القاصة بسمة النسور لـ "ذوات": كيف يمكن لأصحاب الفكر التنويري مساندة الاستبداد؟
13 نوفمبر 2015 | 0 تعليق

بسمة النسور – (أرشيفية)
* حاورها: موسى برهومة

تعتبر الكاتبة والقاصة الأردنية بسمة النسور أن خيانة المثقف لقضيته باتت عنواناً للمرحلة، لافتة إلى أن السقوط السياسي والأخلاقي والإنساني المدويّ لبعض المثقفين يشكّل نموذجاً صارخاً على زمان مفجع يدعم فيه أصحاب الفكر التنويري، النهج الاستبداديّ الذي يقهر الشعوب، ويغتال إرادتها.

وترى النسور في حوارها مع "ذوات" أنّ قوى الشد العكسي ماثلة في المشهد الثقافي العربيّ بعامة، من خلال التواجد النقابي لمعدومي الموهبة وأصحاب الوﻻءات السياسية المشبوهة الذين يلوّثون الأجواء بفكرهم الإقصائي المتحجّر المذعور من رياح التغيير التي هبّت على المنطقة.

أنجزت النسور، وهي محامية في الأصل، 6 مجموعات قصصية، ونصين مسرحيين. ومن بينها مجموعاتها: (نحو الوراء)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1991. (اعتياد الأشياء)، دار الشروق، عمّان، 1994. (قبل الآوان بكثير) ، دار الشروق، عمّان، 1999. (النجوم لا تسرد الحكايات) ، دار الشروق، عمّان، 2002. (مزيداً من الوحشة) ، دار الشروق، عمّان، 2006. وكذلك (خاتم في مياه بعيدة). وتكتب النسور المقالة الصحافية، حيث عكفت على كتابتها أولاً في صحيفة "الدستور" ثم "الغد"، وهي الآن تكتب في صحيفة "العربي الجديد" اللندنية.

عمان مدينة ساحرة وأمّ حنون ولها خصوصية وملامح تتمثلان في التمازج بين العراقة والحداثة 

ترأست تحرير مجلة "تايكي" المتوقفة عن الصدور المتخصصة في إبداعات المرأة . وتعمل حالياً في أمانة عمّان مديرة لبيت تايكي الذي يقيم أنشطة وفعاليات ثقافية متنوعة، فضلاً عن كونها مديرة ملتقى القصة الذي يقام سنوياً في العاصمة الأردنية بمشاركة عربية.

هنا نص الحوار:

كيف لا أغضب؟

*يلاحظ عليك الغضب والتبرم من أحوال الدنيا، وأوضاع الثقافة والمثقفين، هل هو غضب مؤقت وعابر؟ وهل تتصورين خطة بديلة لإصلاح ما أمكن من الخراب؟

-  الغضب والتمرد. مرده الواقع المأساوي الذي نعيشه على غير صعيد. سيما السياسي. شعوب مقهورة. أنظمة مستبدة، حالة تشظ وانقسام، جهل وعصبوية، تطرف، وضيق أفق. هذه بعض من ملامح المشهد الراهن. زد عليه الدور المشبوه الذي يلعبه مثقفون في انحيازهم لرموز اﻻستبداد. أﻻ تسبّب هذه الوقائع غضباً وتبرماً، وذلك أضعف الإيمان؟!

ولا ننسى أن حالة اليأس القصوى تحجب إمكانية تصور خطط بديلة، فيبقى الرهان قائماً على نزعة الخير والحق الفطريّة في الإنسان، أقصد الحل يبدو لي فردياً، وعلى كل واحد منا الشغل على نفسه، كي ينأى بها عن هذا القبح.

* هل تعتقدين أن هناك اهتماماً رسمياً حقيقياً بالثقافة من قبل صانع القرار في الأردن؟

-  ﻻ أرى اهتماماً جوهرياً بالثقافة على المستوى الرسمي. صحيح أنّ هناك معارض كتب، ومهرجانات مسرحية، وملتقيات ثقافية، وعروض سينما، ومعارض تشكيلية، ومحاضرات، وندوات. غير أنّ معظمها مبادرات فردية وﻻ يتعدى تأثيرها نطاقاً محدوداً يبقى عاجزاً عن إحداث أي تغيير أو تطوير في بنية المواطن الأردني اللاهث وراء لقمة العيش في ظل ظروف معيشية بالغة الصعوبة.

ﻻ يُعامل الكاتب في بلادنا بما يليق به قياساً بالكتّاب في الغرب ولا يتم الاحتفاء بمنجزه وتكريمه

قوى الشد الثقافي العكسي

 * قوى الشد العكسي مصطلح سياسي، لكنه أضحى أيضاً ذا مفعول اجتماعي. هل يندرج الأمر على الثقافة؛ بمعنى هل هناك قوى شد عكسية في الساحة الثقافية، وما ملامحها، وكيف تتحرك، وما أدواتها؟

 

 -    قوى الشد العكسي ماثلة في المشهد الثقافي من خلال التواجد النقابي لمعدومي الموهبة. أصحاب الوﻻءات السياسية المشبوهة موجودون بيننا يلوثون الأجواء بفكرهم الإقصائي المتحجّر المذعور من رياح التغيير التي هبّت على المنطقة. وهؤلاء متشبّثون بأنظمة مستبدّة عفنة، ومن مصلحتهم إقصاء أي اسم يحمل موهبة حقيقية ولديه القدرة على التمييز واتخاذ مواقف حرة منحازة للحق، والحق فقط.

*أنت عمّانية منذ زمن بعيد، هل تعتقدين أن لعمّان ملامح ثقافية تميزها عن سواها، وتجعلها عالقة في الذهن أسوة بالعواصم العالمية؟

-  نعم، لعمّان خصوصية وملامح تتمثلان في التمازج بين العراقة والحداثة؛ عمان مدينة ساحرة، وأمّ حنون تلقفت، عبر تاريخها، الغرباءَ، ومنحتهم الأمان والدفء..لكنها مدينة مظلومة. نلوذ بها جميعاً، فيتسع حضنها لنا، بيْد أنّ ﻻ أحد يقول إنني عمّاني الأصل. أذهب أحياناً إلى جبل القلعة، أطلّ عليها من أعلى نقطة في الجبل، حيث معبد هرقل. أفرح بتبدّل مزاجها، وتبهرني قدرتها على احتواء كل هذه المتناقضات وصهرها.

 لعلّي أكتب رواية

*بدأت قاصة وتحوّلت إلى كتابة المقالة الصحفية. لكنك لم تتوجهي إلى الرواية، كما يفعل قصاصون كثر. لماذا؟

بدأت قاصة، وأعتبر نفسي من المخلصين لهذا الجنس الأدبي المدهش الذي يشهد حالة من التطور يمكن تلمّسها من خلال إصدارات الشباب، وكذلك من خلال ملتقيات القصة التي تقام في دول عربية عديدة.

 وقد أخذت على عاتقي مهمة تكريس هذا الفن من خلال اضطلاعي بموقع مدير ملتقى القصة في الأردن الذي يقام سنوياً، مستضيفاً أبرز كتّاب القصة في العالم العربي، وتتناول محاوره كل عام قضايا متعلقة بفن القصة. إضافة إلى تكريم الرواد من كتّاب القصة الأردنيين والعرب، وكذلك القراءات القصصية لكاتبات القصة وكتابها من الأجيال كافة.

وفي هذا السياق، لم أتحول لكتابة المقالة. بل تزامنت كتابة المقالة مع انطلاقتي القصصية. كتبت المقالة في صحيفة الدستور من خلال زاوية أسبوعية، وذلك في وقت مبكر، وبتشجيع كبير من المرحوم الأستاذ جورج حداد.

أتذوق الرواية وأستمتع بقراءتها. أما كتابتها فمسأله أخرى، لأنه ليس لديّ ثقة من قدرتي على الصبر والمثابرة التي يتطلبها التفرغ لرواية مقنعة. ومع ذلك ليس لديّ موقف نهائي من المسألة. لعلّي أكتب رواية يتيمة في نهاية المطاف، من يدري!

* حظيتِ باهتمامات نقدية لمشروعك القصصي أردنياً وعربياً. هل جرى إنصاف تجربتك؟

-  نعم، ﻻقت تجربتي اهتماماً محلياً وعربياً منذ البدايات، فقد قدمني كل من الراحلين جبرا إبراهيم جبرا وإحسان عبّاس. وتمت ترجمة أعمالي ﻻكثر من لغة. كما تمّ تدريس قصصي في المناهج  المدرسيّة للمرحلة الثانوية. وأعدّت أكثر من رسالة ماحستير حول تجربتي القصصية، لذا ﻻ يمكنني التذمّر من أي تجاهل أو إهمال، ومع ذلك، وبشكل عام، ﻻ يُعامل الكاتب في بلادنا بما يليق به قياساً بالكتّاب في الغرب، حيث يحظون، هناك، بتقدير عالٍ، وتعمل دولهم على توفير ظروف حياة مريحة تتيح لهم التفرغ لمنجزهم الإبداعي، علاوة على تمتعهم، شأن مواطنيهم، بمزايا التأمين اﻻجتماعي والصحي التي تقيهم شر السؤال. كما تحتفل بلدانهم بمنجزهم وتفتخر به. وهذه مظاهر غير متحققة للكاتب العربي، ما لم يكن محسوباً على جهة ما، أو محصّناً نفسه بشبكة علاقات تسهّل حضوره ومشاركته في المناسبات والفعاليات الثقافية المختلفة.

السقوط السياسي والأخلاقي والإنساني المدويّ لأدونيس يشكّل نموذجاً صارخاً على زمان مفجع

 

 

سقوط المثقف

*المثقف الذي يخون قضيته. مسألة تتفجّر كل حين في غمرة التحوّلات والانقلابات السياسيّة. وكلّ فريق يمتلك ذريعته الخاصة. هل هناك سبيل محدّد لرصد انحرافات المثقف وخيانته؟

-   خيانة المثقف لقضيته باتت عنواناً للمرحلة. السقوط السياسي والأخلاقي والإنساني المدويّ لأدونيس مثلاً، يشكّل نموذجاً صارخاً على زمان مفجع ينتصر فيه، من نفترض أنهم أصحاب فكر تنويري، لنهج استبداديّ يقهر الشعوب، ويغتال إرادتها. ليس ذلك فحسب، بل يصبحون طواعية من أدوات القمع، حين يبرّرون الطغيان، بذريعة مواجهة الإرهاب الديني الذي أراه أحد أهم أذرع اﻻستبداد، وهو ما أطال أمده، حيث نجح في ترويع الجماهير من مغبّة المناداة بالحرية والديمقراطية وحق تقرير المصير.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق