اللغة ولمعانها في ديوان: "بعضه سيدوم كالبلدان"
24 نوفمبر 2016 | 0 تعليق

*باحث مغربي
عبد الواحد مفتاح*

في قصيدة علي البزاز يقترب الشعر من إطلالته، يقترب معه أكثر أن يكون شعراً، وهو يؤسّس لالتفاتته الخاصة داخلنا، في إشراق وجداني فيض نبعه، وهو هنا حالة واقعة بكُلّيتها في مجازيَّة التعبير الإشراقي، في اقتصاد في اللغة الشعريَّة، وتكثيف في العبارة، وإعلاء من سلطة المحو في مهارة، والصقل المبرح للجملة السطريَّة، وفي ديوانه "بعضه سيدوم كالبلدان" نجد أنَّ الشاعر تخلص من الزوائد التي كنسها، ورتَّب البياض إزاءها في لغة حادَّة وحاملة لشرطيَّتها الإبداعيَّة.

في ديوان الشاعر علي البزاز "بعضه سيدوم كالبلدان" تستطيع أن تكتشف، بلا تنقيب كبير، أنَّ هناك التماعات تنشأ عن مجتمع القصائد وتواصلها المتبادل مع بعضها بعضاً داخل الديوان، نقول عنها إنَّها التماعات كليانيَّة، ذلك أنَّ القصائد تتحدَّث بواسطة جسدها، أمَّا الرغبة فيها فتصوغها إرادة البهجة، لهذا تجدني أقرأ الديوان دفعة واحدة، بالبطء الكافي لأعثر على نفسي داخله، وهو ديوان فضلاً عن لغته الشفَّافة ومفعول الابتكار في الأسانيد الأسلوبيَّة لنصوصه، يمتلك ذلك الوقع الحي الذي يجعلك ما إن تخرج من قراءته حتى تنسى شكل الشعر الذي دخلت من أجله، ديوان استطاع أن يشرع لنفسه باباً واحداً للدخول، وآخر للخروج، ونافذة للإطلالة اللَّازمنيَّة على الشعر.

القصيدة لدى هذا الشاعر كيمياء روحي، من هنا تتوسَّع دائرة أسئلتها لتشمل ما حضرنا الانتباه له. ما البواعث التي أفرزت المسار البلوري للجملة السطريَّة داخل منزلقات ثوبها؟ هل يجب البحث عن ذلك في نشأة البياض المريح التي أسندها إليه؟ أم هي مرتبطة بخط التكوين والتصفيفيَّة الناعمة التي وفرها لها وعاشت فيه؟ كيف قدَّم الشعر في ثوب النثر؟ وما المعايير التي لاءم ثوبها فيه؟ أسئلة كثيرة قد تجد يناعتها في جماليَّة الهويَّة المرحة التي تنعم بها، وتهبها ملكة تشكيل الجمال البكر، الذي يأخذك لتغير العالم الذي يقدّمه الإدراك، عبر تلك المساحات الحلميَّة التي تعطي الحياة واللغة والمادة بإشراقيتها المنيرة.

  فالزمان هنا جزء من الواقع الذي تتوخَّى هذه القصيدة بناءه، وليس وصفه. إنَّهما محض إمكانيَّة للوجود. إمكانيَّة إحداثية تخضع للممكن، فالانفصال والتحوُّل الذي تهجس به الكلمة الشعريَّة داخل هذه القصيدة هو معطى الانفصال الذي هيَّأ لها سبباً لتأسيس إسهام التنوُّع بخريطتنا الشعريَّة، فالنورانيَّة التي يشغلها علي البزاز في فتح مسالك بين النثر والشعر لجعل القصيدة تجعل الكلمة تنسج فيه مجازاً كشقائق موج مع جملتها السطريَّة، هي ما يجعل فعل القراءة يقدّم نفسه كفعل واقٍ ضدَّ أنواع التحليل الوصفيَّة.

تتخذ اللغة في ديوان "بعضه سيدوم كالبلدان" طابعاً متفجراً ومنفصلاً عن ماضيها التداولي، حيث نلحظ المعجم اللغوي داخلها وسلاسة البسط التي يعمدها الشاعر إياها، لنجد أنَّها لغة متفتّحة وملتمعة في رحابة أقانيم أسلوبيَّة لم تتواضع عليها كيانيتها من قبل، فعلي البزاز ضمَّخ لغته منذ وقت مبكر من تجربته أصالة خاصة، في انزياحيَّة نحو تكسير البنية، وتطويع الجملة السطريَّة، التي يركبها حمولة استيتيقيَّة ونفسيَّة دلالتها غزيرة ومنفتحة على أكثر من معطى قرائي.

بين عنوان الديوان والقصائد المبثوثة فيه وشيجة تكشف عن البديل الذي توسَّله الشاعر لتجاوز المقطع البلاغي المضغوط بزهد في الكتابة، وهو المتجسّد في عدد الكلمات القليلة البانية للبيت الشعري، هذا الزهد المبني على جماليَّة البتر وإشراق المحو، هو ما شغله في بناء قصيدة مرسلة التباريح، والذي ما انفكَّ يسري على كامل ما صدر عنه في المرحلة الجديدة من تجربته الشعريَّة، وهو ما يصير معه عنصر بناء وعتبة قرائيَّة مفتاحيَّة، توضح لنا مغالق الممارسة النصيَّة، وتكشف عن الدلائليَّة التي تتخللها.

وهنا لا يفوتنا أنَّ علي البزاز أحد شعراء الحساسيَّة الجديدة، الذين قدَّموا ويقدّمون خدمات جليلة لقصيدة النثر عبر تطويعها وتطويرها، وتفجير جماليات كثيرة في متنها، فالملاحظة الأساسيَّة داخل قصائده هي تلك الرؤية الخصبة والتعبيريَّة الدلائليَّة الشفَّافة التي سخَّرها للإفصاح عنها، وهي ما تجعل تجربته تُقرأ من زاوية خاصة في المحيط الجغرافي لهذه القصيدة، التي لولا أسماء قليلة حافظت على جمرتها وقَّادةً مشتعلة لخبا صوتها وسط تيارات الرداءة التي تجتاحها.

القصيدة هي ما تحيلني إلى ذات قادرة على رؤية العالم والإحساس به. سلاح مضاف ضدَّ الدمار والبشاعة التي تميز عالمنا المعاصر. وأنا أطالع ديوان "بعضه سيدوم كالبلدان" لم يرقني الحديث عن الميل الطبيعي لقصائده لبسط فتنتها وبهجتها كما ترى، ولا الحركات اللعوبة الداخليَّة لأجزائها، وإنَّما في تلك الالتماعات التي تعثر على نفسها في تعريفات الشعر في صورته المتغيرة، وهو ينطلق من الانفلاتات الممكنة للمجاز من مقامات الإدهاش، وهو ما لم يتأتَّ لها إلا باختراقاتها الاستيتيقيَّة لِلَّحظة المشتركة، وتحويل اللغة إلى لحظات الإحساس بالجمال؛ ما يجعلنا نقول إنَّها تمثل الشعر الذي يحرّر اللغة من عاداتها. فإن كانت الرياضيات قصيدة للفكر فالمجازات رياضيات للّغة. ما إن تقرأ هذه القصيدة حتى تستعيد هذا التوازن الضروري من أجل مقاومة ضغط الثوابت والضرورات الاجتماعيَّة، فالقصيدة من حيث هي خادم للإنسان ومفسِّر له، لا تستطيع أن تعمل إدراكنا بها ومساحة وجدانيتنا المسيَّجة على طبيعتها، إلا بقدر ما يسمح به نظام الملاحظة الذي استهدفناها به، وهو نظام الثوب الداخلي الشفَّاف للقصيدة، لهذا تجد علي البزاز هنا عمَّدها سلاسة بسط ورؤيويَّة كاملة، هي ما وهبت الديوان هذه الإطلالة الشعريَّة المغايرة، التي التحفت فضيلة الاختلاف وبهاء الشعر، ومن هنا أقول: كم أحبُّ أن أفرح!

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات السابقة

لا يوجد تعليقات سابقة. كن أول من يقوم بالتعليق

أضف تعليقاًً

الاسم
البريد الإلكتروني
* اختياري
عنوان التعليق
التعليق