الفَلسفة الإسلامية السياسية ومخاض التأسيس في العلاقةِ بين الملّي والمدني
26 ابريل 2017 | 0 تعليق

* باحث مغربي متخصص في الفلسفة
محمد بدازي *

بادئَ ذي بدءٍ

معلومٌ أن الإنسان، كما عرّفهُ الأقدمون والمُحدثون، هو حيوانٌ مدنيٌّ بالطبع، "وأنه يعيشُ ويتصرّفُ ويتتبع أهدافه ضمن جماعة مدنية"، بمعنى أنه يحتاجُ إلى العيشِ داخل اجتماعٍ مدنيٍّ قائمٍ على نظامٍ قبْلي. ولعل هذه الحقيقة، حاجة الإنسان إلى الاجتماع والنّظام، هو ما قالت بهِ الفلسفةُ الإسلامية السياسية أو العلم المدني الإسلامي بلغةِ الفارابي. لكن، كيف يمكنُ لفلسفةٍ أن تقول بما يجبُ أن يكون عليهِ اجتماعُ بشريُّ بعد أن تمَّ ذلك سلفاً، وبشكل مُفصلٍ، من قبل الملة؟ بصيغة أخرى، هل يمكنُ للعلمِ مدنيِّ الإسلامي أن يُضيفَ شيئاً جديداً عما حدَّدَتهُ الشريعةُ الإسلاميةُ من خلال القرآن والسنة وكذا استنباطات الفقهاء؟ كيف يمكنُ ذلك، ونحنُ نعلمُ مدى تأثُّر هذا العلم المدني الإسلامي بتراثٍ غريبٍ ألا وهو الفكر اليوناني؟ كيف عمِل الفارابي -مثلا- على المزاوجة بين التّراث الملي الإسلامي الإلهي والفلسفي اليوناني المدني؟ هل أخضع الأول للثاني أم العكس؟

الشَّريعَةُ الإسلاميةُ: أرضُ ولادةِ الفلسفةِ الإسلامية السياسية

لقد نشأتِ الفلسفةُ السياسيةُ الإسلامية، على أرضٍ يوجدُ عليها أناسٌ ينظرون إلى الوجود ويتصورونَهُ، بِما حددته لهم سلفاً الشريعة الإسلامية. بالتالي، فهم في غنىً عن أيِّ تصورٍ أو رؤيةٍ جديدةٍ لوجودهم ذاك، بل من الممكنِ أن يقفوا موقفَ المعارضِ لأيِّ شيءٍ قد يُجدِّدُ، أو يُعارضُ، أو يتجاوزُ، ما حُدِّد لهم سلفاً وعدُّوهُ في حكم المطلقِ، وغيرُ ممكنٍ النقاشُ فيه. يقولُ محسن مهدي: "مع ذلك هُم [الجماعة الإسلامية]، عموما، محصنون ضد الفلسفة والسيرة التي تستلزمها هذه الفلسفة. وبدلا من ذلك، ينطلقون من قناعاتهم العامة بأن الآراء الأساسية المقبولة من الجماعة المدنية، والتي تتبعها هذه الجماعة، هي أراء معيارية وليست موضع تساؤلٍ من أي نوع؛ فالتشكيك بهذه الآراء يمكن أن يعرض صاحبه إلى تهمة الخيانة، ويُبرٍّرُ نفيَهُ أو هدرَ دمهِ". بهذا المنطلقِ، هل يمكنُ أن نتحدثَ عن فلسفةٍ مدنية، بالتالي، تصور جديد ينضافُ إلى القديم؟ كيف ذلك؟

لقد واجهتِ الفلسفةُ الإسلاميةُ السّياسة تحديات عديدة، كالسّياق المِلّي الذي سبق وجودها، والذي أتينا على ذكرِهِ فوق. ينضافُ إلى ذلك، غُربة الفلسفة، بحسبانها رؤيةً مغايرة، عن الثقافة العربية الإسلامية، خاصة إذا علمنا أن المنبع الأساسي للفلسفةِ الإسلاميةِ عموماً، والسّياسية بالخصوص، هو الإرثُ اليونانيُّ القائم على منطق العقل، والذي ينظر إلى الاجتماعٍ البشريِّ ليس نظرةً دينية متعالية، إنما نظرة مدنية. ليس هذا وكفى، بل إنه يوجد في فلسفتَي أفلاطون وأرسطو ما يجعل الفلسفة في نظر المليين "قمة الجنون والعجرفة"، خاصة الفلسفة الأرسطية التي تُعدّ النقيض لملل الوحي كاملة، الأمر الذي جعل فلاسفة هذه الملل إما يُغيبونه، وإما إزالة بعض من أفكاره "المتطرفة" في نظرهم. (لم تظهر بعض مُصنفات أرسطو –السياسات مثلاً- عند ملل الوحي إلا بعد قرون)

إذن، لم تُولد الفلسفة الإسلامية السياسية ولادةً يسيرة، بل بعد جهدٍ احتاج قرون. وحتى بعد ولادتِها، لم تعِش سالمةً من انتقاداتِ أصحاب المِلة، خاصة الفقهاء. أمام هذه الواقع، كان أمراً عادياً أن تعمل الفلسفة الإسلامية على التَّوفيقِ بين نظرةِ الدِّين للوجودِ والاجتماعِ الإنسانيين، وبين نظرتها المدنية.

في ظل هذا الواقع، هذه الحقيقة، يجدُ الباحثُ في الفلسفةِ الإسلامية، أن هُنالِك إجماعا حول ضرورةِ الاقتداءِ بالشريعة، الأمر الذي يؤدي بنا إلى ملاحظةٍ مقتضاها أن الفلاسفة المسلمين حاولوا التوفيق بين الشريعةِ الإلهيةِ بما هي ناموسٌ منزلٌ من الله، وبين الفلسفةِ أو العلمِ المدنيِّ بما هو قواعدٌ وضوابطٌ إنسانية. يؤكد محسن مهدي أن الفلسفة تلتقي مع الشريعة حول مفهوم الإنسان، إذِ الأخيرُ يعدّ القضية المركزية للفلسفة والشريعة على حدٍّ سواء؛  ف "الفلسفةُ تدعو الإنسان إلى معرفة الكون المرئي وقوانينِهِ بواسطة ملكته الأسمى؛ أي عقله وذكاءه. أما الشريعةُ، فتلزمه بالامتثال مخلصا إلى وصايا الله ".  وعليه، فنحن أمام أوامرٍ ونواهٍ تُلجم وتَكبح نوازع الإنسان الحيوانية، وترفعُهُ إلى مستوىً سامٍ. وذلك هو المُشتركُ الذي يجمعُ، حسب الفيلسوفِ المسلم بين الفلسفة المدنية والشريعة الإسلامية.

أبو نصر الفارابي: مؤسس الفلسفة السياسية الإسلامية

ظهرتِ الفلسفةُ الإسلاميةُ السياسية عندما سيكتشفُ الفارابي نصوص أفلاطون، خاصة المدنية منها، أي تلك التي تُعنى بالاجتماع الإنساني. بيد أن الذي يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، هو أن الفارابي سيكتشف هذه النصوص الأفلاطونية، وأيضاً الأرسطية، في سياقٍ يختلف تماماً عن السّياق الذي ظهرت فيه تلك النصوص المُكتَشَفَة. إننا نتحدث عن سياقٍ مُتشبثٍ برؤية ملِّيةٍ للوجودِ والكونِ، يصعب معَهَا الإتيانُ برؤيةٍ جديدة. فكيف أمكن لأبي نصر الفارابي أن يُدخل هذه النصوص، هذه الفلسفة، إلى أمةٍ تلعبُ فيها الملةُ دوراً مهما؟ كيف له، أي الفارابي، أن يُشرِّع لأمةٍ يُضبطُ أفاردُها بشريعةٍ منزلةٍ من الله عَبر نبِيِّهِ محمّد؟ هل عمِل على تجديدِ الفلسفة اليونانية وتجاوزِها أم أبقى عليها كما هي وبَيَّئها وِفق ما تقتضيه الملةُ الإسلامية؟

يُعتبر الفارابي الفيلسوفُ الذي أحدثَ مُنعطفاً في تاريخِ الفكرِ الفلسفيّ الإسلامي، ذلك أنه، إضافةً إلى تعمقهِ في الإرث الأفلاطوني، وضلوعهِ في الفكر الأفلاطوني المحدث بتلاوينه المتعددة، فقد قدم، ولأولِ مرةٍ، "أفلاطون ليس كصوفي ولا كمهتم بالماورائيات، بل كباحث في العلم المدني بصورة أساسية ومكثفة". بهذا المعنى، يُعد الفارابي أول من درس أفلاطون لا بوصفه فيلسوف الماورائيات كما قدمه الذين جاءوا من بعدِهِ، إنما كفيلسوفٍ في العلم المدني، وذلك ما سيجعل هذا الأخير، أي العلم المدني، مركز اهتمام أبو نصر الفارابي.

بيد أن الذي يقرأُ مُصنفات الفارابي المدنية، قد يجدُ نفسهُ تائهاً. ومردُّ ذلك أنها مصنفاتٌ، رغم كونِها في العلمِ المدني، فهي تتأرجحُ بين المدنيّ والمِلِّي من جهة، وبين المدني الماورائي من جهة أخرى. أي بين الشؤون المدينة، والملية، والكونية. هنا نتساءل الأسئلة الآتية:

- كيف يُمكن لفيلسوفٍ يعيشُ في سياقٍ تسود فيه ملة الوحي أن يقدم مقاربةً في العلمِ المدني؟

- هل عبر مناقشةٍ مُوسعةٍ للفلسفةِ المدنية، والفحص عن الوضع الإنساني، ومحاولة فهم ما هو ضروري، وشرح ما تحتاجه كي يتم تحسين مصير الموجودات الإنسية على الأرض؟

- هل عبر الانطلاق من علم النفس لطرح السؤال حول كيفية امتلاك إنسان مميز، مثل الرسول، قدرات خاصة تجعلُهُ قابلاً لتلقي الوحي وتعميم الشريعة؟

- هل بالبدءِ بعلم الكون وطرح السؤال حول كيفية تركيب بينية الكون، ابتداءً من مبدئه الأسمى وصولا إلى الإنسان، وكيف يمكن لهذه البنية أن تسمح بإنتاج ظواهر أمثال نبوة والوحي والشريعة الإلهية؟

- هل بالجمعِ بين كل هذه الأشياء، أي المدينة، والنفس، والكون؟

يرى محسن مهدي، أن الأيسر في العلم المدني، هو البدءُ بالمدينة. إذْ –في نظرِهِ- ليس بالإمكان سبر غور الإنسان والفحص عن الطريقة التي تبنى فيها نفسه إلا من خلال ما يفعله داخل المدينة، وما دام هذا الفعل يحصل في المدينة، يمكن للمرءِ القول إن بنية النفس مُسقطة على بنية المدينة، باعتبار هذه الأخيرة صورتها الأوسع. من هنا، يمكنُ، من خلال المدينة، دراسةُ النفس. ولأن الكون بعيد علينا ولا يمكن دراستُهُ عن قربٍ، فإن محسن مهدي، يرى أنه، في هذه الحالة، يمكن اتباع قاعدة أرسطو القائلة بضرورةِ الانتقال من المعروف إلى ما لا نعرف، أو الانتقال مما نعرف أكثر إلى ما نعرفه أقل، بالتالي، تأتي دراسةُ الكونِ بعد فهمٍ للمدينة والنفس.

هذا هو الأيسر بالنسبةِ إلى محسن مهدي، بيد أنه يستدركُ قائلاً، إن الإنسان المدني العادي، يفهم الأمور بصورةٍ عكسيةٍ، حيث يفضل المقاربة التي تُعرفه أولا "كيف هو الكون وكيف هي بنيتُهُ، ثم تُعرفه بنية النفس وبمصيرها عندما يتصرف المرء بطريقة صحيحة ويتفادى الأعمال الباطلة، كما تعرفه، أخيراً، بسبب الانتماء إلى أمة خاصة، والتوجيهات حول طريقة الانتماء إليها كفرد له اعتباره". (ربما لأن الدين يُقدم الأمور بهذا الكيف) وهذه المقاربة الأيسر عند الإنسان العادي، هي التي ذهبت فيها كتابات الفارابي.

يجد القارئُ لمصنفات الفارابي المدنية، أنها تبدأُ بعلمِ الكون، وبنية هذا الكون، وخاصية كل جزء من أجزائه الرئيسة وطريقة اشتغالها بعضها مع بعض، ثم ينتقل إلى عرض بنية النفس وجسم الإنسان، وأجزائها وبنية وكيفية اشتغالهما. وأخيراً ينتقلُ إلى عرضِ بنية المدينة وأجزائها وطريقة التدبير الواجب اعتمادها، وكذا مختلف طرق تدبير المدن والأمم في الزمن الحاضر. هذا وقمينٌ بالذكرِ أن الفارابي ينفردُ لوحده، حسب محسن مهدي، بهذه الخاصية في تاريخ الفلسفة الإسلامية، الأمر الذي يضع القارئين له في حيرةٍ متسائلين: ما الذي نفهمه من مصنفٍ في العلم المدني، يبدأهُ صاحبهُ بعلم ما وراء الطبيعة أو علم الكون، ثم علم النفس، وعلم وظائف الأعضاء، وينهيهِ أخيراً بالعلم المدني؟

بالجملة، إن فلسفة الفارابي، كما يقدمها لنا محسن مهدي، ساهمت في تقديم تصورٍ لما يجب أن يكون عليه الاجتماعُ المدني، أيْ اجتماع الأمة بشكلٍ عام، ولم تدع فقط إلى خلاص الفرد فقط، بل طالت خلاص الأمة بأسرها. ليس ذلك وحسب، بل إنها تطال، أيضاً، الإنسانية جمعاء، أي الإنسان المتحضر بصفةٍ أينما وُجِد. لقد حاول الفارابي فهم الحياة العامة للناس وإدراك نوعيتها، ثم جعل هؤلاء الناس يُدركون هذه الحياة وينخرطون فيها. ولعل الأمر الذي يدعو في فلسفته المدنية، إلى تصورٍ جديدٍ للاجتماعِ المدني الإسلامي، أنهُ يكن لم راضياً من جهة على نمط هذا الاجتماع، ولم يكن، من جهة أخرى، راضياً على المقاربة التي قدمها الفلاسفة المسلمون سواءٌ الأوائل منهم أو الذي عاصروه.

نخلصُ في الأخير مع قراءة محسن مهدي لفلسفة الفارابي المدينة، إلى مدى أهمية هذه الأخير في فهم نمط عيش الإنسان بوصفه كائناً يعيشُ داخل الجماعة؛ فقد أكد محسن مهدي أن إهمال هذه الفلسفة المدينة، من شأنه أن يُلحق الضرر بالفلسفة أولاً، وبالحياةِ المدنيةِ ثانياً. بالتالي، تدخل الأمةُ في أفقٍ ضيقٍ، تغيبُ فيه المناقشاتُ العامة، والخطاب العقلاني، وكذلك التنوير. من هذا المنطلق، يمكن فهم لمَ أَوْلى الفارابي اهتمامَهُ بهذه الفلسفة المدنية، والبحث في الحياة العامة لأمتِهِ.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق