القاص نبيل عبدالكريم لـ "ذوات": الإنسان العادي هو البطل
30 اغسطس 2016 | 0 تعليق

نبيل عبد الكريم – (ذوات)
حاوره: موسى برهومة *

يرى القاص الأردني نبيل عبد الكريم أنّ الإنسان العادي هو بطل القصص، وأنّ القصة القصيرة العربية تخلّت عن محمولاتها الأيديولوجية القديمة، ولم يعد بطلها المفضل هو السياسي المناضل، أو البروليتاري الكادح، أو الفلاح الفقير، أو الإقطاعي الجشع، أو الأم المضحية، أو الفتاة العاشقة.

ويعتقد أنّ القصة القصيرة فارقت نمطيتها ورسالتها الدعائية وصارت أقرب إلى الحياة الواقعية، ولا وجود للمقدّس والمدنّس فيها، مشيراً إلى أنّ الموجود فيها الآن هو الحس الإنساني في أبسط تجلياته، وبطلها هو الإنسان العادي أينما وجد، وموضوعها هو المشترك بين الناس جميعاً.

وقال عبد الكريم في حوار مع "ذوات" إن فن القصة الجميل بأمواجه الهادئة وأغواره العميقة جذبني إليه دون قصد مني، أو وعي نظري كامل بشروطه الحِرَفية. وأضاف: القصة القصيرة هي الشكل الأدبي الذي سكبت فيه تجربتي الحياتية الشابة، لغتي التي كنت أختنق بها، وهي تمور في داخلي كالحمم وجدت مساربها في الإمكانيات السردية غير المحدودة لهذا الفن الفريد.

وللقاص نبيل عبد الكريم مجموعتان قصصيتان هما "الصور الجميلة" و"مصعد مزدحم في بناية خالية"، وبينهما عشرون عاماً خلد خلالها الكاتب إلى العزلة والصمت الطويل.

وبسؤاله إن كانت مجموعته الثالثة ستنتظر عشرين عاماً أخرى، ردّ: لا أدري، فالكتابة في عرفي تجنيداً إجبارياً، ولا أحسب نفسي في صفوف القصاصين المحترفين.

وفيما يأتي تفاصيل الحوار:

*يحتاج الكُتّاب، عادة، إلى عدة مجموعات أو كتب كي ينخرطوا في دائرة من يُشار إليهم بالبنان. أنت فعلتها منذ المرة الأولى، ونلت الإعجاب وأبهرت الكثيرين في مجموعتك الأولى "الصور الجميلة". كيف تصف تلك التجربة؟

أصفها بمن يرى البحر لأول مرة فيرتمي في حضنه دون حساب للعواقب؛ كان علي أن أفعل ذلك لأعرف أنني سبّاح بالفطرة؛ فن القصة الجميل بأمواجه الهادئة وأغواره العميقة جذبني إليه دون قصد مني، أو وعي نظري كامل بشروطه الحِرَفية. القصة القصيرة هي الشكل الأدبي الذي سكبت فيه تجربتي الحياتية الشابة، لغتي التي كنت أختنق بها وهي تمور في داخلي كالحمم وجدت مساربها في الإمكانيات السردية غير المحدودة لهذا الفن الفريد؛ الشخوص والأحداث والصور البصرية والأخيلة، كلها عناصر كانت تقود لغتي إلى اتخاذ القصة شكلاً محبباً للتعبير عن تجربتي. كنت أكتب بلذة كبيرة وتدفق واستغراق كطفل يلهو بقطع الليغو؛ يركبها ويفككها دون ملل.

* لكنّك بعد المجموعة الأولى صمتَّ فجأة، ورحتَ في عزلة امتدت عشرين سنة. ما الذي دهاك؟

أنا مثل الخبّاز لا أكتب إلا حين تختمر عجينتي، ولا أضعها في الفرن إلا إذا كنت واثقاً من أنها ستخرج صالحة للأكل

قصصي الأولى أبهرت الكثيرين حين نشرتها في الملاحق الأدبية للصحف الأردنية أوائل التسعينيات، وحين جمعتها في كتاب صدر عن دار أزمنة للنشر والتوزيع سنة 1996. ولكنّ كلمة (الكثيرين) لا تعني عموم القراء، بل النخبة الأدبية من شعراء وكتاب يعرفون جماليات القصة القصيرة ويتذوقونها. ربما كان سبب إعجابهم بقصصي المستوى العالي من التجريب الذي مارسته فيها، واعتنائي بالتنويع في الشكل القصصي القائم على اللغة. أما القارئ العادي، فيبحث في القصة عن الفكرة والموعظة والمعنى والخاتمة المغلقة، ولا يدرك أنّ جمال القصة يكمن في المفردة والجملة والبناء اللغوي الذي لا يَأْلف معنى واحداً ولا مبنى ثابتاً. لقد خلّف ذلك عندي نوعاً من الإحساس بلاجدوى الأدب في مجتمع عربي لا يقرأ. وقد يكون هو ما دفعني إلى الصمت الطويل.

لكنني – حين أسأل نفسي عن سبب توقفي عن الكتابة - أرجّح أن يكون وراء ذلك أمراً يتعلق بما ذكرته في إجابتي عن السؤال الأول، وهو الكتابة كتجربة فنية وشعورية متجددة وممتعة، فبعد صدور مجموعتي الأولى فقدت الشغف بالتجريب والاكتشاف..

* هل للعزلة علاقة بطبيعتك النفسية. أنت شخص خجول ومنطوٍ نوعاً ما. هل أثّر هذا الأمر على قرارك بالصمت عن النشر، (وربما الكتابة)، لا نعلم؟!

أنا خجول ومنطو كما ذكرت، لا أنكر ذلك. وطبعي هذا جعلني أميل إلى العزلة الاجتماعية، حتى خُيّل إلى كثيرين أنني متعجرف. وهذا النوع من العزلة - الذي لا حيلة لي فيه - يختلف عن اعتزال الكتابة.

لقد حاولت مرات عدة كتابة قصة جديدة خلال السنوات الماضية. لكنني كنت أكتشف أنني أكتب بلا شغف، وأكرر ما سبق أن كتبته. ولهذا فقد آثرت الصمت.

* عدتَ بمجموعة قصصية ثانية "مصعد مزدحم في بناية خالية". هل سننتظر عشرين عاماً جديدة كي نطالع مجموعتك الثالثة؟

لا أدري، فالكتابة في عرفي ليست ضربة لازب، وليست تجنيداً إجبارياً، ولا أحسب نفسي في صفوف القصاصين المحترفين. أنا عاشق للقصة القصيرة ولفن السرد عموماً، وأنتشي حين أقع على مجموعة قصصية متميزة، فأقرأها كما أقرأ رسالة غرامية، وأستمتع بها كما أستمتع بالجنس أو الطعام أو الموسيقى. أنا مثل الخبّاز لا أكتب إلا حين تختمر عجينتي، ولا أضعها في الفرن إلا إذا كنت واثقاً من أنها ستخرج صالحة للأكل. مجموعتي الثانية كتبتها في زمن قياسي (سنتان) واستعدت فيها شغفي القديم في التجريب مع نضج أكبر في التجربة الحياتية وفهم فن القص. وأزعم أنني سلكت فيها طرقاً لم أسلكها في مجموعتي الأولى.

* ما يميّز قصصك عموماً ابتعادها أو انسلاخها عن مألوف القصّ التقليدي، فضلاً عن اشتغالك الدائم على الحفر النفسي في بنية القص والشخوص. مَن مِن القصّاصين ألهمك إلى هذا الاتجاه؟

ألهمني تشيخوف في قصصه القصيرة. يمكنني القول إنه معلمي. قرأت آخرين وتأثرت بهم. نجيب محفوظ، خصوصاً مجموعته الساحرة (دنيا الله). هناك آخرون. ما زلت أقرأ وأضيف إلى مائدتي مذاقات جديدة. لكنني أتعلم من الناس أكثر مما أتعلم من الكتب. الحفر في العوالم النفسية للبشر عملية شاقة، تحتاج إلى تأمل طويل وذاكرة انتقائية وأدوات مسننة.

* في قصصك جرعة عالية من السخرية والتهكم. هل تسعى من وراء ذلك إلى المفارقة وحسب؟

السخرية هي الروح السارية في فن السرد منذ ( الدون كيخوتة ) إلى اليوم، كما يسري الماء في عروق الجبال الصخرية الصلدة. المؤلف يكتب بمنتهى الجدية، وعليه أن يصدق نفسه، وهو يخلق عالماً موازياً أو مفارقاً للواقع، والسخرية تكمن في الشقوق العميقة التي يعجز عن ملئها بالحقائق واليقينيات في تصوره للعالم. السخرية هي المهمة المستحيلة التي يتنطّع لها المؤلف بأن ينمذج العالم، وهي الشك المريع والمحزن الذي يعتري المؤلف في إمكان خلق عالم مثالي.

القصة في الأردن رسخّت أقدامها منذ الستينيات، وشهدت عصرها الذهبي مع القصة العربية حتى التسعينيات

* تعكس قصصك، من حيث طولها، صورة كاتب منقطع الأنفاس. تكتب كأنك ترغب في إلقاء كل ما جوفك دفعة واحدة. ألهذا السبب تحبّ الروايات القصيرة؟

القصة القصيرة بناء مشدود ومتماسك ومنسجم العناصر، والقاص البارع لا يقول كل ما يعرف عن شخوصه وأحداث قصته، بل ينتخب أهم التفاصيل وأدقها وأخفاها ويهمل الشائع والعادي والمكرر والمرئي بوضوح. القصة القصيرة تشبه الحلم في بنيتها، كما يقول سيجموند فرويد؛ مكثفة ومعقدة ومتشابكة، ولكنها غزيرة المعاني والدلالات. الرواية القصيرة تلتقي مع القصة القصيرة في هذه الصفات، صفات الفن الخالص، الخالي من الإفاضة والحشو والثرثرة، طبعاً يحق لـ (هاروكي موراكامي) على سبيل المثال أن يكتب رواية من 600 صفحة أو أكثر، فهو روائي واسع الخيال، ولكن الاختصار أشرف له وللقارئ.  

*غالبية القصّاصين اتجهوا إلى كتابة الرواية. هل للأمر صلة بِحيرة الفن القصصي، أم أنّ صولجان الرواية أكثر بريقاً وسطوة؟

وهو أيضا أوسع انتشاراً وظهوراً إعلامياً، وهنا يكمن مقتلها – أي الرواية – خصوصاً العربية، لأنها صيادة جوائز ومكافآت. إنها لا تقوى على الصمود من الناحية الفنية أمام نظيرتها العالمية. الرواية العربية ازدادت عددياً، ولكنها تراجعت فنياً. والروائيون العرب يصدرون الرواية تلو الرواية دون تروٍّ أو إنضاج أو مراجعة، حتى الكبار منهم، ومن ينجح في واحدة يخفق في الثانية ويتعمق إخفاقه في الثالثة، لأنهم يتحولون إلى ماكينات طباعة. أما القصة القصيرة، فهي متحررة من سطوة الشهرة واللهاث خلف الجوائز، وهي قادرة على التجدّد والانبعاث ما دام القاصون مخلصين لهذا الفن الرشيق. ويمكن لفن القصة، بسبب حداثته وحيويته وصلته الوثيقة بقضايا الإنسان والمجتمع المعاصرين، أن يكون أدباً أوسع انتشاراً مما حققه الرواد، ولكن هذا يعتمد على وعي القاصين بشروطه الفنية.

* ثمة من يأخذ على القصاصين الشاعرية في كتابة السرد. هل هذه فضيلة أم منقصة؟

الشاعرية التي شاعت في تجارب القاصين في الثمانينيات والتسعينيات شوهت وجه القصة القصيرة، وأسرتها في قوالب لغوية فقيرة وفارغة، وأوقعتها في الذاتية والعاطفية، وهي مَقاتل القصة، الأمر الذي أسهم في انفصال القصة عن جوهرها وشكلها كفن يقوم على تشريح العالم بحياد وموضوعية الأطباء. وأظن أنّ القصة بدأت تتعافى من ذلك الأسلوب العقيم، وهذا يبشر بانطلاقة جديدة.

*القصة في الأردن والعالم العربي. هل لها حضور. هل تجتذب قراءً. أم أنّ الناس انفضّت عن الأدب؟

القصة في الأردن رسخّت أقدامها منذ الستينيات، وشهدت عصرها الذهبي مع القصة العربية حتى التسعينيات، وأسهمت الصحافة الأدبية في توسيع دائرة قرائها. مؤخراً أخذ كتاب القصة يستفيدون من الفيسبوك والمواقع الإلكترونية المتخصصة في لفت انتباه القارئ. ولكنّ ثمة خطراً يهدّد القصة يتمثل في خضوع الكتاب لمواصفات الكتابة (الفيسبوكية) بهدف استدراج القارئ غير المثقف، فصار بعض القاصين يجنحون إلى كتابة قصص قليلة الكلمات، فاقعة وصادمة للمشاعر ومستدرّة للعواطف. وهذا مأزق جديد تقع فيه القصة القصيرة. ولذلك أدعو القاصين إلى كتابة القصة بمعزل عن شروط الفيسبوك. 

* من من القصّاصين والقصّاصات يجذب انتباهك. وأي تطورات تراها قد مسّت هذا الفن القديم؟

أرى أن القصة القصيرة العربية تخلّت عن محمولاتها الأيديولوجية القديمة، ولم يعد بطلها المفضل هو السياسي المناضل، أو البروليتاري الكادح، أو الفلاح الفقير، أو الإقطاعي الجشع، أو الأم المضحية، أو الفتاة العاشقة. القصة القصيرة فارقت نمطيتها ورسالتها الدعائية وصارت أقرب إلى الحياة الواقعية، ولا وجود للمقدّس والمدنّس فيها، الموجود فيها الآن هو الحس الإنساني في أبسط تجلياته، وبطلها هو الإنسان العادي أينما وجد، وموضوعها هو المشترك بين الناس جميعاً.

تعجبني قصص ليوسف إدريس، وعالمياً أليس مونرو، وميلان كونديرا، وجومبا لاهيري.

تعجبني قصص تشيخوف ونجيب محفوظ ويوسف إدريس، وعالمياً أليس مونرو، وميلان كونديرا، وجومبا لاهيري

في الأردن هناك انتاج قصصي غزير لمائة قاصة وقاص - وربما أكثر-  ظهروا خلال العقود الأربعة الأخيرة، وهذا الانتاج لا يجد مواكبة نقدية كافية لتقييمه وتأصيله، ولذلك هو أشبه ما يكون بحديقة غير مشذبة.

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق