر"، وله مقالات عديدة حول عقلانية الخطاب الديني والشك من المنظور الراديكالي.

الفيلسوف فرانسيس في حوار أجراه معه ترافيس إتريا ونشرته مجلة "The Believer – Issues" مؤخراً تحدث عن "العبثية الفكرية"، كما حاول الوقوف على الأسباب التي تقود العبثيين لتفجير أنفسهم.

وفيما يلي جزء من الحوار:

* حقيقة، أنا مهتم بألبير كامو، وكيف رأى علاقة الناس بالعبث، ما أقصده هو أنه تحدث عن العبث والعبث الفلسفي من خلال شروط ورؤى ما قام بتحديدها، أريد في السياق، استحضار مفجري القنابل العبثيين "الانتحاريين"، والذين يبدو أنهم يقودوننا للاثنين معاً؟

-  لأتحدث عن العبثية، يجب أن أقول إن هنالك أشكالاً مختلفة لها، ولأتناول الآن العبثية الأخلاقية، والتي تتركب من بعض الجوانب، لأركز على الجزء الثاني منها، حيث توجد حالتان، عبثية فكرية، وأخرى سياسية. تبدأ العبثية الأخلاقية من حاجة قوية تنبع من الداخل، وتدفع صاحبها لرفض فكرة الشعور بالفشل، وحاجته لتقديم كل ما يستطيعه لخدمة الآخرين، تماماً كأن تقوم بفعل أخلاقي فتقوم بمساعدة امرأة متشردة مع أطفالها، وتدعوها للعيش في بيتك. والواقع أن لا أحد يفعل هذا تقريباً. يكتفي الناس بالدافع للفعل الأخلاقي عادة، أما الفعل نفسه، فلا يقومون به إلا نادراً. ويقودني هذا للجانب المهم في فكرة العبثية الأخلاقية، وهي الدافع الداخلي، تماماً كالمثال الذي قلته الآن؛ إذ يتضح أن هذا الدافع غير مبني على حقيقة واقعية. إنه مجرد خيال،

في الفلسفة، الكل يملك موقفاً، ككائن أخلاقي، لكن تلك الأخلاقيات، مرتبط على أرض الواقع بالظروف التي تحيط بهذا الواقع.

وذلك أنه ومن جهة أخرى، فإنني أفكر في المبادئ الأخلاقية التي فرضها المجتمع والتي تجعله يسير بشكل سلس، أن لا نؤذي بعضنا، ولا نقتل بعضنا، وأن نساعد بعضنا، ونتجنب الدخول إلى السجن، لكننا وفي الواقع، نرى أن المجتمع غير مثالي ولا يلتزم بكل هذا، إن كثيراً من الأفراد لا يلتزمون بهذه الأخلاقيات، وهذا يقودنا للعنصر الثالث من العبثية الأخلاقية، وهو عنصر يتعلق بالإرهاب؛ حيث يرى الإرهابي أن المجتمع يفتقد للأخلاقيات هذه، فيتصرف بعنف تجاهه، وهذا يقوده بالطبع، ليكون هو نفسه لا أخلاقياً.

* لكن الإرهابيين يؤمنون أنهم أخلاقيون؟

- أجل هم يؤمنون بذلك، ولهذا وجدت العبثية الأخلاقية. وكذلك وجدت العبثية الفكرية، وكان ألبير كامو متعمقاً بشأن هذه الأخيرة بالتحديد. فمن جهة، نحن مجرد خرافٍ بالنسبة  إلى الفكرية، نرعى ما هو موجود ومعروف، أو ما يتم إخبارنا إياه على أنه الحقيقة بشكل عام. إن تلاحظ، نعرف كثيراً من الأمور، خاصة تلك التي تستند لتجارب علمية، أنا مثلاً، أعرف أن لكوكب المشتري أقماراً كثيرة تدور حوله، أعرف هذا لأن علماء الفلك جمعوا تجاربهم وآلاتهم وأخبرونا بهذا، ولكن حين ينسحب الأمر على الدين، أو على السياسة والاقتصاد، فإني سوف أخبرك أنني لا أعرف شيئاً، ولا أمتلك فكرة واضحة في الحقيقة. ليس الأمر أنني أقرأ أخبار السياسة في صحيفة "نيويورك تايمز" أو أقرأ في الاقتصاد للسيد كروغمان الذي حصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، السياسيون والاقتصاديون والدينيون لا يملكون تجاربهم التراكمية وخط سيرهم التاريخي كالعلماء، حتى نملك فكرة واضحة عما يتحدثون فيه، وهكذا لا يمكن الثقة فيهم.

* لكنهم ربما يتحدثون من ناحية تجربتهم التعليمية والحياتية؟

- بكل الأحوال، هم لا يقدمون لي فكرة واضحة لأتفاعل معها. ومع تراكم الأفكار السياسية والاقتصادية والدينية غير الواضحة، تأتي العبثية الفكرية التي ركز عليها كامو. هذه العبثية الفكرية تقودنا إلى اللامعنى، والذي يمكن إدراكه على مستوى الفرد، وعلى مستوى الإنسانية كذلك. ولنركز عليها من منظور فردي، فإن الإنسان يحاول دوماً فعل شيء ما ليقنع نفسه بأنه أحدث تأثيراً ما في هذا العالم، ولو صغيراً، كأن يقوم مثلاً بولادة أطفال وتربيتهم، وأن يحصل على عمل جيد، وإلخ. أو حتى يكتب. في النهاية، سيموت. وكل هذه الأشياء، ستكون كماء امتصته الرمال لا أكثر.

* يحيلنا ذلك إلى ملاحظات كامو عن الانتحار بالمفهوم الفلسفي، فيما الدين، يعرض رؤية مختلفة للانتحار، ويعطيه معنى ما بدلاً من اللامعنى. كذلك، للدين رؤيته في الانتحار الجسدي، لكنني أجد صعوبة في فهم قدرة الدين على الجمع بين العبثية والانتحار؟

-  يبدو أنك تشير إلى "الانتحاريين" الذين يفجرون أنفسهم. وكأنك تقصد أن طريقة تفكيرهم في لا جدوى الوجود أو انعدام الأمل تجعلهم يقدمون على عمل أخير يرون أنه قد يحمل معنى ما؟.

*  من الصعب التصديق أنهم جميعاً شريرون، ويريدون الدمار والموت، هل من الممكن أن يكونوا جميعاً كذلك؟. أليس هذا صعباً؟.

- نعم، أتفق معك، بعد تفجيرات باريس الأخيرة. كتب العديد من المحللين والكتاب مقالات تحاول دراسة التركيبة النفسية لهؤلاء العبثيين. وكما هو واضح، فإن معظم هؤلاء الرجال هم من الرجال الذين يملكون حياة صعبة، ولا يرون الواقع إلا من منظور سياسي، وكذلك، يتم النظر إلى وضعهم وتحليله من منظور سياسي غالباً. برأيي يفكر هؤلاء الشباب في أن بلادهم ترفل في التراجع منذ عقود عديدة، فيما العالم يتقدم للأمام. أما هم، فيعانون من مشاكل في الحياة اليومية والوظائف وتدني الحريات وإلخ.

  • الانتحاريين هم من الرجال الذين يملكون حياة صعبة، ولا يرون الواقع إلا من منظور سياسي، وكذلك، يتم النظر إلى وضعهم وتحليله من منظور سياسي غالباً.

لا يملكون إلا هذه الحياة ليعيشوها دون القدرة على التغيير، ومن ثم، يموتون. وهذه عبثية بحد عينها؛ إذ إنهم حين يواجهون كل هذا الجدب ويعانون العطش، لن تجد في مناطقهم سوى تنظيمات كالقاعدة أو طالبان وداعش لتسقيهم، ولتقدم لهم الحلول العنيفة وتقول لهم إنهم يمكن أن يؤثروا في العالم ويصنعوا لحياتهم معنى. ولكن في الواقع، هم لا يقدمون سوى العبث، حتى أن مسؤولي تلك الحركات، لم يقرأوا القرآن أو الحديث النبوي حقاً، بل وربما لم يقرؤوا أي كتاب في حياتهم. ومن منظور عبثية كامو، لا يقدم هؤلاء الشباب على انتحار فلسفي، تابع لعبثية فكرية ما، إنه مجرد انتحار جسدي في النهاية، بلا معنى. ذلك أنهم مضللون. يمكنني القول إنه لا بأس لو عشت حياة بلا معنى، ربما يظل هنالك أمل ما في مكان ما، هذا أفضل من الموت في سبيل معنى غير حقيقي وغير موجود.

* حسناً، وكيف يمكن أن نفهم سماح هؤلاء العبثيين لأنفسهم بالموت؟

- معظم هؤلاء، لا أظنهم يملكون شيئاً ضدنا بطبيعتهم كبشر. لكنهم مثلاً، يشعرون بأمريكا أنها دمرت بلادهم، أو ساهمت في خرابها. وبالنسبة إليهم، وحين تنسد كل السبل للتحرر والحوار، فإنهم يلجأون للعنف الشديد كرد. ولا يرون حلاً غير ذلك

* إذن وفي النهاية، ووفقاً للعنف، والعنف المضاد، أين هو الكائن الأخلاقي؟

- في الفلسفة، الكل يملك موقفاً، ككائن أخلاقي، لكن تلك الأخلاقيات، مرتبط على أرض الواقع بالظروف التي تحيط بهذا الواقع، فمثلاً، يمكنني بكل بساطة الإقدام على قتل شخص يحمل سلاحاً ويهدد الجميع هنا بالموت، وسيكون هذا أخلاقياً، ولكن، في ظرف آخر، لن يكون قتله أخلاقياً.

*مترجم أردني

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق