الكاتب التونسي نبيل قديش أو.. الحياةُ كتابةً
09 سبتمبر 2016 | 0 تعليق

ذوات - عيسى جابلي

هو واحد من الكتاب التونسيين الجدد من أصيلي ولاية الكاف (الشمال الغربي التونسي). ولد سنة 1977 في مدينة أريانة التونسية. نشأ على حب الأدب والمطالعة، رغم اهتمامه أكثر بالعلوم وحلمه أن يكون في يوم من الأيام طبيبا ربما، غير أن الحرف دفعه إلى تخوم أخرى أبعد ما تكون عن الطب والعلوم الصحيحة. دخل عالم القصة القصيرة والرواية من الباب الواسع: مجموعة قصصية أولى "اللعب مع نيتشه" تحصد جائزة في أكبر مسابقة للقصة القصيرة، ورواية أولى "زهرة عباد الشمس"، تحصد جائزة ثانية في أكبر مسابقة للرواية في تونس. إنه نبيل قديش.

نشأ على حب الأدب والمطالعة، رغم اهتمامه أكثر بالعلوم وحلمه أن يكون في يوم من الأيام طبيبا

الترحال ثم الترحال..

في بلدة "سبالة بن عمار" بمدينة أريانة كان الميلاد عام 1977 لتبدأ مسيرة ترحال. كان والداه من ولاية الكاف: "في سن الثالثة انتقلت للعيش مع العائلة في مدينة باجة. كان والداي أصيلا ولاية الكاف قد نزحا بعد زواجهما مباشرة إلى تونس العاصمة في طلب الرزق، ثم ما لبثا أن عادا إلى الشمال مجدّدا مع أربعة أطفال. هكذا بدأت حالة الترحال واللاّ استقرار قد بدأت معي مبكّرا وورثتها جينيا. في مدينة باجة عشت مرحلة الصبا الأولى في عائلة تقدس الدراسة؛ لأنها الأمل الوحيد للنجاة من الفقر".

ويتابع متحدثا عن نفسه: "انتهت مرحلة الدراسة الابتدائية بامتياز، لكنها كانت قاحلة ولم أحمل عنها ذكريات وردية. ترك فيها الفقر بصمته. وكنت مجبرا على العمل في حقول الثوم وعباد الشمس خلال العطلة الصيفية من أجل توفير مصاريف العودة المدرسية في حين كان أندادي يمضون للاصطياف".

سبيل النجاة الأخير..

وكانت النتيجة "شابا ريفيا منغلقا على ذاته متهيبا من الآخر" على خلفية الفوارق الاجتماعية الحادة المزعجة، كما يقول بشيء من المرارة. وربما كان ذلك الانطواء سببا رئيسا في "التعلق المرضي بالدراسة" بوصفها سبيل النجاة الأخير، وكان الحلم بالالتحاق بكلية الطب حلما من الأحلام التي لا تنطفئ. وما زال يذكر يوم طلب إليه أستاذ العربية أن يجوب القاعات، ليقرأ على مسامع التلاميذ والأساتذة نص الإنشاء الذي حصل فيه على علامة كاملة مع ملاحظة "الملامح الأدبية بيّنة، واصل".

كنت أكتب في كلّ مكان وفي أيّ زمان، وكنت أشعر أنني أضعت الكثير من الوقت لذلك كان عليّ أن أتدارك ما فاتني

الصدمة!

غير أن ذاك التميز وذاك الجدّ لم يمنعاه من تلقي "أولى الصّدمات". يقول كما لو كان يتحدث عن شخص آخر: "أول الصدمات التي نالها الشاب الطموح هي نجاحه في الباكالوريا بمعدل متوسط لم يمكنه من الالتحاق بكلية الطب. هنا يبدأ المنعرج الخطير الذي سيدفعه للتخلي تدريجيا عن سقف طموحه، وسيدفعه في سن لاحقة إلى شعور دائم بعدم الرضا، والبحث في مكان أخرى من أجل إرضاء غرور نفس جامحة لا ترضى بالقليل".

خلقت لأكتب..

لاحقا ستنتهي الدراسة الجامعية "كيفما اتفق، وتأتي مرحلة من الكمون هي مرحلة الوظيفة التي كانت تكريسا لحالة ضياع نفسي عززت بدورها حالة عدم الرضا الموروثة عن أيام الشباب الأولى". في تلك الأثناء، سيعرف قديش أنه كان يسلك الطريق الخطأ، وأنه لم يخلق ليكون طبيبا وإنما كاتبا: "في الأثناء وخلال كل السنين التي ابتعدت فيها عن الكتابة كان لدي شعور بأنّ هناك خطأ ما ارتكبته في حياتي جعلني لا أشعر بالرضا عن نفسي. وسرعان ما اكتشفت أنني خلقت لأكتب".

ليتني مثله..

تربى على روايات نجيب محفوظ، وكان مشدودا إلى عوالمه حالما بأن يكون يوما ما روائيا مثله. قرأ أيضا لحنا مينة وطه حسين وعلي الدوعاجي ومحمود المسعدي وغيرهم.. وشده الأدب العالمي الفرنسي خاصة فيكتور هيجو وسانت اكزوبيري.. وكان يشعر دائما بأنه ضيع وقتا كثيرا حتى يجد الطريق الصحيح لذلك لم تكن له طقوس محددة بالمعنى الحميمي للكلمة. يقول: "كنت أكتب في كلّ مكان وفي أيّ زمان، وكنت أشعر أنني أضعت الكثير من الوقت لذلك كان عليّ أن أتدارك ما فاتني. أعتبر أن الكتابة عمل يومي شاق ومضنٍ. أردت أن أكتب يوميا عددا معيّنا من الصفحات بشكل دائم مثلما كان يفعل الكاتب البرتغالي ساراماغو".

المطالعة جعلت مني رغم ذلك الحرمان الفنيّ كائناً حساساً للفنون عن طريق الاستيهام، فرحت أتمثل كلّ ذلك في الكتابة

الملهم الكبير..

إلا أن "غابرييل غارسيا ماركيز" كان ذا مكانة خاصة عنده، لأنه يعتبره من أبرز المؤثرين في كتاباته. يقول عنه: "هو ملهمي الكبير". ويتابع: "اكتشفت معه الواقعية السحرية كمدرسة في الكتابة هو من أبرز أعلامها. الواقعية السحرية هي عالمي الذي يستجيب لميولاتي وطبيعتي في الكتابة. إنها - كما قال عنها بورخس - ليست بالكتابة التي تنقل الواقع كما هو مثلما تفعل الواقعية، ولا تجرحه مثلما تفعل السريالية، بل إنها نوع من البحث عما هو نابض في الواقع، ترتكز عليها لتكتب شيئا فيه روح. "مائة عام من العزلة"، "الحب في زمن الكوليرا"، "قصّة موت معلن"، "غريق على أرض صلبة" وغيرها.. كلها روائع لماركيز أعود لها اليوم من حين لآخر لأنهل منها". ويسرد أسماء كتاب كبار من كتاب الواقعية السحرية قد أثّروا في إبداعه مثل "خوليو كورتاثار"، و"بورخس"، و"فوينتس"، و"يوسا"، و"أستورياس"... ويضيف: "أعتقد أيضا أن الكتاب الروس، مثل العظيم "دوستويفسكي" و"بوشكين" كان لهم أثر على قلمي".

ولما سألناه عن أهمية الأدب ودوره في الحياة أجاب مؤكّدا: "الأدب هو النار المقدسة، والكاتب هو من سيسرق النار المقدسة كما فعل "بروموثيوس" في الميثولوجيا الإغريقية حينما سرقها من الآلهة "زيوس" لينير بها درب الإنسان؛ الإنسان الذي تزداد دربه ظلمة ووحشة وأشواكا يوما عن يوم. لا يهمه إن صلب في العراء فوق قمة جبل تنهش الغربان جمجمته".

وأما عن الجوائز الأدبية التي حصل عليها هذا العام عن مجموعته القصصية وروايته، فيرى أنها مهمة بشرط أن تحفز الكاتب على البذل والعطاء، و" تعرّف بالكاتب وتدفعه إلى السطح في مجتمعات عربية لا تقرأ ولا تجازف ولا تغامر. ثم إن الكاتب أيضا كائن يقتات على الخبز. والحقيقة المرة في أوطاننا العربية أنه في أغلب الأحيان كائن تاعس لأنه فقير. لا يجني ما يكفي من المال ليعيش بكرامة مثلما يفعل لاعب كرة القدم أو الممثل أو حتى الصحفي. غير أنّ الجوائز حين تصبح هاجساً، وحين يصبح هناك مواسم للكتابة شبيهة بمواسم الحصاد لأجل الجوائز، فإن ذلك يصبح خطراً جدا على الأدب".

فـــــــن وألـــــــم

لا شكّ في أن للكاتب علاقة وطيدة بالفنون، ويصعب أن يحصل تنافر بينها في ذهن كاتب أو شاعر، خاصة أن الفنون تتكامل أدباً وشعراً وموسيقى ومسرحاً، لذلك لا أحد في اعتقادنا يمكنه التعبير عن ذلك أفضل من الكاتب نفسه: "علاقتي بالفنون عامة لم تكن ذات بال؛ ذلك لأنني نشأت كما سبق وذكرت في وسط اجتماعي متصحر. لم يكن رائجا في مناخ ريفي كالذي عشت فيه طفولتي وجانبا من شبابي أن يمارس الأطفال المنتمون إلى الطبقة المعدمة الفقيرة أي نوع من الفنون، ناهيك عن أن يبدع فيها. مثلاً في ريف كريف الشمال الغربي التونسي كان بدعة أن يكون لصبيّ مثلي آلة موسيقية، أو يتردّد على المسرح، أو ينخرط في نادي للرقص، أو أن يداوم على مرسم. كلّ هذه الأشياء كانت حكراً على سكان المدينة من المرفهين. غير أنّ المطالعة جعلت مني رغم ذلك الحرمان الفنيّ كائناً حساساً للفنون عن طريق الاستيهام، فرحت أتمثل كلّ ذلك في الكتابة. مع ذلك أذكر أنه في تلك المرحلة كنت أستمع للموسيقى عبر المذياع، وبعد ذلك على شاشة التلفاز بعد أن أصبح لنا واحد بالأسود والأبيض. أتذكر أنّ أذني تدربت على الأغاني الثورية والوطنية التي كنت ألتقطها في ساعة متأخرة من الليل عبر الأثير ومن خلال محطات ثورية، أذكر منها صوت الوطن العربي الكبير، صوت اللجان الثورية، وكانت تصدح بأغاني لعبد الحليم حافظ وأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وغيرهم".

ويتابع في شيء من الأسى: "في سن المراهقة بدأت أنتبه إلى الأغاني العاطفية، ثم السينما خاصة، ومثل كل شباب الطبقة الفقيرة، كانت أغاني "الراي" الجزائرية والفن الشعبي التونسي، هي الحاضنة والحاملة لهموم المهمشين والمسحوقين. وأعتقد أنني إلى اليوم مدين لهذه الموسيقي كثيراً. فهي التي شحنتني على مدى سنوات برغبة التمسك بالحياة رغم المصاعب، وهي التي أكسبتني مناعة من الآخر الذي يجب ألاَّ أعوّل عليه بتاتاً، والذي لن يمدّ لي يده حين أسقط. في المحصّلة، كان عطشي للفنون يتفاقم يوما عن يوم. وكان عليّ أن أتدارك ما فاتني في مرحلة أصبح متاحا لي التمتع بالفنّ. أتذكر أنني كنت أشاهد فيلمين أو أكثر خلال ليلة واحدة من ليالي المبيت الجامعي. ثم شغفت بدور السينما والمسرح والعروض الموسيقية. سمعت روائع "بيتهوفن" و"موزارت"، وتأملت لوحات خالدة لـ"دافنتشي" و"فريدا كاهلو"، و"باتاي"، ورأيت أفلاماً كـ"تيتانيك" و"كازينو" عشرات المرّات، وشاهدت مسرحيات لا تنسى، غير أن ذلك الالتحاق المتأخر بالفنون يجعل منّي دائماً زائراً أو عابر سبيل لا أكثر، لأحط الرحال عند الكلمات التي تعوّدت عليها ولا أشعر بالأمان إلا عندها".

مرارة..

"المشهد الثقافي العربي عامة والتونسي بشكل عام هو مشهد موبوء للأسف الشديد". هكذا يقول قديش معبراً عن ألمه إزاء ما يعيشه من تردّ ثقافي في الساحة العربية، رغم أنه "ليس أشدّ مرارة على الكاتب أن يصف الجسد الذي يرتبط به بحبل سرّي من أن يشخص حالته بهذه الطريقة" على حد عبارته. ذلك أنه، على هذه الرداءة يظل مرتبطاً بهذا المشهد رغماً عنه: "أنا لست من نوع الكتاب السرياليين وما أكثرهم الذين يدعون مقدرة على العيش متعالين على الوباء الذي ينتشر حولهم. كأن يقول لك أحدهم: أنا أعيش بمنأى عن الجميع، لا يهمني ما يفعله غيري. أنا غير معني مثلاً بالرداءة والتفاهة الضاربة هنا وهناك، وغيرها من العنتريات الفارغة. الكاتب في اعتقادي سيبقى دائماً ذلك الكائن الأنثروبولوجي الذي يتأثر بالمكان والزمان والمجتمع والدين والسياسة ويتفاعل مع كلّ ذلك. مشاكل الثقافة في وطننا العربي لا تحصى ولا تعد، وأمراضها مزمنة ولست في وارد أن أشخصها، لكنني أحاول أن أتعايش معها، مثل مريض السرطان الذي يتوجب عليه أن يعايش الورم". ولكن في هذه الظلمة نور وفي آخر النفق يشع بصيص ضئيل: "هذا لا ينفي بعض الجوانب المشرقة على قلتها. ثلة من الأصدقاء المبدعين ورفاق القلم هو ذلك النور الذي يضيء النفق المظلم. هم ذلك "المورفين" الذي يهوّن عليّ أوجاع الموت، وهم على الرغم من الرداءة يصنعون الربيع على قلّة الفراشات. في تونس، الرواية تصنع مجدها وتتقدم على مهل. أتذكر أنني خلال توزيع جوائز "الكومار الذهبي" للرواية العربية للسنة الماضية صرّحت في مصدح منشطة الحفل أن الرواية التونسية ستتزعم الرواية العربية. بعدها بفترة قصيرة نالت "الطلياني" لشكري المبخوت جائزة البوكر العربية. منذ مدة قصيرة تحصل الروائي والشاعر شفيق طارقي على الجائزة الأولى للرواية في مسابقة دبي الثقافية. هناك أسماء أخرى قادمة على صهوة الإبداع؛ لم يكن ذلك مجرّد حدس ولم أقرأ يومها فنجاناً ولم ينزل عليّ وحي، لكنني بقدر ما اقتربت من هؤلاء الأصدقاء، وبقدر ما قرأت لهم ازددت يقيناً بأن إبداعهم قادم".

ليس نبيل قديش سوى واحد من الأصوات الجديدة القادمة على مهل، يرسخ قدمه في عالم الإبداع قصة ورواية بأناة الكبار 

ليس نبيل قديش سوى واحد من الأصوات الجديدة القادمة على مهل. يرسخ قدمه في عالم الإبداع قصة ورواية بأناة الكبار واعداً بأن المستقبل للقلم وحده، وبأن ممسك القلم ليس بالضرورة ممسكاً جمراً، ولكنه قد يحمل من حيث لا يعلم، أداة سحرية لتغيير العالم وكنس الرداءة من ساحاته.

 

يمكن تصفح العدد الثالث والعشرون من المجلة من خلال الضغط على الرابط عبر موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث

http://goo.gl/WNW8rX

كما يمكن تصفح جميع الأعداد الصادرة من مجلة "ذوات" من خلال الضغط على الرابط عبر موقع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث":http://goo.gl/XvevRU

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق