الكاتب التونسي الأسعد بن حسين لـ"ذوات": الإبداع كائن غريب!
05 فبراير 2017 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

قال الكاتب والسيناريست التونسي الأسعد بن حسين "إن الإبداع كائن غريب" ولكن له القدرة على تغيير حياة الناس والتأثير فيها بلا انقطاع.

وأوضح بن حسين، في حوار خصّ به "ذوات"، أنه لا يهتم بانتماء الكاتب ولا بموالاته للسلطة من عدمه، بقدر ما يهتم بنصّه إن كان محترما أم ساذجا، نافيا أن يكون الكتّاب قد غادروا جبة السلطة، لأن الثورة الثقافية لم تحدث بعد حسب تقديره.

والأسعد بن حسين واحد من أبرز كتاب القصة القصيرة المعاصرة في تونس، من مواليد مدينة قابس بالجنوب التونسي سنة 1963، أصدر ثلاث مجموعات قصصية هي: "معجزة أخرى للحب" (1997)؛ و"وقع حذائها" (2008)؛ و"سأكتبها سيقرؤها" (2012)، كما له خمسة أعمال مسرحية، بالإضافة إلى كتابة سيناريوهات شريطين سينمائيين طويلين وستة أشرطة قصيرة.. كما كتب مسلسلين تلفزيين وسلستين هزليتين.

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

*       كيف تقدم نفسك للقارئ العربي؟

-      الأسعد بن حسين، أفضل أن أقدم نفسي كقصاص لأنه الجنس الأدبي الأحب إلى قلبي، والذي تندرج ضمنه كتبي الثلاثة التي أصدرتها إلى حد الآن. ومع ذلك فأنا أكتب للمسرح والسينما والتلفزيون، وهي نوعية من الكتابات التقنية بالأساس أرتاح خلالها من عناء الكتابة القصصية التي أعتقد أنها من أصعب الأجناس.. ولي كذلك محاولات في النقد والترجمة، يتطلبها أساساً حضوري في بعض الندوات الأدبية أو مساهمتي في بعض المجلات الأدبية. أكتب منذ ما يزيد عن العشرين سنة، لكن أعتقد أن شغف المطالعة والتهام الكتب هو ما يأسرني حقاً في الحياة.

*      الأسعد بن حسين قاص وسيناريست وكاتب مسرحي، كيف توفق بين كل هذه المجالات الإبداعية خصوصاً أنك تميزت فيها جميعاً قصة ومسرحاً وسينما ودراما؟

-       أنا لا أحدد في العادة طبيعة النص الذي يختمر في ذهني أو هويته أو جنسه، كما أني لا أمسك القلم بسهولة. أترك الفكرة تختمر في ذهني لأيام طويلة وأشكلها في جملة مفصلية  تلخصها، بعد ذلك أقرر الجنس الأفضل لإيصالها للناس فتخرج أحياناً في شكل قصصي وأحياناً أخرى في شكل مسرحي أو سينمائي.

لكن بالنسبة إلى السينما أو الدراما التلفزية، فإني أخير عادة أن أشتغل تحت الطلب سواء من مخرج أو من هيكل إنتاج فلا يعقل أن تضيع ستة أشهر أو أكثر في كتابة مسلسل تلفزيوني لن يجد طريقه للإنتاج، أو ليبقى حبيس أدراج مكتبك، أما مسألة التوفيق بين هذه الأنواع الإبداعية المختلفة فهناك نوع من النظام الذي فرض علي نفسه منذ ما يزيد عن الخمس سنوات، ذلك أن التلفزة التونسية لا تنتج أعمالاً درامية إلا في شهر رمضان، فأحاول أن تكون مشاريعي جاهزة أو على الأقل جزء منها قبل ذلك الشهر بستة أشهر، والسينما أشتغل على نصوصها في الربيع، باعتبار أن لجنة الدعم السينمائي تقبل المشاريع في بداية الصيف، وبقية أيام السنة هي للكتابة الإبداعية وأساساً القصة ، ولكن أحيانا تراودني أفكار مجنونة أنطلق في كتابتها مباشرة؛ لأنها لا تحتمل الانتظار، ويجب أن أعترف بأني كاتب كسول لا أميل كثيراً للمراكمة الكمية ولا للإكثار من النشر، وهذا يجعلني أحياناً أؤجل بعض المشاريع لتتراكم في نهاية الأمر وتجبرني على الانغماس فيها لأسابيع متتالية.. أما مسألة التميز فلست مؤهلاً للحكم على أعمالي، رغم أن بعض النقاد يصنفوني ضمن أفضل كتاب القصة في تونس، وأعمالي الدرامية وجدت صدى طيباً عند الجمهور وأهل المسرح والسينما، ولكن أعتبر أني إلى الآن لم أكتب النص الذي أطمح إليه فعلاً والذي يمكن أن يمنحني بعض التميز.

*      بحكم اطلاعك على المشهد الإبداعي وانخراطك فيه منذ عشرات السنين، هل ترى أن صخرة الإبداع قد تزعزعت بخروج بعض المبدعين من جناح السلطة؟

-      أنا لا أحاسب الناس على انتماءاتهم ومن حق كل كاتب أن يختار الفلك الذي يسبح فيه ، صحيح أني أحترم الكتاب التقدميين المخلصين للكتابة والذين لا يبحثون عن جاه أو ولاء للسلطة، لكني أنتصر للنص الجيد ولا يهمني كثيرا انتماء صاحبه الأيديولوجي أو السياسي، فكثير من الكتاب المحسوبين على السلطة تعجبني نصوصهم، كما لا تعجبني بعض النصوص أصحابها من المناضلين التقدميين، ولو حاسبنا الأدباء على انتماءاتهم ما كنا لنقرأ كتابات "جورج أورويل" أو "بالزاك" أو نجيب محفوظ أو بدر شاكر السياب أو محمود المسعدي والقائمة طويلة.

أما عن خروج بعض الكتاب عن جناح السلطة، فهذا لم يقع لاعتبارين اثنين أولاً أن تونس لم تشهد ثورة ثقافية، وثانيا لأن هؤلاء الكتاب يحذقون اللعب على الحبال. إنهم بهلوانيون يغيرون ولاءهم من سلطة إلى أخرى ومستعدون دائماً لموالاة من يحكم حتى لو كان حزباً لا برنامج ثقافي له، أو لا يؤمن بالثقافة والفنون أصلاً.. ولعل من عجائب البلاد التونسية أن بعض مثقفيها وقع تكريمهم في كل العهود السياسية التي عرفتها تونس قبل الثورة وبعدها!!!

*      إذا لم تكن الثورة ثقافية فإنها ثورة مع تأجيل التنفيذ، هل ترى أن الثقافة قد تزحزحت بعد ما يعرف بـ"الثورات العربية"؟

-      لا يمكن للسياسي أن يزحزح الثقافي، يمكن للثقافة أن تعرف بعض فترات الجزر لكنها لا تموت.. من يتذكر أسماء ملوك الجاهلية، ومن يذكر أي ملك عاصر أبا نواس أو بشار؟! ومن يعرف رئيس العراق في عهد السياب؟!!!

ثم إنني ﻻ أؤمن بثورات عربية، لقد حصلت ثورة ونصف فقط، ثورة في تونس ونصف ثورة في مصر والتجربتان مازالتا تعانيان حتى تكتملا فعلياً.

*      يرى كثيرون أن المثقف العربي لم يستطع بعدُ تحقيق الاستقلالية؛ لأنه يبحث دائماً عن الانضواء تحت "قبّة" ما، غالباً ما تكون قبة السلطة بأنواعها (دينية، سياسية، إبداعية..). ما دور المثقف الحقيقي في رأيك خصوصاً في هذه اللحظة التاريخية التي نعيش؟

-      دور المثقف أن يحرك المياه الأسنة، أن يكون إلى يسار السلطة، أية سلطة كانت، وعلى كل فنان أن يخلص لفنه بعيداً عن قيود الرقابة الذاتية أو النظامية أو الدينية.

*       أيهما يصنع الآخر في رأيك: الإبداع أم الحرية؟

-      الإبداع كائن غريب، قد يصنعه الاستبداد مثلما قد تصنعه الحرية؛ لأنه فعل ذاتي خاص بمبدعه وبتركيبته النفسية والاجتماعية، وليس للإبداع بالضرورة غاية سياسية أو اجتماعية ولكن الكثير من الأعمال الفنية غيرت حياة أناس ومنحتهم إرادة ساعدتهم على التحرر والانعتاق. المثالي أن يجتمع الإبداع والحرية تحت سقف واحد، حينها سيتغير وجه العالم!

*      إلى جانب إبداعك، أسست سنة 2010 نقابة الكتاب، ماذا كانت أهدافكم خاصة في ظل وجود اتحاد الكتاب ورابطة الكتاب الأحرار، وإلى أي مدى نجحتم في تحقيق بعضها إلى حد الآن؟

-      تأسست نقابة كتاب تونس في يوليو2010، وكان هدفها الرئيس الدفاع عن حقوق الكتاب المادية والمعنوية، ونال مؤسسوها ما نالوه من سياط الدكتاتورية التي كانت ترى في اتحاد الكتاب أداتها الثقافية.. وسرعان ما جاءت الثورة وحققت النقابة بعض المكاسب الطفيفة للكتاب، لكن قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل خذلت النقابة واضطررنا لتجميدها وسنحولها في الربيع القادم إلى نقابة مستقلة للكتاب حتى نعطيها دفعاً أفضل.

*      يبدو أن الأزمة ليست في وجود نقابات أو اتحادات ترعى الكاتب، بل إن الأزمة في الكاتب نفسه الذي لم يَعِ بعد بدوره الحقيقي في المجتمع ومسؤوليته في تغيير التاريخ ودفعه نحو الأمام. هل تشاطر رأي من يقول هذا؟

-      الكتاب التونسيون كأية خلية اجتماعية فيهم الصالح والطالح والصامت والانتهازي وفيهم رجال نفخر بهم محلياً وشرقاً وغرباً... ما يقلقني هو عزوف الكثير من الكتاب عن الخوض في الشأن العام ربما بحسابات ضيقة أو عن جبن.. والمهم بالنسبة إلي أن يحافظ الكاتب على رأسمال رمزي يتمثل في مسألتين: أن يكتب نصاً محترماً أولاً، وأن يحفظ كرامته ثانياً.

*      أين القصة القصيرة اليوم من واقعنا؟ وهل تراها قادرة على إثبات وجودها في ظل "زمن الرواية"؟

-      ستفطن بعض المؤسسات المالية إلى قيمة القصة القصيرة وستخلق لها جوائز محترمة، حينها (وللأسف ربما) سيكون لها إشعاع كبير.

ربما عالميا الزمن زمن رواية، لكن عربياً لا أعتقد ذلك فلا أرى روائياً عربياً واحداً من جماعة البوكر وما ماثلها من الجوائز جديراً بالترشيح لجائزة نوبل، وليس غريباً أن يكون مرشحنا الوحيد لها في السنوات الأخيرة شاعراً وأقصد أدونيس.

*      كيف تقيّم صعود نجم الرواية: ألأنها تعبر فعلاً عن ذائقة عامة تتجه نحوها أم إن لصعودها أبعاداً أخرى خارجة عنها؟

-      النقاد العرب ودكاترة الجامعات هم المسؤولون، لأنهم يميلون للسهولة والرواية منجز إبداعي سهل مقارنة بالشعر أو بالقصة القصيرة، فطبعاً يخيرون النفخ في صورة الرواية حتى لا يضطروا إلى تجديد آلياتهم النقدية والعودة إلى الأبحاث المنهجية الجادة

*       هل يعكس انتشار الرواية نجاحها نصاً ونضجها تجربة في رأيك؟

-      الرواية منتشرة (بتواطؤ كبير من الناشرين والنقاد ودكاترة الجامعة) لكن أعتقد أنها لم تستوف بعد شروط نجاحها فالرواية نص جامع يمتص الكثير من الأجناس، لكن هي بصدد هضمها بشكل إبداعي. على الأقل بالنسبة إلى الرواية العربية لا أعتقد ذلك...

*      كيف يستشرف الأسعد بن حسين واقع الثقافة العربية؟ هل هي قادرة على التغيّر والتّغيير؟

-      الثقافة العربية رهينة الصراعات الجديدة التي عرفتها المنطقة بعد الانتفاضات الشعبية المعلومة؛ فدخول الإسلام السياسي للمشهد وإمكانية سيطرته على السلطة في عدة بلدان قد يقبر الثقافة العربية (على الأقل في شكلها المتعارف عليه)، ولو نجت الشعوب العربية من سطوة الإسلام السياسي، فربما استطاعت السمو بثقافتها إلى آفاق أرحب.

*       ما مشاريعك الإبداعية المستقبلية؟

-      لدي ثلاثة كتب ستصدر تباعاً في الأشهر القادمة ، كتاب عن المبادئ الأولية في كتابة السيناريو، ومجموعة قصصية جديدة قد تحمل عنوان "تايك بير"، ورواية بعنوان وقتي هو: "جنة المحتالين".

أما سينمائيا فلدي شريطان قصيران وشريط طويل قد يقع تصويرها بين أواخر هذه السنة والسنة القادمة. وأما مسرحياً، فإني أواصل عروض مسرحيتي شتاء دافئ وهي مسرحية بالعربية الفصحى عن الانتفاضات في تونس ليبيا ومصر، وهي من إخراج المخرج الليبي القدير فرج أبو فاخرة.

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق